د. محمود خليل
جمع الخليفة الفاطمى «الحاكم بأمر الله» فى شخصيته من المتناقضات ما لم يجمعه والٍ أو خليفة تربّع على سرير الملك فى مصر.

تناقض السلوكيات أو المواقف لدى الشخص العادى وارد فى الكثير من الأحوال، لكن عندما يكون هذا الشخص فى مربع الحكم، فإن تناقضاته تكون مؤثرة على الناس، لذا يتم تسليط الضوء عليها، ويميل المؤرخون إلى تلميعها أكثر وأكثر، إذا كانت هناك خلافات مذهبية بينهم وبين من يكتبون عنه، وتستطيع القول إن الحاكم بأمر الله كان من هذا النوع من الخلفاء الذين تميزوا بدرجة واضحة من التعصب المذهبى والدينى، فانعكس ذلك على موقف معارضيه منه، وحاول المؤرخون المخالفون له إبراز تناقضاته دون خوف من أى اتهام بالمبالغة.

تعصب الحاكم بأمر الله لمذهبه الشيعى كان عظيماً، وقد تجلى ذلك فى بعض الإجراءات التى اتخذها، ولم يجرؤ عليها من سبقوه من الخلفاء الفاطميين (أبوه العزيز وجده المعز)، مثل التوجيه الذى أمر فيه بأن يُكتب على المساجد والجوامع سب أبى بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص، وكانت وجهة نظره «المتشيعة لأهل البيت» ترى أن هؤلاء الصحابة عادوا علياً بن أبى طالب، الذى يراه الشيعة أولى بالخلافة من أبى بكر وعمر، وأن عائشة وطلحة والزبير عادوه وحاربوه فى موقعة الجمل، ومعاوية وعمرو تآمرا عليه فى واقعة التحكيم، بما ترتب عليها من نتائج أدّت إلى الانقسام الذى وقع داخل صفوف جيشه.

ولأن «التناقض» فى السلوكيات كان يُمثل مفتاح فهم شخصية «الحاكم» فقد رجع فجأة عن هذا التوجيه وأمر بمحو هذا السب بعد سنتين من الأمر بكتابته.

لم تتوقف المسألة بـ«الحاكم بأمر الله» عند حد التعصّب المذهبى، بل تجاوزه إلى التعصّب الدينى، وعدم مراعاة القيم التى أمر بها الإسلام فى التعامل مع أهل الكتاب، من اليهود والمسيحيين. يقول «ابن تغرى بردى»: «وجعل لأهل الذمة علامات يُعرفون بها، وألبس اليهود العمائم السود، وأمر ألا يركبوا مع المسلمين فى سفينة، وألا يستخدموا غلاماً مسلماً، ولا يركبوا حمار مسلم، ولا يدخلوا مع المسلمين حماماً، وجعل لهم حمامات على حدة، ولم يبقَ فى ولايته دير ولا كنيسة إلا هدمها».

هذه السلوكيات وغيرها لم تكن تستقيم مع ما عُرف عن بعض من سبقوه من الولاة والخلفاء من تسامح مع أهل الكتاب، خصوصاً الأقباط الذين ظلوا على مسيحيتهم، بعد دخول العرب مصر، نعم كانت مسألة هدم الكنائس حاضرة، للاستفادة من أعمدتها وحجارتها فى بناء المساجد، وقد بدأ هذا التقليد السيئ فى عصر أحمد بن طولون الذى لجأ إلى ذلك وهو يبنى مسجده الشهير، لكن «الحاكم» تجاوز كل الحدود على هذا المستوى، حين أمر المسيحيين بلبس الصلبان وأمر اليهود بوضع قطع خشب فى رقابهم حتى يتميزوا عن المسلمين.

هذه السلوكيات المحكومة بالتعصّب المذهبى أو الدينى وما ترتب عليها من أذى وأضرار بقطاعات من المصريين دفعت معاصرى الحاكم بأمر الله وكذلك المؤرخين من بعده إلى تشويه صورته والتحفّظ على سيرته.
نقلا عن الوطن