الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
كما وعدتُكم، أنشر بدءًا من هذه الحلقة ترجمة عربيّة، مباشرةً عن النصّ الإنجليزيّ، لمقال الفيلسوف اليهوديّ هانس يوناس «مفهوم الله بعد أوشڤيتس: صوتٌ يهوديّ». ولطول النصّ أقسّمه إلى أربع حلقات متتالية:
«حين قبلتُ شرف هذه الجائزة، قبلتُ معه أيضًا مسؤوليّة إلقاء الخطاب المصاحب لها. ثم قرأتُ في سيرة الحاخام ليوبولد لوكاس، الذي تحمل الجائزة اسمه، أنّه مات في تيريزينشتات، وأنّ زوجته دوروتيا، والدة مانح الجائزة، نُقلت بعد ذلك إلى أوشڤيتس، حيث لقيت المصير نفسه الذي لقيته أمّي هناك. عندئذ فرض موضوع هذه المحاضرة نفسه عليّ بقوّة لم أستطع مقاومتها. اخترتُه بخوف ورعدة، لأنّي شعرتُ أنّني مدين لتلك الظلال بألّا تبقى صرختهم القديمة إلى إله صامت بلا محاولة للجواب.
ما أقدّمه هنا قطعةً من لاهوتٍ تأمّليٍّ صريح. وهل يليق بفيلسوف أن يفعل ذلك؟ أترك السؤال مفتوحًا. فقد أبعد إيمانويل كانط أمورًا من هذا النوع عن مجال العقل النظريّ، ومن ثمّ عن عمل الفلسفة. وذهبت الوضعيّة المنطقيّة في قرننا أبعد من ذلك، إذ أنكرت حتى أن تكون للعبارات التي نتكلّم بها عن هذه الأمور دلالة موضوعيّة أو معنى مفهوميّ، واعتبرت مجرّد الحديث عنها بلا معنى قبل الدخول أصلًا في سؤال الحقيقة أو إمكان التحقّق منها. لكنّ كانط نفسه كان سيُدهَش من هذا الموقف. فهو كان يرى أنّ هذه الموضوعات، مع أنّنا لا نستطيع بلوغ معرفة بها، من أسمى ما يشغل العقل، وأنّ العقل لا يستطيع أن يكفّ عن التفكير فيها، حتى وهو يعرف أنّ حدود المعرفة الإنسانيّة تمنعه من امتلاكها.
وهذا الحظر على «المعرفة» لا يفرض علينا الصمت الكامل. فإذا سلّمنا بأنّنا لا نستطيع أن «نعرف» هذه الأمور، أمكننا مع ذلك أن نتأمّل فيها من جهة المعنى. والقول الشائع إنّ ما لا يمكن التحقّق منه حسّيًّا لا معنى له، لا يلزم إلّا من قبل هذا التعريف للمعنى منذ البداية. أمّا من لم يقبله، فيظلّ حرًّا في الاشتغال على مفهوم الله، مع علمه أنّه لا يملك برهانًا على وجود الله. وهنا يصبح الأمر مهمّةً للفهم، لا للمعرفة؛ ويظلّ عملًا فلسفيًّا ما دام يحافظ على صرامة المفهوم وترابطه مع سائر المفاهيم.
