حلمي النمنم
يبدو أن بعض من يسمون إعلاميًا «خبراء اقتصاد»، يعتمدون فى خبراتهم على الجهل بالتاريخ، الجهل المطبق أو الإنكار التام، تحديدًا التاريخ المصرى، خاصة المعاصر منه والحديث، ولم يتمكن هؤلاء من حكومة أو حقبة إلا اقتادوها إلى الهاوية.

فى المؤتمر الصحفى الذى عقده رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولى نهاية الأسبوع، نشرت «المصرى اليوم» تغطية وافية له فى عدد الجمعة - أمس الأول- ذكر رئيس الوزراء أن مقترح نقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزى، طرحه صاحبه فى اجتماع إحدى اللجان الاستشارية بمجلس الوزراء، ورفض الاقتراح من الحكومة، باعتبار أن القناة أصل سيادى من أصول الدولة ولا يجوز المساس به، لكن صاحب الاقتراح، وهو رجل -كما قال لى عنه وزير سابق لقطاع الأعمال- يجيد اختراع الصفقات ولا يكف عن تمريرها، لم يقتنع برفض الحكومة، على لسان رئيس الوزراء نفسه، فراح يكرر العرض أمام الرأى العام، الأمر الذى اعتبره إصرارًا على نقل ملكية القناة، من جانب آخر، أراها محاولة للضغط على الحكومة كى تستجيب لما يراه.

وفى سبيل ذلك راح يغرينا بمعلومات ليست صحيحة، مثل أن «ماسبيرو»، بعد تسوية الديون مع بنك الاستثمار القومى بات ينفق على الإنتاج وعلى التطوير وتقديم الخدمات، الحق أن شيئًا من ذلك لم يتحقق بعد، لسبب بسيط أننا بحاجة إلى عام كامل -على الأقل- كى نتبين أثر ما تم بالنسبة لعملية الإنتاج فى ماسبيرو، الديون وحدها لم تكن هى كل المشكلة، والدليل أن ماسبيرو كان فى فترة ما ينتج ويقدم الجديد، رغم تراكم الديون، التفاؤل جيد، لكن بناء قصور فى الهواء أو على الرمال تدخل فى باب الوهم والخيال، رجاء توقفوا عن بيع الأوهام لنا.

بعيدًا عن هذا كله، قناة السويس تحديدًا، فى الضمير الوطنى، لا تحتمل ذلك الهزر ولا تقبل «شطارة ولا فهلوة ولا هبش»، تعرض المصريون فى سبيل القناة إلى ما لم يلاقوه فى سبيل أى مشروع من بناء الهرم إلى بناء السد العالى، لا أود أن أقلب المواجع التاريخية، التى تبدأ من استشهاد أكثر من (120) ألف فلاح فى حفرها، منتصف القرن قبل الماضى، حين كان تعداد سكان مصر، حوالى مليونى ونصف المليون نسمة، مرورًا بالعدوان الثلاثى ودك مدينة بورسعيد بالطائرات البريطانية بسبب قرار التأميم، وحتى لحظة العبور العظيم فى السادس من أكتوبر سنة 1973.

فى تاريخ الخديو إسماعيل العديد من جوانب التميز والنجاح وفيه كذلك جوانب من الإخفاق، أبرزها أنه فى لحظة ما، حين ثقلت الديون عليه، نصحه أحدهم أن يبيع حصة مصر فى شركة القناة لتخفيف الديون وإرضاء الطرف المتربص به، وهكذا فقدنا القناة نهائيًا ولم تسقط الديون وفقد إسماعيل عرشه، صارت القناة دولة داخل الدولة، فقدنا زهرة شبابنا فى حفرها وفقدنا الاستقلال بسببها، ثم يأتى من يطأ بغلظة هذه الجراح، ويريد أن يدخلنا ويدخل القناة فى دائرة الآلام مجددًا.

فى القضايا العامة والخاصة أيضًا، لا تكفى حسن النوايا بفرض وجودها.

وفى مجال البيزنس، يمكن لفرد أن يبرم صفقة ناجحة ويمكن لأحدهم أن يحقق مكاسب ضخمة «من الهوا» كما يقال، ظاهرة المستريح نموذجًا، المهم هو أثر الصفقة ونتائجها الاجتماعية والسياسية وفوق كل ذلك الوطنية.

فى تاريخنا المعاصر رجال اقتصاد عظام، بالمعنى الوطنى والإنسانى، أقاموا صناعات وأسسوا نهضة حقيقية.

مع نجاح ثورة سنة 19، بات مؤكدًا فى وعى الكثيرين أن الجلاء التام سوف يتحقق، لكن ساعتها ينبغى أن تكون هناك مؤسسات تقوم عليها الدولة المستقلة، وهكذا كان «طلعت حرب» وتأسيس بنك مصر، ومنه انطلقت مؤسسات عملاقة، وفى سنة 1925، كان تأسيس جامعة القاهرة، التى حملت اسم جامعة فؤاد الأول.

