بقلم الأب يسطس الأورشليمى
الذي يخرج دُوماً ليُلقي ببذار حُبه فينا لكي تُثمر في قلبنا شجرة حُب يشتهي الله أن يقطف ثمارها (نش1:5)، ألقى الله بذاره في الفردُوس لكن أبوينا الأولين قبلا الزوان عوض بذار الرّب يسُوع، فخرجا يحملان ثمار المرارة والعصيان..

عاد الله وخرج إلى شعبه خلال مُوسى، لينطلق بهُم من أرض العبُودية مُقدماً لهُم الشريعة كبذار إلهية، لكن القلب الذي ارتبط بعبادة الأوثان خاصة عجل أبيس الذهبي، رفض البذار الإلهية مُثمراً شجرة تذمر مُستمر، وفي ملء الزمان خرج كلمة الله بنفسه إلينا مُتجسداً، وحلّ وسطنا لنتقبله حالاً فينا فنُثمر ثمار الرُوح القُدس، أنظر (غلا22:5)..  

لقد تم كمال خرُوجه بانطلاقه خارج أورشليم حاملاً عار الصليب حتى نخرج نحنُ أيضاً خارج الأنا، أي خارج ذواتنا فنلتقي به عند الصليب، ونتقبل ينبُوع دمه الطاهر بذار حُب تعمل فينا، لذلك يسُوع أيضاً لكي يُقدس الشعب بدمه تألم خارج الباب (عب12:13)..

ما هي البذار التي يلقيها السيد في حياتنا؟ قديما كان مُوسى والأنبياء يتقبلُون الكلمة من الله ويقدمُونها للشعب، أما السيد فهُو بعينه الكلمة الإلهي، يود أن يُدفن في قلب المُؤمن، لكي يُعلن ذاته شجرة حياة في داخلنا، فهُو يُقدم حياته سرّ حياة لنا، وقيامته علة قيامتنا، ونُصرته بكر نُصرتنا، وأمجاده سرّ تمجيدنا، إنه الباذر والبذرة في نفس الوقت..

الأرض التي تستقبل السيد المسيح نفسه كبذرة، لها أن تقبله أو ترفضه، وقد قدم لنا السيد المسيح أربعة أنُواع من التربة:  
الطريق والأرض المُحجرة والمملُوءة أشواكاً والأرض الجيدة، حقاً أن الزارع والبذار واحد، لكن الثمر أو عدمه يتُوقف على الأرض التي تستقبل البذار، تقلب بالمحراث وتزيل الحجارة والأشواك..

وفيما هُو يزرع سقط بعضٌ على الطريق، فجاءت الطيُور وأكلته وسقط آخر على الأماكن المُحجرة، حيثُ لم تكُن له تُربةٌ كثيرةٌ، فنبت حالاً إذ لم يكُن له عُمق أرضٍ، ولكن لما أشرقت الشمس احترق، وإذ لم يكن له أصلٌ جفّ، وسقط آخر على الشوك، فطلع الشوك وخنقه، وسقط آخر على الأرض الجيدة فأعطى
ثمراً، بعض مئةً وآخر ستين وآخر ثلاثين..(مت4:13)..

هذا الطريق: القلب المُتعجرف الذي على مستوى مُرتفع عن الأراضي الزراعية، إنه مطمع للطيُور المُرتفعة، أي لشياطين الكبرياء التي تعُوق تلاقينا مع الله الكلمة، والطريق دائماً مفتُوح، ليس له سُور يحفظه من المارة، كالإنسان صاحب الحواس المفتُوحة لكُل غريب، ليس من رقيب يحفظها، ضع يارّب حافظاً لفمي، وباباً حصيناً لشفتي، فينعم بالرُوح القُدس كسُور ناري يحيط به، فلا يقدر الشرّ أن يقترب إليه..

أما المنطقة الحجرية المُغطاة بطبقة خفيفة من التربة، إنما تُمثل القلب المرائي الذي يخفي طبيعته الحجرية وراء مظاهر براقة، فيتقبل الكلمة سريعاً لتنبت ويفرح الكُل به، لكن الرياء الخفي كفيل بقتل كُل حيوية فيه، إنه لا يحتمل إشراق الشمس فيحترق، لأن ليس فيه أصل، وبلا جذور فيجف، لأن الضيقة تفضحه وتكشف أعماقه..

وسقط آخر على الشوك، إنها تُمثل النفس التي تخنقها أشواك العالم واهتماماته، فإنه لا يُمكن للكلمة الإلهية أن تبقى عاملة في قلب مُتمسك بالعالم وغرُوره، فالعيب في فكرنا الذي يتّثقل بالهمُوم، فلا يجب أن نلُوم المال بل سوء استعماله، ليس فضل أن يكُون الإنسان فقيراً، لكن الفضل أن نُمارس مسكنة الرُوح بعدم التعلق بالمال.. 

الأرض الجيدة، هي الأرض المُنخفضة التي خضعت للحرث، فتعرضت تربتها للشمس وتنساب المياه إليها، هذه هي النفس المتواضعة التي تتقبل التجارب كمحراث يقلب تربتها، فيتعرض الإنسان الداخلي لإشراقات شمس البرّ (المسيح)، وتتقبل انسياب مياه الرُوح القُدس عاملاً فيها، مثل هذه النفس تأتي بثمر كثير، مئة، وستين، وثلاثين..

الأرض الجيدة، هي هبة الله لنا برُوحه القدُوس الذي يُعطينا بالمعمُودية الطبيعة الجديدة التي على صُورة المسيح، القادرة أن تثبت فيه وتأتي بثمر الرُوح المُتكاثر، كُنا قبلاً بالخطية طريقاً صعباً تدُوسه الأقدام وتلتقط الطيُور منه البذار، من أجلنا صار المسيح الطريق الذي لن يقدر عدُو الخير أن يقترب منه، ولا تتجاسر الطيُور أن تختطف منه شيئاً، إنه الطريق الآمن الحقّ الذي يدخل بنا إلى حضن الآب السماوي..

أما كُوننا أرضاً مُحجرة، فهذا ليس بالأمر الغريب، فقد قبلت البشرّية آلهة من الحجارة عوض الله الحيّ، وتعبدت للأوثان زماناً، فجاء المسيح حجر الزاوية الذي يربط البناء كُله، ليس حجراً جامداً، إنما حجر حيّ قادر أن يُقيم فينا فردُوساً سماوياً يُفرح الآب..

أما الأشواك والحسك، الخانقة للنفس فقد حملها السيد على رأسه دافعاً ثمن خطايانا لنتبرّر أمام الآب ونُوجد في عينيه بلا لوم، ليس فينا شوك ولا حسك، بل ثمر الرُوح المُفرح (غلا22:5)..

لقد قدم السيد بذاره لأربعة أنواع من الأراضي، لكنها لم تتجاوب معها، وحتى التي تجاوبت إنما بدرجات مُتفاوتة، فالبعض أنتج مئة ضعف، وآخر ستين وثالث ثلاثين، فكيف فُقد الجزء الأكبر من البذار؟! إنها لم تفقد بسبب الباذر، إنما بسبب النفُوس التي لم تنصت لها.. 

فتقدّم التلاميذ وقالُوا له: لماذا تُكلّمهُم بأمثال؟ فأجاب وقال لهُم: لأنه قد أعطى لكُم أن تعرفُوا أسرار ملكوت السموات، وأما لأولئك فلم يُعط، فإن مَن له سيُعطى ويُزاد، وأما مَن ليس له فالذي عنده سيُؤخذ منه، من أجل هذا أكلّمهم بأمثال... (مت10:13)..

