بقلم أيمن فايز
قبل أن تمتلك المسيحية كاتدرائياتها، كانت تمتلك جدران الدياميس.
 
وفي تلك الممرات التي حفظت رفات الشهداء وذاكرة جماعات مسيحية مبكرة، بقي لنا أيضًا واحد من أقدم الأرشيفات البصرية للإيمان المسيحي: الراعي الصالح، يونان، دانيال، الفتية في الأتون، مشاهد الصلاة والخلاص والرجاء في القيامة.
 
لم تكن المسيحية الأولى تملك صحافة ولا وسائل تواصل، لكنها أدركت مبكرًا أن الصورة ذاكرة، وأن ما تراه العين يمكن أن يحمل إيمان الكنيسة عبر القرون.
 
ولذلك فإن الحديث عن صورة دينية تنشرها الكنيسة اليوم ليس ترفًا فنيًا، ولا معركة بين القديم والحديث.
 
إنه سؤال عن المعنى.
 
توقفت لهذا السبب أمام الصورة التي نشرها المكتب الإعلامي الكاثوليكي بمصر مع خبر المؤتمر الأول لأسر «خدمة يسوع السجين»: المسيح خلف قضبان السجن، ويداه في القيود، بينما تحمل الصورة الهالة الصليبية واختصار IC XC.
 
وأبدأ من نقطة ضرورية حتى لا نظلم العمل ولا الفنان:
 
هذه ليست إِيقونة بيزنطية، ولا ينبغي أن نحاكمها كما لو كانت كذلك.
 
إنها عمل من الفن الديني المصري الحديث، والفنان المعاصر من حقه أن يتأمل ويؤلف ويبتكر لغته. والكنيسة الكاثوليكية نفسها لم تحصر الفن المقدس في مدرسة أو أسلوب واحد؛ فالمجمع الفاتيكاني الثاني يقول صراحة إن الكنيسة لم تعتبر يومًا أسلوبًا فنيًا بعينه أسلوبها الخاص، بل قبلت فنون العصور والشعوب المختلفة. (Sacrosanctum Concilium, 123). (Vatican Press⁠)
 
إذن المشكلة ليست أن الفنان لم يرسم على الطريقة البيزنطية.
المشكلة فيما تقوله الصورة.
 
لقد انطلق العمل، فيما يبدو، من قول المسيح:
 
«كنت محبوسًا فأتيتم إليّ».
 
لكن المسيح نفسه لم يترك العبارة بلا تفسير، بل قال بعدها: «بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم».
هنا يصبح الفارق دقيقًا ولكنه جوهري: الإنجيل يكشف المسيح الحاضر في السجين، أما الصورة فتحوّل هذا المعنى إلى المسيح السجين.
الأول نص إنجيلي.
 
والثاني تأويل فني للنص.
 
ولا مشكلة في وجود التأويل داخل الفن الديني الحديث ما دام معروفًا بوصفه تأويلًا. لكن المسألة تصبح أكثر حساسية عندما يستعير العمل علامات من اللغة الإِيقونية للمسيح — الهالة الصليبية وIC XC — فتدخل إلى التأليف الفني رموز لا تؤدي وظيفة زخرفية، وإنما تحمل ذاكرة عقائدية تكونت عبر قرون.
 
وهنا تفيدنا الإِيقونة، لا لكي نفرض أسلوبها على الفن الحديث، وإنما لكي نتعلم منها مسؤولية الصورة.
 
فالمجمع النيقاوي الثاني سنة 787 لم يدافع عن مدرسة رسم، وإنما عن حقيقة لاهوتية مرتبطة بالتجسد والتقليد. والتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية يلخص هذا التراث بعبارة بالغة الأهمية: الإِيقونوغرافيا المسيحية تعبّر بالصورة عن الرسالة الإنجيلية نفسها التي ينقلها الكتاب بالكلمة؛ فالصورة والكلمة تنيران بعضهما بعضًا. (Vatican⁠)
 
هذه العبارة وحدها تكفي لكي نعيد النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع الصورة داخل الكنيسة.
 
فإذا كانت الصورة تستطيع أن تحمل رسالة، فهي تستطيع أيضًا أن تحمل تفسيرًا.
 