لم يكن طلعت حرب رجل اقتصاد أو رجل أعمال ناجح فقط، مفهوم أن يجيد طلعت حرب البناء والتأسيس وأن يعقد الصفقات، لكنه امتلك حسًا وطنيًا رفيعًا، فضلًا عن بعد النظر الإنسانى.

فى كتابه «ما بعد الأيام»، تحدث د. محمد حسن الزيات عن أزمة حماه وأستاذه د. طه حسين مع رئيس الوزراء إسماعيل صدقى، قام صدقى بفصل د. طه من العمل، وصار الرجل بلا مصدر دخل، هو وأسرته الصغيرة، الزوجة والطفلين، وحين يغضب رئيس الحكومة يتنكر الكثيرون، ولم يجد طه حسين بدًا من أن يلجأ إلى البنك يطلب قرضًا (مبلغ 750 جنيهًا)، يتعيش منها، المشكلة أن البنك يريد ضمانًا بالمبلغ وليس لدى طه أى ضمان، لا مرتب ولا أملاك، لكن طلعت حرب يوافق على القرض فورًا بضمان اسم طه حسين، لم يقبل أن يجوع كاتب ويجوع أطفاله لأن رئيس الحكومة غضب منه.

للعلم فإن طلعت حرب له دراسة قديمة فى شبابه الباكر، طالب فيها بتمصير القناة، وهى التسمية التى كانت مطروحة منذ نهاية القرن التاسع عشر وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تراجعت كلمة التمصير وأصبحت التأميم وهو ما تحقق سنة 1956.

فكرة إدخال ملكية قناة السويس فى عملية الدين، طرحت من قبل، واضح أن هناك من يلح ويصر، بل يضغط بلا كلل وحتى حين أثار الاقتراح غضبًا عامًا، كان الرد، إذا كان موضوع القناة يسبب حساسية ابحثوا عن أصل آخر، لا يعنيه سوى إتمام صفقة، ربنا يستر على الأهرامات والمعابد الأثرية القديمة وبالمرة القناطر الخيرية والسد العالى وقلعة صلاح الدين ومكتبة الإسكندرية.

فى زمن الرئيس حسنى مبارك ظهرت عملية، أطلق عليها وقتها اسم الاتجار فى ديون مصر، تم تلميع أفرادها وقتها بأنهم أبناء الدراسات الحديثة فى لندن أو فى الجامعة الأمريكية وربما فى كلية الاقتصاد، قيل أيضًا إنهم جيل جديد لا يؤمن بشعارات الوطنية (البالية) والقومية التى سادت فى الخمسينيات والستينيات، هم كذلك لا ينتمون لمرحلة ما بعد ثورة 19، حيث نموذج طلعت حرب وفرغلى (باشا) وعبود (باشا)، أناس جدد، لا يربطهم شيءٌ بكفاح المصريين، رموز العولمة الجديدة ومرت التجربة دون دراسة جادة ومعمقة تكشف كل ما أحاط بها من قصور وسلبيات أو ما تحقق عنها من إيجابيات، لكن المعلوم والشائع أن هناك من تربحوا من هذه التجارة، أفراد حققوا مئات الملايين بتوقيع بعض أوراق، ومن صاروا مراكز قوى ضخمة اقتصاديًا وسياسيًا، تمكنوا فى لحظة من دفع الدولة نحو حالة من الضعف والارتباك، وأصابوا المجتمع بحالة احتقان شديد، ويبدو أن أشبال تلك المدرسة مازالوا يسعون إلى تكرار التجربة.

قبل عامين نشر موقع محسوب على جماعة حسن البنا، عقدًا مزورًا زعموا فيه أن القناة سوف يتم تأجيرها إلى مستأجر أجنبى لمدة 99 سنة، وأعلنت هيئة القناة أنها سوف تقوم بمقاضاة كل من روج أو نشر تلك الأكاذيب، قلت يومها أن هذه الأكذوبة ليست فى مستوى ألاعيب غلمان جماعة البنا، بل هم غطاء لجهة ما، تتبع شركة أو دولة ما، تريد الاستحواذ على القناة بأى طريقة وما أكذوبة العقد سوى بالون اختبار، وهنا فى الداخل من يصر ويلح على إدخال القناة فى دائرة الديون، هل ثمة ارتباط ما، خيط بعيد يحرك كل ذلك؟ سوف نلاحظ أن الاقتراح برز بعد أحداث السابع من أكتوبر وألاعيب الحوثيين فى اليمن، التى انعكست سلبًا على الملاحة فى القناة.

ليست لدى معلومات مؤكدة ولا أتهم أحدًا بعينه، لكن بالحدس هناك من يتربص بالقناة، يتربص بنا.
نقلا عن المصري اليوم