عادل نعمان
استكمالًا لحديث النبوة الصادقة والنبوة التاريخية (التى بدأناها الأسبوع الماضى) فإن قضية خلق الإنسان والكون، وكيف بدأتا كانت الشغل الشاغل للأنبياء، فهى لحظة البداية والعلاقة بين الله وخلقه، واللحظة التى تؤسّس بناء الدين ومحطة الانطلاق لكل نبى، وتبدأ الرواية عند التوراة، والتوراة ليست كتابًا منزلًا بل هو أحداث تتسم بالأسطورة والخيال الشعبى كتبها كاتب التوراة على المعنى، والغريب أنها قاسم مشترك بين الأديان كلها، تتفق فى المضمون وتختلف فى بعض التفاصيل، ولا أظن أن مهمة الدين كشف أسرار النشأة والخلق، وأتصور أن الأديان قد كلفت نفسها مشقة إثبات هذه الروايات والتيقن من حدوثها، واستبعاد شبح الأسطورة وخيالات الكتاب والرواة والحكائين عنها.
ماذا قالت التوراة عن خلق الإنسان ونشأته (بتحفظ) وجاء فى سفر التكوين (وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِى جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا، وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلًا: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا تَمُوتُ». وجنة عدن ليست عدن اليمن، بل جنة غير محددة المكان فى القصة التوراتية، وربما تكون فى العراق، والرواية أن الله خلق آدم من تراب ونفخ فى أنفه نسمة الروح فصار حيًّا، وأعد له جنة فى عدن، وهى حديقة كبيرة فيها كل المخلوقات والأشجار والنباتات ليتنعم فى خيرات الله، ولكى لا يشعر بالوحدة خلق له من ضلعه حواء، لتكون الأنيس والأليف بعد أن شعر بالوحدة فى جنته، وخلقها من ضلعه حين سباته «نومه» لتكون جزءًا منه، وليست ندًّا له، حين ترى أنها مخلوق من ضلعه، واشترط عليهما أن يأكلا من خيرات الجنة عدا شجرة (معرفة الخير والشر).
تذكر التوراة أن «حية» تقدمت وتحدثت إلى حواء «لم تكن سُمِّيت باسم حواء عندئذ، وطلبت منها أن تأكل من الشجرة التى نهى الله الاقتراب منها، جاء فى التوراة (وكانت الحية أَحيَل جميع حيوانات البرية التى عملها الربُّ الإله... فقالت الحية للمرأة: لن تموتا إذا أكلتما من هذه الشجرة، بل الله عالِم أنه يوم تأكلان منها تتفتَّح أعينكما، وتكونان كالله عارِفَين الخيرَ والشر، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رَجُلها (آدم) أيضًا معها فأكل، فانفتحت أعينهما)، وكانا أعميين، وعرفا أنهما عرايا، فسترا أنفسهما بورق التين، وجاء فى التوراة (فرأت المرأة أنَّ الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأنَّ الشجرة شهيَّة للنظر، فأخذت من ثمرِها وأكلَت، وأعطت رَجُلها أيضًا معها فأكل، فانفتحت أعينُهما وعَلِما أنهما عُريانان، فخاطا أوراق تين، وصنعا لأنفسهما مآزر).
ولما كشف الرب الإله أمرهما وسألهما عن عصيانهما أمرَه وأكلهما من الشجرة، ألقى آدم اللوم على حواء، وحواء ألقت بدورها اللوم على الحية، ثم كانت عقوبة الرب على الجميع، جاء فى التوراة (وسمعا صوت الربِّ الإله ماشيًا فى الجنة، عند هبوبريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله، فى وسط شجر الجنة، فنادى الربُّ الإله آدمَ وقال له: أين أنت؟ فقال: صوتك فى الجنة فخشيتُ لأنى عُريان، فاختبأتُ فقال: من أعلمَكَ أنك عريان؟ هل أكلتَ من الشجرة التى أوصيتُك ألَّا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التى جعلْتَها معى هى التى أعطتنى من الشجرة فأكلت؟ فقال الربُّ الإله للمرأة: ما هذا الذى فعلتِ؟ فقالت المرأة: الحيَّةُ غرَّتنى فأكلتُ،
فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلتِ هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تَسعَين وتُرابًا تأكُلين كلَّ أيام حياتك، وأضَعُ عداوةً بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، هو يسحَقُ رأسك، وأنت تَسحقين عقِبَه (مؤخرة القدم). وقال للمرأة «حواء» قَالَ لِلْمَرْأَةِ: تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ. وقال لآدم: لأنك سمعتَ لقول امرأتك، وأكلتَ من الشجرة التى أوصيتُك لا تأكُل منها، ملعونة الأرض بسببك، بالتَّعَب تأكُل منها كلَّ أيام حياتك، وشوكًا وحَسَكًا تُنبت لك، وبعرَق وجهك تأكُل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التى أُخذتَ منها، لأنك تُراب وإلى التراب تعود، ودعا آدم اسم امرأته حواء، لأنها أم كل حى، وصنع الربُّ الإله لآدم وامرأته أقمصةً من جِلد وألبسهما.
وخاتمة الرواية فى التوراة: (وقال الربُّ الإله، هو ذا الإنسان، قد صار كواحدٍ منَّا،عارفًا الخير والشر، والآن لعلَّه يمدُّ يدَه ويأخُذ من شجرة الحياة أيضًا، ويأكل ويحيا إلى الأبد... فطُرد الإنسان، وأقام شرقى جنة عدن، ولهيب سيف متقلِّب لحراسة طريق شجرة الحياة).
هذه الأسطورة على هذا النحو من يقبلها من الناحية الدينية معذور، ومن يرفضها من الناحية العلمية معذور (والحكاية لها وجوه عدة).
(الدولة المدنية هى الحل).
نقلا عن المصرى اليوم





