القمص يوحنا نصيف
    بعدما قبض الجند على يسوع، وساقوه وأدخلوه دار رئيس الكهنة، كان بطرس يتبعه من بعيد، ثمّ دخل الفناء الخارجي للبيت وجلس وسط الخُدّام حول نار أضرموها بسبب البرد، فرأته جارية وقالت أنّه كان مع يسوع، فأنكر قائلاً لستُ أعرفه. وبعد قليل قال له آخُرُ: أنت منهم. فقال بطرس لستُ أنا. وبعد حوالي ساعة أكّد شخص آخَر أنّه كان مع يسوع لأنّه جليليّ، فأنكر أيضًا مرّة ثالثة، فصاح الديك. وعندئذٍ التفت الربّ يسوع من بعيد ونظر إليه، فتذكّر بطرس كلام المسيح السابق له، وخرج من المكان باكيًا بمرارة (لو22: 54-62). يعلّق القدّيس كيرلّس على هذه الحادثة الهامّة قائلاً:

    + إنّ ربّنا يسوع المسيح يوصينا أن نقدّم باستمرار تضرّعات وتوسُّلات، وأن يكون جزءًا من صلواتنا أن نطلب "لا تدخلنا في تجربة"؛ وذلك لأنّ عنف التجارب يكون في الغالب كافيًا أن يهزّ حتّى الذهن الثابت تمامًا، وأن يذلّ إلى درجة الترنّح، وأن يُعَرِّض إلى أهوال لا حَدّ لها حتّى الإنسان الشجاع والقويّ القلب. كان هذا هو نصيب التلميذ المُختار أن يذوقه، وأنا أقصد به هنا القدّيس بطرس.

    + كان بطرس في الواقع ضعيفًا.. كما أنّه ليس صوابًا أن نقول إنّ الإنكار حدَثَ لكي يتحقّق كلام المسيح.. ولكن هذه البلِيّة وقعَت للتلميذ بسبب جُبن الطبيعة البشريّة، فإنّه بسبب أنّ المسيح لم يكُن قد قام بعد من الأموات، ولم يكُن الموت قد أُبيدَ بعد ولا أُزيلَ الفساد، فإنّ مجابهة الموت كانت لا تزال أمرًا يفوق احتمال البشر!

    + وكما قلتُ أنّ هذا الفِعل التَعِس قد حدث بسبب عِلّة الجُبن البشري، وأنّ التلميذ أُدينَ من ضميره الشخصي، فهذا قد تبرهَنَ ببكائه بعد ذلك مباشرة، وبدموعه التي انهمرَت من عينيه.. كعلامةٍ لتوبته.

    + يناسبنا بعد ذلك أن نلاحظ بأيّ طريقة قد غُفِرَت خطيّته، وكيف طُرِحَ عنه ذنبه، لأنّ هذه الحادثة تُبَيِّن أنّ لها منفعة ليست بقليلة لنا. إنّه لم يؤجِّل توبته، ولا كان مُهمِلاً لها؛ وكما كان سقوطه في الخطيّة سريعًا جدًّا، هكذا كانت دموعه سريعة بسببها. كما أنّه لم يبكِ فقط، ولكن بكى بمرارة. ومثل شخصٍ قد سقط، فإنّه نهض بشجاعةٍ مرّة أخرى.

    + في عودته لم يفقد الهدف، لأنّه استمرّ على نفس الوضع الذي كان عليه سابقًا، أي تلميذًا حقيقيًّا.. إنّه نال أيضًا رجاء الغفران، لأنّ كلمات المسيح له كانت: "وأنت متى رجعتَ ثبِّتْ إخوتك". إنّ مثل هذه الكلمات تخصّ شخصًا يجهّزه (الربّ) مرّة ثانية، ويُعيده إلى الصلاحيَّات الرسوليّة، لأنّه استأمنه ثانيةً إذ أسند إليه مهمّة تثبيت الإخوة؛ الشيء الذي عمله أيضًا.

    + رغم أنّنا عرفنا عن سقطات القدّيسين من الكتب المقدّسة، فهذا ليس لكي نسقط في فخاخٍ مُماثِلة.. بل لكي إذا حدَثَ أنّنا ضَعُفنا وفشلنا.. فلا ينبغي أن نيأس من أن نكون قادرين مرّة أخرى على الصعود إلى حالة الثبات، وهكذا نستعيد صحّتنا بعد مرضٍ لم يَكُن متوقّعًا.

    + إنّ الله الرحوم قد مَنَحَ سُكّان الأرض التوبة كدواء للخلاص، ولا أعلَم كيف أنّ أُناسًا يحاولون أن يستعفوا منها قائلين إنّنا أنقياء.. لأنّه مكتوبٌ: "ليس إنسانٌ خاليًا من دنسٍ" (أم20: 9 سبعينيّة).. ليتهم يتذكّرون الطوباوي داود الذي يقول في المزامير: "قلتُ أعتَرِفُ للربّ بذنبي، وأنت غفرتَ آثام قلبي" (مز31: 5س).

    + وبجانب هذا، يلزَم ألّا ينسوا أنّه قبل أن يُقبَض على المسيح، وقبل الإنكار، كان بطرس مُشتَرِكًا في جسد المسيح ودمه الثمين.. لاحظوا إذن بوضوح أنّه بعد أن صار شريكًا في العشاء السرِّي، فإنّه وقع في الخطيّة، ونال غفرانًا عند توبته!

    + لُطف الله يقول بوضوح: "شرّ الشرير لا يضرّه في يوم رجوعه عن شرّه" (حز33: 12س).. لأنّ الله الرحوم لا يتوقّف عن أن يكون رحومًا، حيث أنّ صوت النبيّ يقول: "إنّه يُسَرُّ بالرأفة" (ميخا7: 18).

    + ليتنا إذن نجاهد بكلّ قدرتنا كي لا نقع في خطيّة، وليتَ حُبًّا راسِخًا مُخلِصًا للمسيح يَثبُت فينا بلا تغيير، ونقول بكلمات المغبوط بولس: "مَن سيفصلني عن محبّة المسيح؟ أشدّة أم ضيق أم اضطهاد، أم جوع أم عُري، أم خطر أم سيف؟" (رو8: 35). ولكن إن هاجمَتنا التجربة بعُنف، وثَبُتَ أنّنا ضعفاء، فدعنا نبكي بمرارة، ونسأل الغفران من الله، لأنّه يشفي أولئك النادمين المنسحقين، ويُقِيم الساقطين، ويمدّ يده المُخَلِّصة لأولئك الذين أخطأوا، لأنّه هو مخلّص الكلّ.

 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 149) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف