عادل نعمان
ولقد استقر لدى أهل البسيطة أن اتصال السماء بالأرض والإبلاغ والإخبار عن الله يتم بواسطة الأنبياء فقط، وأن العلاقة بين السماء والأرض تنقضى بموت النبى، حتى يظهر نبى آخر، فكان لليهودية النبى موسى وسيطًا بين الله والبشر، وحزموا أمر النبوة فيه وأنه نهاية الأنبياء وخاتمهم، وجاء سيدنا عيسى وكان أمره كأمر موسى، وجاءنا سيدنا محمد رسول الإسلام خاتم النبيين، وانقطع الوحى والاتصال بين الله وبين البشر بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، وعرفنا أن الناس تموت والأنبياء ينتقلون ويُرفعون ويهاجرون ويسافرون إلى الله، هكذا علمونا وأخبرونا.

وكلمة النبى مشتقة من الإنباء أى الإخبار، وقد كانت مهمة الأحبار والكهان والمنجمين إنباء وإعلام وإخبار الملوك والقياصرة والحكام عن الأحداث وأعمارهم المديدة ومرضهم وشفائهم، وانتقال الحكم بين أولادهم وأحفادهم فى سلام أو فى حروب، وفتوحاتهم وغزواتهم وانتصاراتهم، وكان من الكهان من ينصح بدخول الحروب وينبئ الملك بالنصر المبين ويدخلها مطمئنًا وقد هُزم، ومنهم من أثناه عن فكرة خوض الحرب ولما دخلها انتصر، فكذبوا وإن صدقوا، وكان مجلس الكهان والمنجمين ملاصقًا لمجلس الحكام، ولا يقطعون أمرًا من أمور الدولة والحكم ولا يشنون حربًا أو يعقدون سلامًا إلا بمشورة المنجمين، ولم يكتف المنجمون بالاتصال بالنجوم والطالع فقط، بل أوهموا الملوك باتصالهم بالآلهة حتى يسبغوا الصدق على نبوءتهم، وتنافسوا فيما بينهم فى القرب والاتصال والمعرفة واللقاء، حتى يشيع خبرهم عند الملوك فيلتحقون بمجمع الكهان والمنجمين، ويتنعمون فى الخير الوفير. والنبوة على هذا النحو كانت محلية لا تتخطى حدود القبيلة أو الإمبراطورية وتأثيرها لا يتعدى الزمان والمكان الذى نشأت فيه.

ويظهر الشكل الجديد للنبوة واضحًا فى سيدنا إبراهيم، (إبرام) وهو أول نبى ظهر كما جاء فى التوراة، وقصة سيدنا إبراهيم واتصاله بالسماء معروفة، وكذلك هجرته بأمر من الله إلى أرض كنعان ويخاطبه الله فى ذلك (لنسلك نهب لك هذه الأرض)، راجع تمسك اليهود بأرض كنعان «لبنان وفلسطين»، ثم يصف الله اليهود بأنهم «شعب الله المختار» أى أنهم شعب مقدس وخاص للرب، وهذا الاختيار يمنحهم مكانة مميزة عند الله.

ثم يظهر فى التوراة المكتوبة اصطفاء الله لـ«إسحاق» بن إبراهيم «وامتد هذا إلى ابنه يعقوب» أبو سيدنا يوسف وإخوته «الذى ناداه مناد باسم اسرائيل، له البركة ولشعبه، يسيحون فى الأرض ويشردون ثم يعودون إلى أرض الميعاد، هذا ما جاءت به التوراة، وهذا الوصف والتفضيل لبنى إسرائيل «يعقوب» يؤكّد أن هذه التوراة صناعة يهودية بشرية، وأغلبها مرويات شعبية نقلت على المعنى من جيل إلى جيل حتى استقرت فى كتاب.

والصراع منذ الأزل قائم بين أصحاب النبوة الحقيقية والنبوة المزيفة، والادعاء بأن السماء تخاطب البشر قائم منذ القدم، وقد كانت المعجزات هى دليل النبوة الوحيد وخاصية وحيدة ينفرد بها الأنبياء، وتنفرد قصة النبى إيليا «ويُعرف بالنبى إلياس عند المسلمين» بمعجزات فريدة، ولم تكن حقيقية بل تراثًا تناقله الأحبار والكهان لغرض معروف، وذكرت الكتب الكثير من هذه المعجزات دون دليل، منها إحياء الموتى دون إثبات عام، ويقال صلى لابن أرملة حزينة مات ولدها حتى عاد إلى الحياة وهى قصة تناقلها الرهبان، وكذلك قدرته على الإماتة على الملأ، فقد زعموا أنه دعا الرب أن ينزل نارًا من السماء التهمت الحجر والحطب والكثير من البشر، ثم اكتملت القصة حين زعموا أنه صعد إلى السماء فى مركبة نارية.

ونذهب إلى النبى موسى وكيف كلمه الله ليرسله إلى فرعون مصر، وكان موسى يرعى فى الطور فى سيناء حتى رأى نارًا تشتعل فى شجرة، ولما اقترب خاطبه الرب (أنا إله آبائك) وكلمه عن ظلم شعبه على أيدى المصريين، وما يلاقونه من عذاب على أيدى فرعون وجنوده، وطالبه بالذهاب إلى الفرعون ويخرج بشعبه إلى أرض كنعان «فلسطين ولبنان» ليعيشوا فى سلام الرب، لاحظ ان أرض الميعاد «فلسطين ولبنان» قاسم مشترك عند أنبياء اليهود، حكايات توراتية لا تنتهى ولا تنضب، والعجيب أن كتبة التوراة قد أكدوا على أن موسى هو النبى المفضل والذى به قد انتهت النبوة واتصال السماء بالأرض، والعجيب أن الديانة اليهودية والمكتوبة والمدونة بيد بشر تحظى بأولوية قصوى وأفضلية عند كل الأديان وتتناقلها وتنقل عنها كمصدر رئيسى!! والغريب والعجيب أيضًا أن رواية خروج اليهود من مصر كما جاءت فى كتب التوارة والكتب الدينية لم يثبت تاريخيًّا حدوثها، وليس هناك دليل على أن هذا الخروج الكبير قد جرى، ومن ثم فإن مراجعة هذه المعجزات أمر يحتمه العقل والمنطق (وللحديث حكايات).

(الدولة المدنية هى الحل)
نقلا عن المصري اليوم