الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يرى عالِم اللاهوت البرازيليّ ليوناردو بوف أنّ رسالة البابا فرنسيس "كُن مسبَّحًا" تمثّل لحظةً مهمّة في تطوّر التعليم الكنسيّ عن البيئة، لأنها تنظر إلى الأزمة البيئيّة ضمن ما يسمّيه "الإيكولوجيا المتكاملة" أي علاقة الإنسان بالأرض، وبالفقراء، وبالاقتصاد، وبالسياسة، وبطريقة عيشنا واستهلاكنا. ولهذا يلفت بوف إلى أن الرسالة موجّهة إلى البشريّة كلّها، لأننا جميعًا نسكن «البيت المشترك» نفسه ونواجه الأخطار نفسها. 

ويلاحظ بوف أن البابا فرنسيس يقرأ الأزمة بروح خبرة كنائس أمريكا اللاتينيّة ولاهوت التحرير، مستخدمًا المنهج المعروف: «انظر، احكم، اعمل، احتفل». فهو يبدأ بالنظر إلى الواقع كما هو: تغيّر المناخ، وأزمة المياه، وفقدان التنوّع الحيويّ، وتدهور نوعيّة الحياة، واتّساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وهنا تظهر العبارة التي تلخّص الكثير من الرسالة: يجب أن نسمع معًا «صرخة الأرض وصرخة الفقراء»، لأن الفقراء هم أوّل من يتحمّل نتائج الخراب البيئيّ وعدم المساواة. 

ثم ينتقل بوف إلى «الحكم» على جذور الأزمة. فالبابا فرنسيس ينتقد نموذجًا تقنيًّا واقتصاديًّا يتعامل مع موارد الأرض كأنها غير محدودة، ويجعل التراكم والسيطرة معيارًا للتقدّم. وتعود في الرسالة فكرة أساسيّة باستمرار: «كلّ شيء مترابط». حين نفصل الإنسان عن الطبيعة، أو الاقتصاد عن العدالة، أو المعرفة عن رؤية الكلّ، نفقد القدرة على فهم الأزمة في عمقها. 

وفي البعد اللاهوتيّ، يتحدّث البابا فرنسيس عن «إنجيل الخليقة». الخليقة مشروع محبّة من الله، ولكلّ كائن قيمة تتجاوز فائدته المباشرة للإنسان. ومن هنا تصبح العناية بالأرض جزءًا من الحياة المسيحيّة نفسها. ويستشهد البابا بتراث مسيحيّ واسع، ويضع القدّيس فرنسيس الأسيزيّ في مقدّمة هذه الرؤية، بوصفه مثالًا للعناية بالخليقة والاهتمام بالفقراء والمتروكين.  

ويشرح بوف أن الإيكولوجيا المتكاملة عند البابا فرنسيس تشمل البيئة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والحياة اليوميّة. لذلك تمتدّ المسؤوليّة المسيحيّة إلى طريقة استهلاكنا، والسياسات التي نؤيّدها، وعلاقتنا بالمال، وكيف نربّي الأجيال الجديدة. ومن هنا تأتي دعوة الرسالة إلى «مواطنة إيكولوجيّة»، وإلى نمط حياة يقوم على العناية، والتعاطف، والاعتدال، والمسؤوليّة المشتركة تجاه كلّ ما يحيا. 

ويصل المسار إلى ما يسمّيه البابا فرنسيس «التوبة الإيكولوجيّة». عند بوف، هذه التوبة تغيّر علاقتنا بأنفسنا، وبالآخرين، وبالطبيعة، وبالله. ويظهر هنا البعد الروحيّ بوضوح: العالم سرّ جميل نتأمّله ونسبّح الله من خلاله، والعناية بالبيت المشترك تصبح جزءًا من الصلاة والحياة المسيحيّة، ومن الشهادة للإيمان في العالم. 

وهكذا يقرأ بوف رسالة البابا فرنسيس«كُن مسبَّحًا» على أنّها دعوة إلى جمع ما فصلناه طويلًا: الإيمان والبيئة، الصلاة والعدالة، محبّة الله والعناية بالأرض، الدفاع عن الفقراء وحماية الخليقة. «صرخة الأرض» و«صرخة الفقراء» صوتان لأزمة واحدة، والاستجابة لهما جزء من طريقة عيش المسيحيّ لإيمانه اليوم.

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