يقول المُرتل: أفتح بمثل فمي، أذيع ألغازاً منذ القدم، هكذا يتكلّم بأمثال لا لكي يحرم أحداً من أسراره، إذ يُريد أن جميع الناس يخلصُون وإلى معرفة الحقّ يقبلُون، إنما أراد أن يجتذب المُشتاقين لمعرفة الحقّ إليه، فقد اعتاد البشر أن ينجذبُوا نحُو الأحاديث الغامضة، فيدخلُوا معه في علاقة سرّية خلالها يُقدم لهُم مقدساته التي لا ينطق بها..

إن هذه الأمثال حملت تُوبيخات غير مباشرة للسامعين، وهُو لا يُريد أن يوبخهُم بعنف مباشرة حتى لا يسقطُوا في اليأس، هذا وبحديثه خلال الأمثال لا يلقي بمقدساته للجميع، لئلا يحتقرُوها، ثم يقُول السيد: مَن له سيُعطى ويُزاد، وأما مَن ليس له فالذي عنده سيُؤخذ منه..

بقدر ما يكُون الإنسان أميناً على المُقدسات الإلهية يفيض الله عليه أمجاد معرفة حقة من يوم إلى يوم، فيتذوق أمثال السيد ليدخل خلالها إلى بيته يسمع أسراره الإلهية، ويُعلن له الصُوت الإلهي بأكثر وضُوح حتى يدخل إلى كمال الأسرار بعبُوره إلى المجد وجهاً لوجه..

أما غير الأمين فحتى ما يسمعه من أمثال يُنزع منه، ويصير سماعه علة إدانته، عوض أن يكُون سرّ مجد له، وقد أوضح السيد ذلك بمثل الوزنات، فإن صاحب الوزنات الخمسة إذ تاجر فيها وربح أعطى له خمس مدن، أما الذي له وزنة واحدة وقد أخفاها في الطين، ولم يتاجر بها فحتى هذه الوزنة سُحبت منه لتُعطى لمَن تاجر وربح..

حياتنا مع المسيح هي انطلاقة مُستمرة من مجد إلى مجد، وتفاعل دائم مع رُوح الله القدُوس الذي لا يكف عن أن يُعلن لنا الحقّ، ويذكّرنا بكُل ما قاله لنا السيد، يأخذ مما للمسيح ويُعطينا، إنها حياة ديناميكية لا تتوقف قط، أما الإنسان السلبي المكتفي بما لديه من معرفة وخبرات، حاسباً في نفسه أنه غني وقد استغنى، فإن ما لديه يُؤخذ منه ليهوى من ضعف إلى ضعف، ليهبط إلى الجهالة التي تُظلم ذهنه وتحجر قلبه..

أنظر الكتاب (مز2:78؛ 1تي4:2؛ رؤ17:3)..

هذا ما حدث مع الشعب اليهُودي الذي عاش في سلبية مُكتفياً بالاتكال على أنهُم أهل الختان، ومن نسل إبراهيم، وأنهُم أصحاب المواعيد، ومنهُم الآباء والأنبياء، وخلال هذه السلبية جاءهُم المسّيا المُخلّص، فرأوه بالجسد دُون الرُوح، ولمسُوه حسب الظاهر دُون إدراك الحقيقة..

قدم السيد المسيح تعاليمه خلال الأمثال، وقد ضرب مثل الزارع الذي خرج ليزرع فسقط البعض على الطريق وآخر على مكان مُحجر وثالث في الشوك، والجزء الأخير على الأرض الجيدة، ويلاحظ:

أولاً: إن كان يعرض عمل السيد المُستمر كخادم للبشرّية، والذي يواجه بمقاومة مُستمرة، فإنه في المقاومة يُوجد أيضاً ثمر متزايد.. 