لكن هذا السماح الفلسفيّ العام لا يكفي أمام موضوعنا. فكما منح كانط للعقل العمليّ ما منعه عن العقل النظريّ، يمكننا نحن أيضًا أن نسمح لخبرة فريدة ومدمّرة بأن يكون لها صوت في السؤال عن الله. وهنا يظهر السؤال فورًا: ماذا أضاف أوشڤيتس إلى ما كان الإنسان يعرفه دائمًا عن الفظائع التي يستطيع البشر أن يرتكبوها بعضهم في حقّ بعض؟ وماذا أضاف، بوجه خاص، إلى خبرتنا نحن اليهود، التي تحمل في ذاكرتها الجماعيّة آلاف الأعوام من الألم؟ كان سؤال أيّوب دائمًا قلب سؤال «الثيوديسيا»، أي محاولة فهم عدل الله أمام وجود الشرّ. وهو سؤال عام بسبب وجود الشرّ في العالم، لكنه عند اليهود يزداد حدّة بسبب فكرة الاختيار والعهد بين إسرائيل وإلهه. وفي مراحل سابقة كان من الممكن، كما فعل الأنبياء، تفسير ما يقع لشعب العهد بخيانته للعهد نفسه. لكن بعد عصور طويلة من الأمانة لم يعد الذنب والعقاب تفسيرًا كافيًا، فظهرت فكرة «الشهادة»، التي وُلدت في عصر المكّابيّين وأعطت الأجيال اللاحقة مفهوم الشهيد.
وفي هذه الرؤية، قد يكون الأبرياء والأبرار هم الذين يعانون أكثر من غيرهم. ولهذا واجهت جماعات يهوديّة كاملة في العصور الوسطى الموت بالسيف والنار وهي تتلو שְׁמַע יִשְׂרָאֵל (شِماع يِسرائيل)، أي الإقرار بوحدانيّة الله. ويُسمّى هذا بالعبرية קִדּוּשׁ הַשֵּׁם (قِدّوش هَشِّم)، أي «تقديس الاسم». وكان المقتولون في سبيل ذلك يُسمَّون «قدّيسين». ومن خلال ذبيحتهم كان يظلّ رجاء الفداء النهائيّ بالمسيح الآتي حاضرًا. لكن لا شيء من هذا يصلح لتفسير ما صار «أوشڤيتس» رمزًا له.
لم يكن للأمانة أو الخيانة، أو الإيمان أو عدم الإيمان، أو الذنب والعقوبة، أو الامتحان والشهادة والرجاء المسيحانيّ، مكان هناك. وكذلك لم يكن للقوّة أو الضعف، أو البطولة أو الجبن، أو المقاومة أو الخضوع، دور حقيقيّ. أوشڤيتس، التي التهمت الأطفال والرضّع أيضًا، لم تعرف شيئًا من ذلك. وآلتها التي كانت تعمل كالمصنع لم تترك، إلّا في حالات نادرة جدًا، مكانًا لأيّ خيار شخصيّ. لم يمت الضحايا من أجل إيمانهم، كما حدث مثلًا مع «شهود يهوه»، ولم يُقتلوا بسبب موقفٍ دينيّ اختاروه لأنفسهم. لقد سبق موتهم تحطيم كامل لإنسانيّتهم بالإذلال والحرمان. ولم يبقَ أيّ أثر تقريبًا من الكرامة في البشر الذين كانوا يُرسَلون إلى «الحلّ النهائيّ»، ولا في الهياكل البشريّة الهزيلة التي خرجت حيّة من المعسكرات. ومع ذلك تبقى مفارقة مروّعة: كان «شعب العهد» القديم، حتى حين لم يعد القاتل ولا الضحيّة يؤمنان بهذا العهد، هو الشعب الذي «اختير» تحت وهم العِرق للإبادة الجماعيّة. إنّه قلب رهيب لفكرة الاختيار إلى لعنة، بصورة تكاد تمنع أيّ محاولة لإعطاء الحدث معنى.
