عايدة نصيف
لا يمكن الحديث عن حياة سياسية  حقيقية دون الحديث عن الأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى أهم الأدوات التي تنظم المشاركة العامة، وتربط المواطن بمؤسسات الدولة، وتتيح للمجتمع أن يعبّر عن رؤاه ومصالحه من خلال أطر مؤسسية وبرامج واضحة. فالحزب السياسي في جوهره ليس مجرد كيان يسعى إلى الحصول على مقاعد في البرلمان أو الوصول إلى السلطة فقط، وإنما مؤسسة وطنية يفترض أن يكون لها دور مستمر في المجتمع، قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها.
 
وتكمن أهمية الأحزاب في قدرتها على تحويل الاهتمامات والمطالب الفردية إلى قضايا عامة، وتحويل القضايا العامة إلى برامج وسياسات قابلة للنقاش والتنفيذ. فالمواطن قد يشعر بمشكلة تتعلق بالتعليم أو الصحة أو الأسعار أو فرص العمل، لكن الحزب الحقيقي هو الذي يستطيع أن يدرس هذه المشكلة، ويحدد أسبابها، ويقدم رؤية متكاملة للتعامل معها، ثم يحول هذه الرؤية إلى برنامج سياسي وتشريعي يمكن طرحه أمام المجتمع.
 
ومن هنا فإن قوة الحزب لا ينبغي أن تقاس بعدد اللافتات التي يرفعها، أو بعدد المؤتمرات التي ينظمها، أو بحجم حضوره على مواقع التواصل الاجتماعي او بقدرته المالية، وإنما بقدرته على إنتاج الأفكار والسياسات والقيادات. فالحياة السياسية لا يمكن أن تُبنى على الشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى أحزاب تمتلك برامج حقيقية، ولجانًا متخصصة، ومراكز بحثية، وكوادر مؤهلة تستطيع أن تفهم تعقيدات الواقع وتقدم حلولًا واقعية لمشكلاته.
 
ولعل من أهم الأدوار التي يجب أن تضطلع بها الأحزاب السياسية إعداد القيادات. فالقيادات السياسية لا تُصنع في أيام الانتخابات، ولا تظهر فجأة عندما تحتاج الدولة إلى وزير أو نائب أو مسؤول. وإنما تحتاج إلى سنوات من التدريب والممارسة والاحتكاك بالمجتمع، وإلى إتاحة الفرصة أمام الشباب للمشاركة الحقيقية في صناعة القرار. والحزب الذي ينجح في إعداد أجيال متعاقبة من القيادات يكون قد أدى واحدة من أهم وظائفه الوطنية، لأنه لا يقدم مرشحين للانتخابات فحسب، بل يساهم في بناء كوادر 
 
كما أن وجود أحزاب قوية يعني بالضرورة وجود برلمان أكثر فاعلية. فالنائب لا ينبغي أن يكون مجرد صوت فردي ينقل مطالب دائرته، وإنما يجب أن يكون جزءًا من رؤية سياسية وتشريعية متكاملة. ومن هنا تأتي أهمية الدور الحزبي في صياغة القوانين، ومناقشة السياسات العامة، وممارسة الرقابة، وتقديم البدائل. فالبرلمان القوي لا يقوم فقط على عدد أعضائه، وإنما على مستوى الأفكار والرؤى التي تُطرح داخله.
 
وفي هذا السياق، تظل المعارضة  السياسية جزءًا أصيلًا من أي نظام سياسي صحي. فالمعارضة ليست خصومة مع الدولة، وليست رغبة دائمة في إسقاط الحكومة، وإنما هي آلية ضرورية للنقد والمراجعة وكشف مواطن الخلل وتقديم البدائل. وقد تكون المعارضة الوطنية في بعض الأحيان أكثر حرصًا على الدولة من أي خطاب سياسي آخر، لأنها تنبه إلى الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي المقابل، فإن المعارضة التي تقوم على الرفض المطلق أو المزايدة السياسية تفقد قيمتها، كما أن الحكومة التي لا تقبل النقد تفقد إحدى أهم أدوات تصحيح المسار.
 
وتحتاج الحياة الحزبية كذلك إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع الشباب. فالشباب ليسوا مجرد أداة للحشد الانتخابي، ولا مجرد وجوه تستخدم في المؤتمرات والفعاليات، وإنما هم طاقة سياسية وفكرية يجب أن تكون شريكًا حقيقيًا في صناعة المستقبل. ولذلك فإن الحزب الذي يريد الاستمرار والتأثير عليه أن يفتح أبوابه أمام الشباب، ويمنحهم مسؤوليات حقيقية، ويتيح لهم فرصة التعلم والممارسة، لا أن يضعهم دائمًا في الصفوف الخلفية.
 
وفي عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح أمام الأحزاب مجال واسع للتواصل المباشر مع المواطنين، والاستماع إلى آرائهم، وطرح برامجها، وشرح مواقفها. لكن الخطورة تكمن في أن تتحول السياسة إلى مجرد نشاط إلكتروني، وأن يصبح عدد المتابعين أو الإعجابات معيارًا لقوة الحزب. فالحضور الرقمي مهم، لكنه لا يمكن أن يحل محل الحضور الحقيقي في المجتمع، ولا يمكن أن يعوض غياب البرنامج أو ضعف التنظيم أو عدم وجود كوادر قادرة على العمل السياسي.
 
والأهم من ذلك كله أن تتجاوز الأحزاب مرحلة "حزب الأشخاص" إلى "حزب المؤسسة". فالحزب الذي يرتبط بشخص واحد يظل معرضًا للضعف بمجرد غياب هذا الشخص، بينما الحزب المؤسسي يستطيع أن يستمر ويتطور مهما تغيرت قياداته. ولذلك فإن الديمقراطية داخل الأحزاب نفسها ليست مسألة شكلية، وإنما هي اختبار حقيقي لقدرتها على تقديم نموذج للممارسة الديمقراطية التي تنادي بها أمام المجتمع.
 
إننا في حاجة إلى أحزاب سياسية تعمل طوال العام، وليس فقط في مواسم الانتخابات؛ أحزاب تستمع إلى المواطنين، وتدرس مشكلاتهم، وتقدم حلولًا، وتدرب الشباب، وتنتج القيادات، وتشارك في صناعة التشريعات والسياسات، وتراقب أداء الحكومة، وتقدم النقد الموضوعي والبدائل القابلة للتطبيق.
 
فالحزب السياسي الحقيقي ليس مكتبًا انتخابيًا، وليس لافتة، وليس صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما هو مدرسة سياسية ومؤسسة لإنتاج الأفكار والقيادات والسياسات.
 
إن قوة الحياة السياسية لا تقاس فقط بعدد الأحزاب الموجودة على الورق، وإنما بمدى قدرتها على التأثير الحقيقي في المجتمع.
نقلا عن الحرية