حقاً تُوجد نفُوس هي أقرب إلى الطريق المفتُوح الذي تلتقط الطيُور بذاره، ونفُوس أقرب إلى المكان المُحجر الذي وإن نبتت البذار فيه سريعاً لكنها تجف، ونفُوس يخنقها شُوك العالم، لكنه تُوجد أيضاً نفُوس هي أشبه بالأرض الجيدة تستقبل البذار وتأتي بثمار مُفرحة لقلب الله..

ثانياً: خرج الزارع ليزرع، فإن قُوله: خرج يقصد به تجسده الإلهي، فكلمة الله الزارع الحقيقي حاضر في كُل مكان، ومالىء الكُل لا يخرج إلى مكان معين، لكنه خلال التدبير الإلهي التحف جسداً كمَن قد خرج إلينا نحنُ المطرُودين ليصالحنا مع أبيه ويدخل بنا من جديد إلى الحضرة الإلهية، نحنُ خرجنا من الفردُوس، فخرج إلينا ذاك الذي لن ينفصل عن أبيه ليردنا نحنُ الخطاة إلى حضن الآب بغفران خطايانا واتحادنا فيه..

ولعل تعبير خرج يعني مبادرة الله بالحُب، فهُو دائماً كمَن يخرج إلى الإنسان بالحُب، إذ وقف الإنسان في ضعفه عاجزاً عن الالتقاء مع إلهه والدخُول إليه، وهُو يحدث خاصته اليهُود الذين جاء إليهُم، وقد يقصد بقُوله: خرج الإعلان عن خرُوجه أيضاً إلى الأمم بعد أن رفضُوه..

إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله (يو11:1)..

ثالثاً: مَن هُو الزارع سوى الرّب يسُوع، لأنه هُو الذي يزرع الطيبات، به ولأجله تحصد الثمار الرُوحية على حد قُوله: أنا الكرمة وأنتُم الأغصان، الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير (يو5:15)، والزارع يجُول في الحقل يُلقي البذار في شتى المواضع، فيسقط بعضها على الطريق والبعض الآخر على الوعر من الصخُور، وينتشر جزء على الشُوك، والآخر على تربة خصبة، أما الذي سقط على الطريق فأنداس، وما كان على الصخر فقد نبت ثم جف، وما انتشر على الشُوك فقد نبت ثم خُنق، بينما الذي صادف أرضاً جيدة فقد أتى بثمر وفير قدر بمئة ضعف..

لقد اختطفت البذُور التي على الطريق بسبب صلابة الأرض، فهي أرض صلدة لا تصلح للزراعة، انتشر البذر على سطحها مما سهّل للطير التقاطه وابتلاعه، هكذا يُوجد قُوم عقُولهُم صلبة تتسم بالصلف والعناد، فإذ ما سقطت عليها البذُور الإلهية لا تجد لها سبيلاً تسلُكه، فلا تثمر الكلمة خوف الله الذي يرعرع ثمار الفضائل السماوية..

هُؤلاء الناس جعلُوا من أنفسهُم مُوضعاً مألوفاً تطأه الأرواح النجسة بل الشيطان نفسه، فلا يكُون فيهُم مجالاً لإعلان الثمار المُقدسة، كُونُوا رقباء على أذهانكُم وأحكمُوا إغلاق المنافذ فلا يدخلها سارق ولص، أطردُوا من قلُوبكُم أسراب الطير حتى تبقى البذار في مكانها، فينبت زهراً يانعاً، ونحصل منه على بذار وفيرة، وثمار كثيرة.. 

لنتأمل في البذار التي سقطت بين الوعر من الصخُور، في الناس الذين يتقبلُون الكلمة بفرح، وفي وقت التجرّبة يرجعُون متقاعسين..

هُؤلاء الناس لم يدخلُوا في بوتقة التجارب، فكُل همهُم الاعتماد على الكلمات الجُوفاء والتهرب من الإمعان في أسرار السموات، فتكُون تقواهُم هراء، لأن ليس لهُم جذُور مُتعمقة في تُربة خصبة..

