الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
منذ أيّام، شاهدتُ بالصدفة مقطعًا من حوار للمذيع الأيرلندي جاي بيرن مع الممثّل الرائع ستيڤن فراي، في برنامج «معنى الحياة» (The Meaning of Life). كان الحوار عام ٢٠١٥! وقد تحدثت مع صديقي الأب إيليا بشري الذي شاهد الفيديو أيضاً وأثار لديه العديد من الأسئلة. من حواري مع صديقي أكتب هنا خلاصة تأمّلي.
سأل المذيع الفنان فراي سؤالًا يسيرًا في صيغته وثقيلًا في مضمونه: لو افترضنا أنّ الله موجود، ووصلتَ بعد موتك إلى أبواب السماء ووجدتَه أمامك، ماذا ستقول له؟
جاء جواب فراي صادمًا: سأسأله عن سرطان العظام عند الأطفال! وعن البؤس الذي يصيب أناسًا لم يفعلوا شيئًا ليستحقّوه، وعن الكائنات والطفيليّات التي تتسبّب في آلام مروّعة، ومنها ما يصيب الأطفال بالعمى. كيف يمكن لعالم كهذا أن يصدر عن إله نصفه بالقدرة والخير؟ ثم يقارن فراي الله بالآلهة اليونانيّة القديمة. كانت تلك الآلهة، كما يقول، متقلّبة الأهواء، وغاضبة، وأنانيّة، وقد تتصرّف بحماقة أو قسوة؛ لذلك لم يكن اليونانيّ القديم مطالبًا بأن يفسّر كيف تصدر المأساة عن إله كامل الخير. أمّا حين نقول إنّ الله صالح وقادر وعالم، يصبح ألم البريء سؤالًا لا يمكن القفز فوقه.
بينما شاهدت هذا الحوار أودّ القول إنّي أظنّ أنّ المشكلة تبدأ أحيانًا من ردّنا نحن المؤمنين على هذا السؤال. فكثير من المؤمنين يملكون إجابات جاهزة قبل أن يتركوا للسؤال فرصة أن يُسمَع: "دي تجربة من ربنا"، أو "ربنا له حكمة"، أو "أكيد ربنا شايف حاجة إحنا مش شايفينها". وقد تكون وراء هذه العبارات خبرة إيمانيّة صادقة، لكن استخدامها جوابًا فوريًّا عن مأساة محدّدة قد يؤدّي وظيفة أخرى وهي حماية صورةٍ رسمناها عن الله، وحماية إيماننا نحن من الاهتزاز.
وأعتذر عن راديكاليّة التعبير، لكنّي أتساءل أحيانًا: هل ندافع عن الله، أم ندافع عن تصوّرنا عنه؟ هل نبحث فعلًا عن جوابٍ لاهوتيّ، أم عن جوابٍ يحفظ ماء وجه إيماننا؟ إذا شعرنا أنّ كلّ سؤال يجب أن يجد تفسيرًا الآن، وإلّا انهار كلّ شيء، فقد نكون بصدد حماية صنم طُبع عليه اسم "الله".
الله لا يحتاج منّا إلى محاماة رديئة، ففي ظنّي إنّ الكتاب المقدّس نفسه أكثر جرأة من كثير من خطابنا الدينيّ. أيّوب لا يتلقّى المأساة صامتًا، بل يستجوب الله ويخاصمه. والمزامير تسأل مرارًا: «إلى متى؟». وإرميا يتكلّم مع الله بمرارة. والمسيح نفسه يدخل إلى قلب الصرخة الإنسانيّة: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟». السؤال إذًا ليس خروجًا آليًّا من الإيمان. قد يكون السؤال نفسه فعل إيمان، لأنّني حين أصرخ في وجه الله، فأنا لم أزل أتوجّه إليه. ولذلك بصراحة، تضايقني بعض الأجوبة الانتصاريّة التي تجعل الحوار مع الملحد مسابقة: هو يطرح مشكلة، والمؤمن مطلوب منه أن يسجّل هدفًا في الدقيقة التالية. إن الواقع يظهر أنّ الموقف أمام الشرّ أكثر هشاشة من ذلك بكثير!
أمام طفل يتألّم من السرطان، قد يقف المؤمن والملحد معًا عاجزين عن الإجابة عن السؤال المحدّد: لماذا هذا الطفل؟ لماذا هذا المرض؟ لماذا الآن؟ والملحد الذي يرفض الإيمان لأنّه لا يستطيع أن يصالح بين صورة الإله الصالح وبين عذاب الأبرياء قد يكون إنسانًا صادقًا، راقيًا، نزيهًا إلى أقصى درجة. لا أرى سببًا يجعل المؤمن الذي أنتج جوابًا سريعًا لحماية تصوّره عن الله أكثر قداسةً منه. الممثل فراي نفسه، في هذا المقطع، لا يبدو لي إنسانًا يسخر من الله، بالعكس تمامًا، فغضبه على ألم الطفل هو الذي يدفعه إلى الاحتجاج على الله. يمكنني أن أختلف مع النتيجة التي وصل إليها الفنّان، مع احترام السؤال الأخلاقيّ العميق الذي دفعه إليها.
