هانس يوناس

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
هذه هي الأسطورة المؤقّتة التي سبق أن اقترحتُها للتأمّل في سياقٍ مختلف. ولم أفهم دلالاتها اللاهوتيّة إلّا فيما بعد. وسأحاول هنا أن أشرح بعضًا من أوضح هذه الدلالات، آملًا أن يربط هذا الانتقال من الصورة إلى المفهوم بين ما قد يبدو حتى الآن خيالًا شخصيًّا غريبًا وبين التقليد الأوسع والأكثر مسؤوليّة في الفكر الدينيّ اليهوديّ.

أوّل ما تقوله هذه الأسطورة، وبصورة واضحة، أنّنا أمام إله متألّم. ويبدو هذا فورًا متعارضًا مع التصوّر الكتابيّ لجلال الله. وبالطبع يحمل تعبير «الإله المتألّم» معنى مسيحيًّا معروفًا ينبغي ألّا نخلطه بما تقوله أسطورتي؛ فالمعنى المسيحيّ يتحدّث عن فعل مخصوص، ترسل فيه الألوهة، في لحظة معيّنة ولغرض مخصوص هو خلاص الإنسان، جزءًا من ذاتها إلى حالة من الألم، أي في التجسّد والصلب. أمّا إن كان لما قلته أيّ معنى، فمعناه أنّ العلاقة نفسها بين الله والعالم، منذ لحظة الخلق، وبالتأكيد منذ خلق الإنسان، تتضمّن ألَمًا من جهة الله. وأنّ المخلوق يتألّم أمر اعترف به كلّ لاهوت دائمًا. أمّا فكرة أنّ الله نفسه يتألّم مع الخليقة فلم تحظَ بالاعتراف نفسه.

لكن هل هذه الفكرة متعارضة حقًّا مع الكتاب المقدّس بقدر ما يبدو في البداية؟ ألا نلتقي في الكتاب المقدّس بالله الذي يرفضه الإنسان فيحزن بسببه؟ ألا نراه يندم على خلق الإنسان ويتألّم بسبب خيبة أمله فيه، ولا سيّما في شعبه المختار؟ نتذكّر النبيّ هوشع، وصورة حبّ الله الذي ينوح على إسرائيل، زوجته الخائنة.

وثانيًا، تقترح الأسطورة صورة إله في صيرورة. أي إنّه إله يظهر داخل الزمن بدلًا من امتلاك وجود مكتمل يظلّ مطابقًا لذاته طوال الأبديّة. ولا شكّ أنّ فكرة الصيرورة في الله تختلف عن التقليد اليونانيّ الأفلاطونيّ-الأرسطيّ في اللاهوت الفلسفيّ، الذي دخل بعد ذلك في التقليدين اليهوديّ والمسيحيّ واكتسب سلطةً لا يستحقّها كلّها بحسب المعايير اليهوديّة الأصيلة، بل والمسيحيّة أيضًا. فقد عُدّ التعالي عن الزمن، وعدم التألّم، وعدم التغيّر صفات ضروريّة لله. كما أنّ التمييز الأنطولوجيّ الذي أقامه الفكر الكلاسيكيّ بين «الكينونة» و«الصيرورة»، وجعل الصيرورة من خصائص العالم الحسّيّ الأدنى، استبعد كلّ ظلّ من ظلال الصيرورة عن الكينونة الخالصة والمطلقة للألوهة. لكن هذا التصوّر الهيلينيّ لم ينسجم قطّ انسجامًا حسنًا مع روح الكتاب المقدّس ولغته، ويمكن في الواقع التوفيق بين فكرة الصيرورة الإلهيّة وبينهما بدرجة أكبر.