وإذا كان التفسير يحتاج إلى مراجعة عندما يُكتب، فلماذا يصبح معفيًا من المراجعة عندما يُرسم؟
 
بل إن المقارنة مع التراث المسيحي تكشف مفارقة لاهوتية تستحق التفكير. في إِيقونة النزول إلى الجحيم، يدخل المسيح إلى موضع الأسر، لكنه لا يُقدَّم كأسير له: الأبواب محطمة، والموت مهزوم، والإنسان هو الذي يُنتشل من سجنه. الصورة هناك لا تشرح آية حرفيًا؛ إنها تصوغ إيمان الكنيسة بالخلاص بلغة مرئية.
 
وهنا نصل إلى جوهر الواقعة.
 
لو نُشرت الصورة في صفحة فنان لبقي النقاش فنيًا ولاهوتيًا معه. أما نشرها عبر المكتب الإعلامي الكاثوليكي بمصر فيجعل المسألة تستحق مراجعة كنسية؛ لأن الإعلام الرسمي لا ينشر كلمات فقط، بل ينشر صورًا تحمل بدورها معنى وتعليمًا.
 
وهذه ليست مطالبة بتحويل المكتب الإعلامي إلى محكمة للفنون، ولا دعوة إلى محاسبة الفنان.
 
بل العكس.
 
إذا كان الفنان يعمل في مساحة الفن الديني الحديث، فمن واجب الكنيسة أن تمنحه المعرفة قبل أن تطالبه بالدقة.
 
وهنا تكمن المفاجأة التي وجدتها في تعليم الكنيسة نفسها.
 
فالمجمع الفاتيكاني الثاني لا يطلب فقط تكوين الفنانين في روح الفن المقدس والليتورجيا، بل يذهب في المادة 129 من Sacrosanctum Concilium إلى أبعد من ذلك: يطلب أن يتلقى الإكليروس، أثناء دراساته الفلسفية واللاهوتية، تعليمًا في تاريخ الفن المقدس وتطوره والمبادئ السليمة التي تقوم عليها أعماله، حتى يصبح قادرًا على تقدير تراث الكنيسة وتوجيه الفنانين توجيهًا مناسبًا. (Vatican Press⁠)

إذن السؤال لم يعد:
من أخطأ في البوستر؟
السؤال الأهم:
أين ذهب هذا التعليم؟
أين لاهوت الإِيقونة وتاريخ الفن المسيحي والفن المقدس من مناهج المعاهد الدينية ومن تكوين الخدام والعاملين في الإعلام الكنسي؟
فنحن لا نحتاج إلى تعليم الكاهن كيف يمسك الفرشاة، بل كيف يقرأ ما تقوله الفرشاة.
 
ولا يصح أن يبقى هذا العلم تخصصًا للفنان، بينما من يختار الصورة ويستخدمها في التعليم والرعاية والإعلام لا يملك أدوات قراءتها.
ومن هنا تبدو القضية أكبر من تصحيح بوستر واحد.
 
فالخدمة يمكن أن تكون إنجيلية، والنية يمكن أن تكون صادقة، والفنان يمكن أن يكون موهوبًا، وتبقى الصياغة البصرية قابلة للنقد والتصحيح لاهوتيًا عندما تدخل المجال الكنسي الرسمي.
 
وهذه ليست دعوة إلى محاسبة أحد، بل إلى تصحيح ما يمكن تصحيحه.
 
فمن الدياميس إلى نيقية الثانية، ومن فنون الشرق والغرب إلى تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني، أنفقت المسيحية قرونًا وهي تبني ذاكرتها البصرية.
فهل يعقل أن نرث كل هذا التاريخ، ثم نتعامل مع الصورة في عصر الإعلام باعتبارها مجرد فراغ جميل بجوار الخبر؟
 
أتمنى أن تبدأ المراجعة من مكانها الطبيعي: المسؤولين عن التعليم المسيحي والمعاهد الدينية والتكوين الكنسي.
 
لأن الكنيسة قبل أن تعلّم المخدوم بالصورة،
 
عليها أن تعلّم الخادم كيف يقرأها.
 
فالدياميس حفظت لنا إيمان مسيحيين رحلوا منذ قرون لأنهم عرفوا قيمة ما يتركونه على الجدار.
 
فلا يليق بنا، بعد عشرين قرنًا، أن نكون قد أتقنّا نشر الصورة… ونسينا أن الصورة أيضًا تتكلم.