سحر الجعارة
قبل عدة أيام انتشرت صورة على السوشيال ميديا، عبر الصفحة الرسمية لمدرسة تابعة لإدارة دشنا التعليمية بمحافظة قنا، وتضمّنت الإشارة إلى ما وصفه المنشور بـ«الالتزام بالنقاب للطالبات»، وقد بادر وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى بإصدار بيان جاء فيه أن المنشور جاء نتيجة خطأ من مسئول صفحة «فيس بوك» الخاصة بالمدرسة، وقد تم حذفه على الفور، كما تمت إحالة مدير المدرسة ومسئول الصفحة إلى الشئون القانونية لاتخاذ الإجراءات اللازمة حيال الواقعة.
والحقيقة أنها بادرة محمودة بعد أن أثارت الصورة المفبركة استياء الأغلبية، ثم أكدت الوزارة على حظر ارتداء الطالبات النقاب داخل المدارس، باعتباره مخالفاً لإرشادات الزى المدرسى، أما ارتداء الحجاب للطالبات، ضمن الزى المدرسى، فيُعد من الأمور الاختيارية، ويجب أن يكون نابعاً من رغبة الطالبة الشخصية، دون تعرّضها لأى ضغط أو إجبار من أى شخص أو جهة.
قرار جرىء رغم خلوه من حظر ارتداء المدرسات للنقاب، فهو قرار يجب أن تتخذه الدولة بقرار إدارى يطبّق على جميع المنشآت الحكومية، وليس على المدارس فحسب.. وأتصور أننا بحاجة جميعاً للتكاتف من أجل منع تغلغل التيار السلفى فى المجتمع من خلال النقاب وتعدّد الزوجات وتهيئة الأرض مرة ثانية كالإخوان، باختراق المستوصفات ومدارس الأطفال لتحفيظ القرآن وغيرها.. أعلم أن لدينا «كتاتيب» تخضع لإشراف وزارة التربية والتعليم، لكن المعروف أن «الجماعات المتشدّدة» تبنى مجتمعها الخاص وتستقل عن الدولة ودستورها وقوانينها فى حياتهم اليومية.. مثلاً سوف تجد أن «زواج القاصرات والختان» ينتشران بينهم، لأنهم يخلقون مجتمعات بنمط القبائل التى تتبع كبيرها (شيخها) أو قوانينها الشفاهية.
صحيح أن جمهور السلفيين يحرّمون الخروج المسلح أو الثورى على الحاكم المسلم المتغلب أو الظالم، لكنهم قد ينقلبون فى لحظة على المجتمع، فيحققون شروطهم بالكذب والافتراء (الكفر البواح: أن يظهر من الحاكم كفر صريح وواضح.. والقدرة والاستطاعة: أن توجد القدرة الفعلية على إزالته دون أن يتسبّب ذلك فى مفاسد أكبر وفتنة تعود على المجتمع والخراب)!!
إنهم يسيرون على مذهب الإخوان فى الوصول للحكم، ما دام قاموسهم يملأ فراغ الأدمغة بأن غير المحجبة «سافرة وكافرة» وزوجها «ديوث».. والعفة تقتصر على من تقبل الضرب والشراكة فى زوجها وترتدى النقاب، وتترك إرثها ومالها للجهاد.
أدعى أن «المرأة المنتقبة» هى رسولهم المبعث للمجتمع، الذى ينشر أفكارهم ويجيّش جنودهم ويسحب الأطفال بعيداً عن التعليم ويخطف الشباب من أمام التليفزيون ليخلق أجيالاً معزولة تماماً عن سياق التحضّر والتمدن لتدخل فى غيبوبة.. ثم تتحول هذه الكتلة البشرية المغيّبة إلى «كتلة تصويتية» تختار مرشحيهم فى مجالس النواب لتبقى الأحزاب الدينية فى المجالس التشريعية.
إنه «الموديل» المتكرر لكل جماعة دينية متطرّفة، أو بالأحرى «تتدثر بعباءة الدين لتصل إلى الحكم».. تابع أى «جماعة» عندما تبدأ فى إطلاق هذه الكلمة الملعونة على نفسها، تكون تحولت من الدين إلى شهوة الحكم.. كل من يتخذ شكل «التنظيم» ولو نظرياً بالأفكار هو باحث عن السلطة، فالإخوان هم حشَّاشو هذا الزمان، وسوف تلاحظ تطابق نفس المنهج والسياسات مع حشَّاشى «حسن الصباح»، كما جاء فى هذا المسلسل الرائع، من حيث السرية فى التنظيم، والاغتيالات، وتوظيف الدين لخدمة السياسة، ودقة التنظيم وامتداده إقليمياً ودولياً، واختراق المؤسسات، والعمليات الانتحارية، والطاعة العمياء، وتكفير الخصوم، والمبايعة، ورفع راية الجهاد، وزندقة الولاة ورميهم بالفساد، وتنصيب أنفسهم هيئة لفرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومداعبة الأنصار بـ«حلم الخلافة».. إلخ، وهى نفسها القواسم المشتركة بين كل التنظيمات الإرهابية التى خرجت من عباءة «الإخوان - الحشاشين».
وإذا كان النقاب سوف يُتّخذ ذريعة لرفض فكرتى وتكفيرى كما هى العادة، فسوف أكتفى هنا برأى شيخ الأزهر الدكتور «أحمد الطيب» حين قال (إن النقاب ليس فرضاً ولا سنة ولا مُستحباً، بل هو عادة وليس عبادة، وليس فرضاً وليس سُنة، ولا ثواب لمن ترتديه ولا إثم على من تتركه).. وأضاف «الطيب»: إنه من الممكن خلع النقاب لضرورات المهنة، بعد أن أصبح منتشراً بين المدرسات والممرضات والطبيبات، وكلها مهن حساسة تؤتمن فيها المنتقبة على عقل وروح أو جسد البشر. مع إشارة، محذراً بإصبعه «بلغة الجسد»: (ولكن التى تلبسه لا تقول إننى ألبسه شرعاً، إنها كمن تلبس خاتماً أو تخلعه، أى يدخل فى باب «الزينة».. فهو ليس به أمر ولا نهى ولا يتعلق به ثواب ولا عقاب).
أما تيار الاستنارة ودعاة الدولة المدنية وأحسب نفسى منهم، فقد نالنا وابل من السهام القذرة والتشكيك فى ديننا ومحاولة اغتيالنا معنوياً، لأننا خُضنا هذه الحرب ضد «أقنعة المتأسلمين»، كان مطلبنا الرئيسى أن تنظم الدولة مسألة ارتداء النقاب داخل المؤسسات الرسمية بـ«قانون».. فهل يناقش مجلس النواب مشروعاً لقانون يمنع «النقاب» فى أماكن معينة، يُعد فيها التعرّف على هوية القائم بالعمل حقاً أصيلاً للمواطن؟
نقلا عن الوطن