أولئك يغشُون الكنائس فيُظهرُون اغتباطهُم بما يسمعُونه من الواعظ الذي وظيفته النصح والإرشاد والتعليم، ويكيلُون له المدح في غير ما تمييز أو إدراك، بل عن إرادة وقلب غير طاهر، لأنهُم إذا ما تركُوا عتبة الكنيسة ينسُون التعاليم المُقدسة، وينهجُون منهج الأعُوج، إذ لا يحتفظُون بشيء ينبت ويثمر، فإذا كانت الكنيسة آمنة سالمة أظهرُوا إيمانهُم إلى حد ما، فإذا اشتدت الأمُور وكثرت الاضطهادات تقهقر هُؤلاء.. 

إذا تألمنا في دفاعنا عن الإيمان بالمسيح، تُوجت هاماتنا بإكليل الظفر والمجد، ولنعلم أن الموت مع الشرف خير من الحياة مع العار على حدّ قُول المُخلّص لتلاميذه: لا تخافُوا من الذين يقتلُون الجسد، وبعد ذلك ليس لهُم ما يفعلُون أكثر، بل أريكُم ممَن تخافُون: خافُوا من الذي بعدما يقتل، له سلطانٌ أن يُلقي في جهنم، لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش لكي يسُود على الأحياء والأموات (لو4:12؛ رو9:14)، فلنكن ثابتين حتى إذا هبت علينا عواصف التجارب، ذلّلنا الصعُوبات بنعمة الصبر والثبات، ولنفرح بالشدائد ففيها فرصة لإظهار الصلاح بالسيد المسيح.. 

والذي سقط بين الشُوك هُم الذين يسمعُون ثم يذهبُون فيختنقُون من همُوم الحياة وغناها ولذاتها ولا ينضجُون ثمراً، فالفادي يوزع البذار فتصادف قلُوباً تظهر قُوية مُثمرة، ولكن بعد قليل تخنقها متاعب الحياة وهمُومها، فتجف البذار وتبلى، وكما يقُول هُوشع النبيّ: إنهُم يزرعُون الريح ويحصدُون الزّوبعة (هُو7:8)، لنعلم أنه لا يمكن أن تزهر البذار الإلهية إلا إذا نزعنا عن عقُولنا الهمُوم العالمية وجردنا أنفسنا عن زهُو الغنى الباطل، لأننا لم ندخل العالم بشيءٍ، وواضحٌ أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيءٍ، فإن كان لنا قُوتٌ وكسوةٌ، فلنكتف بهما (1تي7:6-10)..

الأرض الجيدة هي التي تثمر مئة ضعف، فقد اعتاد الناس أن يمتدحُوا الأرض التي يستغلُونها فتُعطي لهُم غلة وفيرة، إن كلمة الله إذا ما سمعها عقل طاهر نقي من الشُوك أثمرت محصُولاً كبيراً، فيصنع بعضٌ مئةً وآخر ستين وآخر ثلاثين، وكما أن السيد وصف ثلاث درجات للخسارة، كذلك وصف ثلاث درجات للربح والفائدة المُنتظرة..

فإن البذُور التي سقطت على الطريق اخُتطفت، والتي صارت صخراً وعراً جفت، والتي قابلت شوكاً وحسكاً خنقت، كذلك في حالة سقُوط البذُور على أرض جيدة، فإنها تُعطي غلات وفيرة مئة ضعف وستين وثلاثين، وكُل واحدٍ له مُوهبته الخاصة من الله (1كو7:7)، لا ينجح جميع القديسين نجاحاً واحداً وبدرجة واحدة، وقد أمرنا الرّب أن نسعى وراء العمل الصالح بجد وثبات متخيرين الأفضل والأكمل في المسيح.. 