ولكن ماذا يعني "الإله الذي يصير"؟ حتى إذا لم نذهب إلى أقصى ما تقوله أسطورتنا، ينبغي لنا على الأقلّ أن نسلّم بهذا القدر من الصيرورة في الله: أنّ ما يحدث في العالم يؤثّر فيه. وأن «يتأثّر» يعني أن يتغيّر، وأن يصبح مختلفًا بطريقة ما. وحتى إذا تركنا جانبًا أنّ الخلق نفسه — فعل الخلق ونتيجته الدائمة — كان تغييرًا حاسمًا في وضع الله، إذ لم يعد بعده وحده، فإنّ علاقة الله المستمرّة بالخليقة، بعد أن صارت موجودة وتتحرّك داخل تيّار الصيرورة، تعني أنّه يختبر شيئًا مع العالم، وأنّ ما يحدث فيه يؤثّر في كيانه. وينطبق هذا حتى على مجرّد المعرفة المصاحبة، فضلًا عن الاهتمام والعناية. فإذا كانت لله علاقة بالعالم أصلًا — وهذا افتراض أساسيّ في الدين — فإنّ الأزليّ يكون بهذا وحده قد «دخل في الزمن»، ويصير مختلفًا تدريجيًّا مع تحقّقات مسار العالم.

وتترتّب على فكرة الإله الذي يصير نتيجة جانبيّة أيضًا، وهي أنّها تهدم فكرة «العود الأبديّ للأمر نفسه». وقد قدّم نيتشه هذه الفكرة بديلًا من الميتافيزيقا المسيحيّة، التي تلتقي هنا مع الميتافيزيقا اليهوديّة. فالعود الأبديّ هو التعبير الأقصى عن زمنيّة بلا أيّ تعالٍ يحتفظ بذاكرة ما يحدث في الزمن: حين تنفد كلّ التركيبات الممكنة لعناصر المادّة، يعود التكوين الأوّل نفسه، وتبدأ الدورة من جديد؛ وإذا حدث ذلك مرّة، فسيحدث مرّات لا تُحصى، أي «حلقة الحلقات، حلقة العود الأبديّ» عند نيتشه. لكن إذا افترضنا أنّ الأبديّة لا تبقى بلا تأثّر بما يحدث في الزمن، فلا يمكن أن يعود الأمر نفسه مرّة أخرى، لأنّ الله لن يكون هو نفسه بعد أن يكون قد اجتاز خبرة مسار عالميّ كامل. وسيحمل أيّ عالم جديد يأتي بعد نهاية عالم سابق، في ميراثه بطريقة ما، ذاكرة ما حدث قبله. لن تكون الأبديّة عندئذ أبديّة ميتة وغير مبالية، وإنما أبديّة تنمو بما يتراكم من حصاد الزمن.

ويرتبط بمفهومي الإله المتألّم والإله الذي يصير مفهوم آخر: الإله المعتني. إنّه إله غير بعيد ولا منفصل ولا مكتفٍ بذاته، وإنما منخرط فيما يعتني به. وأيًا كانت الحالة الأولى للألوهة، فقد توقّفت عن أن تكون مكتفيةً بذاتها منذ أن دخلت في مغامرة وجود العالم، بخلقه أو بالسماح له بأن يصير. إنّ عناية الله بمخلوقاته من أكثر تعاليم الإيمان اليهوديّ ألفة. لكن أسطورتي تشدّد على جانب أقلّ ألفة: هذا الإله المعتني ليس ساحرًا يضمن، بمجرد اهتمامه بشيء، أن يتحقّق ما يريده. لقد ترك شيئًا لفاعلين آخرين لكي يقوموا به، وبذلك جعل عنايته نفسها مرتبطةً بهم. فهو إذًا إله معرّض للخطر، إله يخاطر.

ولا بدّ أن يكون الأمر كذلك؛ وإلّا لكان العالم في حالة كمال دائم. وحقيقة أنّه ليس كذلك تشير إلى أحد أمرين: إمّا أنّ الإله الواحد غير موجود، أو أنّ الواحد قد أعطى لفاعل آخر غيره، مع أنّه مخلوق منه، قدرةً وحقًّا في أن يعمل بذاته، ومن ثمّ مجالًا لكي يشارك، ولو جزئيًّا، في تقرير ما يهمّ الله. ولهذا قلتُ إنّ الإله المعتني ليس ساحرًا. لقد تنازل، بفعل قد يصدر عن حكمة لا نعرفها أو عن محبّة أو عن دافع إلهيّ آخر، عن أن يضمن بقوّته الخاصّة تحقيق ما يريد، بعد أن كان قد تنازل أصلًا، بفعل الخلق نفسه، عن أن يكون "الكلّ في الكلّ".