ومع ذلك، وعلى نحو منحرف تمامًا، بقيت صلة ما بطالبي الله وأنبياء الأزمنة القديمة: فقد جُمِع أحفادهم من الشتات، لكن هذه المرّة لكي يتّحدوا في موت واحد. وقد سمح الله بحدوث ذلك. أيُّ إله يستطيع أن يسمح بهذا؟ وهنا ينبغي أن نلاحظ أنّ اليهوديّ يواجه في هذا السؤال صعوبةً نظريّة أكبر من المسيحيّ. فالعالم، عند بعض أشكال المسيحيّة الصارمة، يُنظر إليه أصلًا بوصفه عالمًا واقعًا إلى حدّ بعيد تحت سلطان الشيطان، ولا سيّما العالم البشريّ بسبب الخطيئة الأصليّة. أمّا اليهوديّ، فيرى في «هذا» العالم موضع الخلق والعدل والفداء، ويرى الله على نحو خاص سيّد التاريخ. ولهذا يضع أوشڤيتس، حتى عند المؤمن، التصوّر التقليديّ لله كلّه موضع سؤال. فقد أضاف إلى الخبرة التاريخيّة اليهوديّة شيئًا لم تعرفه من قبل، ولا تستطيع المقولات اللاهوتيّة القديمة أن تستوعبه. ومن ثمّ، فإنّ من لا يريد أن يتخلّى نهائيًّا عن مفهوم الله — وللفيلسوف أيضًا الحقّ في أن يرفض هذا التخلّي — عليه أن يعيد التفكير فيه حتى يظلّ قابلًا للتفكير. وهذا يعني أن نبحث عن جواب جديد عن السؤال القديم الذي طرحه أيّوب. ويبدو أنّ صورة الله بوصفه «سيّد التاريخ» ستضطر إلى التراجع في هذا البحث. فلنكرّر السؤال: أيُّ إله يستطيع أن يسمح بهذا؟ ولكي أحاول تقديم جواب، ولو كان متردّدًا، أعود إلى محاولة تأمّليّة قديمة صغتُها سابقًا في سياق سؤال آخر، هو سؤال الخلود. وكان شبح أوشڤيتس حاضرًا فيها منذ ذلك الوقت. استعنتُ يومها بأسطورة من اختراعي، أي بذلك النوع من التخمين الخياليّ الذي سمح به أفلاطون حين يتجاوز التفكير مجال ما نستطيع معرفته.
وهذه هي الأسطورة:
في البدء، ولأسباب لا نستطيع معرفتها، اختار أساس الوجود، أو الإلهيّ، أن يسلّم نفسه للمصادفة والمخاطرة والتنوّع اللامتناهي للصيرورة. فعل ذلك كاملًا. فحين دخل الإله مغامرة المكان والزمان، لم يحتفظ بجزء من ذاته خارجها لكي يوجّه مسار الخليقة أو يصحّحه أو يضمن نهايتها. الحساسيّة الحديثة تصرّ على مثل هذه المحايثة. سواء أكان هذا شجاعة أم يأسًا، فهو على الأقلّ تعبير عن صدق مرّ: أن نأخذ وجودنا في العالم بجدّيّة، وأن نرى العالم متروكًا لقوانينه، بلا تدخّل يأتي من خارج العالم لتخفيف صرامتها. وأسطورتنا تفترض شيئًا قريبًا من ذلك في علاقة الله بالعالم. لكنها لا تقصد الحلول، أي أنّ الله والعالم شيء واحد. فلو كانا واحدًا ببساطة، لكان العالم في كلّ لحظة هو ملء الله، ولا يستطيع الله عندئذ أن يخسر شيئًا أو يربح شيئًا. أمّا الفكرة هنا فهي أنّ الله، لكي يوجد العالم ويكون قائمًا بذاته، تنازل عن وجوده على نحو ما، وخلع عن نفسه ألوهيّته، لكي يستعيدها عبر رحلة الزمن وقد حملت حصاد التجربة التي لا يمكن التنبّؤ بها؛ فيخرج من هذه الرحلة متغيّرًا بها، وربما حتى مشوّهًا بها.
وفي هذا التخلّي عن تمام الذات الإلهيّة من أجل صيرورة حقيقيّة غير مقرّرة مسبقًا، لا نستطيع أن نفترض معرفة مسبقة كاملة بكلّ ما سيحدث. كلّ ما يبقى هو معرفة الإمكانات التي يتيحها الوجود الكونيّ نفسه. وإلى هذه الإمكانات سلّم الله قضيّته، حين أخلى ذاته من أجل العالم. وعلى امتداد دهور طويلة ظلّت قضيّته تتحرّك ببطء في أيدي المصادفة والاحتمال الكونيّ. ويمكننا أن نتخيّل في الوقت نفسه ذاكرةً صبورة ترافق تقلّبات المادّة، وتجمع نتائج الزمن في الأبديّة.
