حمدى رزق
رائعة المتنبى التى يقول فيها: «عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.. بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ»، لسان حال الفلاح فى عيد الفلاح (٩ سبتمبر)، مر مرور الكرام، دون احتفال رسمى أو شعبى يليق بعطاء وتضحيات الفلاح، فحسب احتفال حزبى يتيم أقامه حزب الوفد امتنانًا وعرفانًا، عُرف الوفد تاريخيًا باسم «حزب الجلاليب الزرقاء».
والدى (الله يرحمه) وكان فلاحًا ابن فلاح، لم يسمع شعر المتنبى ولكنه سمع جده الفلاح يقولها بمرارة تعبر عن شقاء الحال «الفِلاحة مناحة»، جدى توفى قبل أن يشدو عبدالوهاب «محلاها عيشة الفلاح». يبدو أن موسيقار الأجيال كان يطيب خواطر الفلاح المزروع فى أرضه نسيًا منسيًا.
ورغم الجفاء والشقاء، أصيل الفلاح المصرى يقف شامخًا فى حقله، شاكرًا ربه، حاملًا فأسه، وقدماه مغروستان فى الأرض الطيبة فى حبور.
الطهر عنوانه، والشقى نصيبه، يحنو على زرعته كأولاده، قانع بما تغله أرضه، ويأمل فى غلة تكفيه سؤال التاجر اللئيم، والبركة حاضرة بفضل الدعاء لرب كريم.
الفلاح كالجبل صامد فى مواجهة غائلة الأسعار، التقاوى والمبيدات والسولار، تضاعفت أسعارها، ولايزال قابضًا على الجمر، ويرجو نظرة حانية فى الشمس الحامية.
الفلاح يستأهل كل الخير، ودعمه واجب وطنى مستوجب، دعم الفلاح عين الاستثمار، الفلاح لا يبخل بالعرق، فقط يحس بالأمان من غدر الزمان، وبالاعتبار ما يغنيه عن تحكم التجار الفجار فى زرعته ولقمته ومعايش ولاده.
الفلاح رمانة الميزان، ومنى عينيه يضاعف الغلة، بدل الإردب اتنين وتلاتة، ولكن اليد قصيرة عن إدراك الأمانى، والعين بصيرة، والفم مرارته علقم، وحلوه شاى مسكر، متى تحلى العيشة كما يغنى عبدالوهاب؟!
الفلاح المواطن الوحيد فى بر مصر الذى لا يعرف الإجازات، (لا عارضة ولا مرضية...). الفلاح لا يملك رفاهية الوقت، ولا يحرث فى الوقت الضائع.. وراه واجب، زرع وحصد، كما فى كتاب القراءة الرشيدة.
الفلاح أبو قيراطين إيجار، وطين الترعة على كعابه، والشقوق محفورة أخاديد فى وجناته، والشمس لوحته، والبرد نشف الدم فى عروقه، يعالج جروحه الحياتيه بالعمل الشاق المستدام.
فلاحنا الطيب فى رقبته كومة عيال، وحامد ربه على الرزق الحلال، تكفيه ابتسامة رضا وسلام، «مش بتاع كلام»، فقط يرجو نظرة منصفة، ليكمل مشوار الأجداد.
فلاحنا أبو جلابية زرقاء على اللحم، عينه وعبادته، ودينه وديدنه، رعاية أرضه، مهمة مقدسة نذر لها نفسه وحياته، لا ينشغل عنها بفيديوهات ولا مسلسلات ولا اشتغالات، ولا تويتات ولا تغريدات فى تريندات.
الالتفاتة الحكومية المتأخرة للفلاح، بزيادة أسعار توريد بعض المحاصيل، تعوض بعض الشقاء، ولكنها لا تذيب المرارة فى الحلوق، الفلاح يحتاج إلى نقلة حياتية فى خطة تنموية، فلاح الألفية الثالثة حفيد الأجداد العظام منذ سبعة آلاف عام يحتاج إلى استراتيجية زراعية جديدة.
معلوم الخطط الطموح تستهدف الزراعة فى الصحراء، ولكن فلاح الوادى والدلتا يستحق الشكر والعرفان وقبلها مزيد من الاهتمام، والآمال معلقة فى رقبة الفلاح يكفينا مؤنة سؤال الاستيراد.
فلاحنا، يحتاج إلى عون عاجل، خطة تعينه على كلفة الزراعة، الزراعة فى الأرض السوداء القديمة ثقيلة فى الميزان، والفلاح ينتظر الغوث، ونظرة رئاسية مقدرة للفلاح تغير طعم الحياة.
نقلا عن المصرى اليوم