وهنا نصل إلى ما قد يكون أكثر نقاط مغامرتنا اللاهوتيّة التأمّليّة حساسيّة: هذا ليس إلهًا كليّ القدرة. ونحن نقول إنّه، من أجل صورتنا عن الله ومن أجل علاقتنا بالإلهيّ، بل ومن أجل أيّ لاهوت قابل للحياة، لا نستطيع أن نتمسّك بالعقيدة التقليديّة، الوسيطيّة، عن قدرة إلهيّة مطلقة وغير محدودة. وسأبدأ بالحجّة على المستوى المنطقيّ وحده. ففكرة القدرة المطلقة تحمل تناقضًا في ذاتها. والوضع ليس كما لو أنّ القدرة الإلهيّة المطلقة هي الفكرة العقلانيّة البديهيّة، وأنّ تقييدها هو الفكرة الغريبة التي تحتاج إلى دفاع. العكس هو الصحيح. من مفهوم القدرة نفسه يظهر أنّ القدرة المطلقة مفهوم متناقض مع ذاته ومدمّر لذاته، بل بلا معنى.

والأمر يشبه الحرّيّة في المجال الإنسانيّ. فالحرّيّة لا تبدأ حيث تنتهي الضرورة، وإنما تقوم وتعيش في مواجهتها. وإذا انفصلت الحرّيّة عن كلّ ضرورة أو مقاومة، فقدت موضوعها وصارت فارغة، كما تصبح القوّة بلا مقاومة فارغة. والحرّيّة المطلقة ستكون حرّيّة فارغة تلغي نفسها. وكذلك القدرة. فالقدرة المطلقة الكاملة تعني قدرةً لا يحدّها شيء، حتى مجرّد وجود شيء آخر غير حامل هذه القدرة؛ لأنّ وجود هذا الآخر نفسه يمثّل حدًّا للقدرة المطلقة. ولو أرادت هذه القدرة أن تحفظ إطلاقها تمامًا، لكان عليها أن تفني كلّ آخر. لكن القدرة المطلقة، إذا بقيت وحدها، لا تجد موضوعًا تعمل عليه. وبوصفها قدرةً بلا موضوع تصبح قدرةً عاجزة، تلغي نفسها. "الكلّ" يساوي هنا "الصفر".

لكي تعمل القدرة، يجب أن يوجد شيء آخر. وبمجرد وجود هذا الآخر لا يعود الواحد مالكًا للقدرة كلّها، مهما كانت قوّته أعظم بدرجات لا يمكن تصوّرها من قوّة الآخر. فوجود الآخر يحدّ قدرة أقوى الفاعلين، وفي الوقت نفسه يسمح له بأن يكون فاعلًا. وباختصار: القدرة مفهوم علاقيّ، وهي تفترض العلاقة. والقدرة التي لا تواجه أيّ مقاومة في الطرف الآخر تساوي انعدام القدرة. فالقدرة لا تُمارس إلّا في علاقة بشيء يمتلك هو نفسه قدرةً ما. ولذلك ينبغي أن يملك ما تُمارَس عليه القدرة قدرةً خاصّة، حتى إذا كانت هذه القدرة مشتقّة من القدرة الأولى وممنوحة له منها، مع وجوده نفسه، من خلال تنازل عن القدرة غير المحدودة في فعل الخلق.

وخلاصة الأمر: لا يمكن أن تكون القدرة كلّها في جانب فاعل واحد. ينبغي أن تتوزّع القدرة لكي توجد قدرة أصلًا.

يتبع…