(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
إنّني أعتقد اعتقادًا راسخًا، وتتزايد رساختُه وواقعيّته يومًا بعد يومٍ، بأنّ أزمة الكنيسة المعاصرة لهي أزمةُ العائلة المعاصرة أيضًا. فليستْ عائلاتُ اليوم –من جوانبٍ عدّة– مِثْل عائلات العصور والعقود المنصرمة؛ ومن ثمّ، فليستْ كنيسةُ اليوم مِثْل كنيسة الأمس. فلننظر بعيونٍ فاحصة ماحصة، وعقولٍ وقلوب مفتوحة ومنفتحة لأحوال العائلات والأزواج والآباء والأبناء! فكيف ومتّي أصبحنا ما نحن عليه الآن؟

علينا أن نقرّ –كمسيحيّين– بصدقٍ وواقعيّةٍ أنّ أزمتنا الجوهريّة ليست مجرّد أزمة دعواتٍ، ولا أزمة هويّةٍ، ولا أزمة أخلاقٍ، ولا أزمة تكوينٍ، ولا أزمة إيمانٍ؛ إذ إنّ هذه الأزمات وغيرها، تجد جذورها الأساسيّة في أزمة العائلة المعاصرة بجوانبها المتعدّدة. فمِن دون عائلاتٍ حقيقيّة وأصيلة، لا ثمّة دعواتٌ، ولا هويّة، ولا أخلاق، ولا تكوين، ولا إيمان.

في الحقبة المعاصرة، تتزايد يوميًّا التحدّيات التي تواجه الأُسرَ المسيحيّة والأزواج؛ بل قد تفاقمت المشاكل بشكلٍ لا يخفى علي أحدٍ، وباتتْ على مرأى ومسمع من الجميع. ولا يخفى على أحدٍ أنّ حقيقة الزواج والعائلة تمرّ بمحنٍ متنوّعة، وثمّة اعتراضاتٌ وعراقيل وصعوبات ومعوّقات شديدة تكاد تعصف بها.

على مدار قرون من الزمن، قد كرّست الكنيسةُ وقتًا وأشخاصًا وأموالنا في عمليّة تكوين الإكليروس والرعاة، الذي يتطلّب بدوره أعوام من التكوين المتكامل؛ وهذا أمرٌ جوهريّ وضروريّ، ولا بدّ أن تستمرّ الكنيسة في تعضيده وتطويره. ولكن، أين يا تُرى تكوين العائلات الشامل، قبل سرّ الزواج المقدَّس وبعده؟ ولماذ انصبّ اهتمامُنا الروحيّ والرعويّ في بنيان وتكوين الأفراد، لا في بنيان وتكوين العائلات؟

لعلّ التساؤلات المنطقيّة والواقعيّة الأخرى، التي تُطرَح على الجميع من دون استثناءٍ لأحدٍ، هي التالية: ما هو موقعُ ومرتجى عائلات اليوم والغد، كنسيًّا ورعويًّا واجتماعيًّا؟ وماذا نحن فاعلون لتعزيز مكانة العائلات في الكنيسة والمجتمع المحيط بهم؟ وهل يمكننا الإبداع –بتجديدٍ حيويّ وحيويّة متجدّدة– في خلق مُناخٍ ثيولوجيّ وروحيّ ورعويّ للعائلات؟ كيف السبيل لتخطيط تكوينٍ شامل ومستديم للعائلات بجميع مكوّناتها؟ 

أجل، ليس الزواجُ والعائلة مرافقةً وشركة وتشارك وتعزية فحسب، بل مشقّةٌ وجاهد ومسؤوليّات وتضحيّات. ومن دون النعمة الإلهيّة الممنوحة لما كان لأحدٍ من البشر القدرة على تدبُّرِ هذا السرّ العظيم، الذي يشارك فيه الإنسانُ خالقَه وواهبَ الحياة ومجدّدها، ومسيحيَه الذي افتدى هذا الواقع ونَقَله من حيّزِ الخلق إلى حيّزِ الخلاص.