وللأسف، الإلحاد، من جهته، لا يجعل مأساة الطفل مفهومة. عندما يُستبعَد الله، يختفي أحد أوجه المعضلة الفلسفيّة: فلم يعد مطلوبًا التوفيق بين الشرّ وإله صالح وقادر. غير أنّ الطفل يظلّ يتألّم. ويظلّ الإنسان يسأل عن معنى الألم، وعن معنى مقاومته، وعن الرجاء، وعن الموت. وهنا ينبغي أيضًا أن يكون الخطاب المسيحيّ أكثر تواضعًا. الإيمان المسيحيّ مثلًا لا يعطيني سرًّا خفيًّا أعرف به لماذا أصيب هذا الإنسان تحديدًا بالسرطان، أو لماذا مات هذا الطفل، أو لماذا دمّر زلزال أسرةً كاملة. يستطيع اللاهوت أن يتكلّم عن الخلق، وحرّيّة الخليقة، والخطيئة، والعناية، والصليب، والقيامة، والرجاء. أمّا السؤال لماذا حدث هذا لهذا الإنسان، في هذه اللحظة؟ فكثيرًا ما يبقى بلا جواب.
ولهذا فإنّ عبارة «لله حكمة» قد تكون فعل ثقة عميقًا حين يقولها الإنسان عن حياته وهو يعرف أنّه لا يفهم. وقد تصبح عنيفة جدًّا حين أقولها أنا لإنسان فقد ابنه، وكأنّي أعرف الحكمة التي مات ابنه من أجلها.
وكذلك عبارة مثل "الله يجرّبه". العهد الجديد نفسه يضع حدودًا لهذا الكلام: «إنَّ اللهَ لا يُجَرَّبُ بِالشَّرّ، وهو لا يُجَرِّبُ أَحدًا» (يع ١: ١٣). يمكن أن نتكلّم لاهوتيًّا عن الامتحان، وعن السماح، وعن إمكان أن يُخرج الله خيرًا من واقع الشرّ؛ لكن تحويل كلّ كارثة إلى "اختبار أرسله الله" يحتاج إلى حذر شديد. المسيحيّة تقول شيئًا أعمق من تقديم سببٍ سرّي لكلّ ألم. تقول إنّ الله نفسه دخل عالم الألم. التجسّد والصليب يمنعانني من تخيّل إلهٍ بعيد يراقب الضحايا من مكان آمن. والمسيح على الصليب لا يشرح الألم شرحًا فلسفيًّا؛ يدخل فيه، ويصرخ من داخله، ويحمل أثره في جسده حتى بعد القيامة. لكن حتى الصليب لا يسمح لي أن أقول لأمّ فقدت طفلها: الآن عرفتُ لماذا حدث هذا! وهنا أصل إلى نقطة أراها شديدة الأهميّة، إنّ تأخُّر الجواب نفسه قد يجعل إنسانًا ملحدًا، وقد يجعل إنسانًا آخر مؤمنًا. فكلاهما قد يقف أمام الصمت نفسه. واحدٌ يقول لا أستطيع أن أومن بالله أمام عالم كهذا. والآخر يقول: لا أستطيع أن أفهم عالمًا كهذا، ومع ذلك أظلّ أبحث عن الله وأصرخ إليه!
المسافة بين الاثنين لا تقع دائمًا بين العقل واللاعقل، ولا بين الأخلاق وانعدام الأخلاق، ولا بين إنسان صالح وآخر شرير. قد تكون مسافة خبرة وجرح وثقة وانتظار. لهذا أرى أنّ الموقف الإيمانيّ الحقيقيّ أمام الشرّ يتضمّن الضعف أيضًا. أستطيع أن أقول لله: لا أفهم. أستطيع أن أعترض. أستطيع أن أغضب. أستطيع أن أسأل لماذا؟ من غير أن أصطنع إجابة كي أنقذ صورتي عنه. واللاهوت الجيّد لا يُسكِت السؤال. يساعدنا على أن نسأله بصورة أعمق. ربّما لهذا السبب ظلّ سفر أيّوب في الكتاب المقدّس. أصدقاء أيّوب كانوا يملكون تفسيرًا لكلّ شيء: الله عادل، وأيّوب يتألّم، إذًا لا بدّ أن أيّوب فعل شيئًا يستحقّ الألم. منظومتهم متماسكة إلى درجة مخيفة. وأيّوب هو الذي يرفض أن يكذب على خبرته لكي يحافظ على تماسك المنظومة. والأكثر إثارة أنّ الله، في نهاية السفر، يغضب من أصدقاء أيّوب، أصحاب الأجوبة الدينيّة المنضبطة، ويقول لهم إنّهم لم يتكلّموا عنه بالصواب كما تكلّم أيّوب.
ربّما علينا إذًا، قبل أن نجيب ستيڤن فراي، أن نسمعه. فأحيانًا يكون سؤال الملحد الصادق عن الله أكثر لاهوتًا من جواب المؤمن المستعجل عنه.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