ثم ظهرت الحياة: لغة جديدة للعالم. ومعها تسارع كلّ شيء. وبدأ الرهان الإلهيّ يقترب من إمكان استعادة ملئه. ومن عالم الشعور والإحساس والسعي والفعل، الذي أخذ يرتفع فوق حركة المادّة الصامتة، بدأت الأبديّة تمتلئ بمضمون جديد، وصار في إمكان الله المستيقظ أن يقول عن الخليقة إنّها حسنة.
لكن ينبغي الانتباه إلى أنّ الموت دخل مع الحياة أيضًا. فالفناء هو الثمن الذي دفعه إمكان الحياة. ولو كان البقاء هو الهدف الأعلى، لكان الأفضل ألّا تبدأ الحياة أصلًا، لأنّ أيّ كائن حيّ لا يستطيع أن ينافس الجماد في طول البقاء. الحياة في جوهرها هشّة وقابلة للفساد. إنّها مغامرة داخل الفناء. لكن من خلال الإحساس والفعل والألم عند الكائنات المحدودة، ومع ازدياد الوعي تحت ضغط المحدوديّة نفسها، يمتلئ المشهد الإلهيّ بالألوان ويبدأ الإله في اختبار ذاته.
وقبل ظهور المعرفة، ما دامت الحياة في براءتها الأولى، لا يمكن لقضيّة الله أن تفشل. فكلّ تنوّع ينتجه التطوّر يفتح إمكانات جديدة للشعور والفعل، ويُغني بذلك اختبار أساس الوجود لذاته. ومع تطوّر الحيوانات، تزداد حدّة الشهوة والخوف واللذّة والألم والانتصار والضيق والحبّ، وحتى القسوة. وهذه كلّها تصبح جزءًا مما تكسبه الألوهة من مغامرة العالم. وحتى الألم، على هذا المستوى السابق لتمييز الخير والشرّ، يزيد عمق السيمفونيّة كلّها. فالمخلوقات، وهي تسعى إلى تحقيق حياتها، تساهم في الرهان الإلهيّ.
لكن الله لا يستطيع أن «يربح» تمامًا ما دامت الحياة تعيش داخل البراءة. ثم تأتي اللحظة الخطرة: يصل التطوّر إلى عتبة ظهور الإنسان. ومع الإنسان تأتي المعرفة والحرّيّة. وهنا تنتهي البراءة، ويظهر معيار جديد: الخير والشرّ. فالإنسان، بفضل الحرّيّة، يصبح مسؤولًا. ومنذ تلك اللحظة تصبح القضيّة الإلهيّة مرتبطة بما سيفعله الإنسان. صورة الله التي بدأ الكون يرسمها ببطء تنتقل الآن إلى يد الإنسان الهشّة، ويمكن لما يفعله بنفسه وبالعالم أن يكمل هذه الصورة أو يخلّصها أو يفسدها. وهذا الأثر الهائل لأفعال الإنسان في مصير الله نفسه، وفي هيئة الوجود الأبديّ، هو، في رأيي، معنى خلود الإنسان. ومع ظهور الإنسان يستيقظ التعالي إلى ذاته، ويظلّ يتابع أفعال البشر في ترقّب: يرجو ويدعو، يفرح ويحزن، يوافق ويرفض، ويمسّ الإنسان بطريقة ما، من غير أن يتدخّل في ديناميّة مسرحه الأرضيّ»
Hans Jonas, “The Concept of God after Auschwitz: A Jewish Voice,” The Journal of Religion 67, no. 1 (January 1987): 1–13
يتبع…
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