إن كان الباذر واحداً وبذاره هي بعينها التي يقدمها لكُل أرض، ليتنا لا نكُن بعد طريقاً مفتُوحاً ومداساً من الأرواح الشرّيرة حتى لا تلتقط الطيُور البذار، وتُحرمنا من الثمر الإلهي، ولا نكُن بقلب مُتحجر ليس فيه محّبة لله والناس حتى يمكن للزرع أن يكُون له جذُوره العميقة فينا، ولا يكُن فينا شُوك همُوم الحياة حتى لا تخنق الكلمة، لكن في يديه نُسلّم له حياتنا فيجعلها تربة صالحة تتقبل كلمته، وتأتي بالثمر المُتكاثر..

سُؤال: لماذا ألقى السيد بالبذار على الطريق، وفي الأرض المُحجرة، وحيثُ الأشُواك، ولم يكتف بإلقائها في الأرض الجيدة؟!

(1) في أرض فلسطين كانُوا يلقُون بالبذار أولاً، وبعد ذلك يقُومُون بحرث الأرض بمحراث خشبي، فكأن الطريق يقبل البذار وكان يمكن أن يأتي بالثمار لو أن الأرض قد حُرثت بعد ذلك، فيتحول الطريق إلى أرض زراعية، فالبذار تُقدم للجميع إذ كلمة الله مُقدمة مجاناً للكُل، لكن مَن يقبل المحراث الخشبي في حياته، أي الصليب العملي يتمتع بثمر الكلمة فيه، أما مَن يُصرّ على الحياة المُرفهة تُخطف الشياطين البذار.. 

لقد دُعيت طيُور السماء لأن الأرواح الشرّيرة في أصلها رُوحية، فسدت بسقُوطها في الكبرياء، ويقصد بالأراضي المُحجرة، الحجر الجيري الذي يُغطيه طبقة من التربة تخفيه ويُوجد في الجليل، فالباذر يُقدم البذار، لأن أمامه تربة في ظاهرها صالحة، لكنها تخفي قلباً حجرياً.. 

(2) من أجل تقدير الله للحرّية الإنسانية يُقدم كلمته للجميع، فإن كانت تُوجد ثلاثة أنواع من الأراضي لا تأتي بثمار، فإن النوع الرابع يأتي بثمر كثير فائق للطبيعة، مئة ضعف وستين وثلاثين يعوض بكثير الأراضي، ويُشير للمجد الفائق الذي يتمتع به المُؤمنُون في الميراث، هذا الثمر الوفير الذي يفرح قلب الله، فلا تضطرب من أجل البذار التي ألقيت في كُل أنواع الأراضي، أنظر (مت18:13-23؛ مر3:4-8)..

بدأ المثل بقُوله: اسمعُوا، ويختمه بقُوله: مَن له أذُنان للسّمع فليسمع، وكأن السيد إذ يتحدث عن ملكُوت الله، إنما يتحدث عن سرّ عمل الله في النفُوس، يحتاج إلى آذان رُوحية قادرة أن تسمع صُوته وتتجاوب معه، وفي القديم إذ قدم الله شريعة بدأ حديثه: اسمع يا إسرائيل (تث1:4؛ 4:6)، لكن إذ لم يكن لإسرائيل الأذنين المختُونتين لم يستطع أن يسمع للوصية في أعماق قلبه، ولا أن يُدرك أسرارها ويتجاوب معها، إنه كعالي الكاهن الذي يُمثل إسرائيل، لم يسمع الصوت الإلهي الذي سمعه الطفل صمُوئيل ممثل الأمم (1صم3)، لذلك جاء السيد لا ليُقدم الوصية فحسب، وإنما يُغير طبيعة الأذنين، ويختنها بقُوة صليبه لحساب ملكُوته..

كصديق حقيقي يُشبّه نفسه بالزارع الذي لا يتوقف عن إلقاء بذار حُبه في كُل تربة لعلها تتقبلها فتنبت وتنمُو وتُثمر بلا عائق ثمار حُب لا ينقطع، أنظر الكتاب (مت10:13؛ لو5:8؛ مر2:4)..