الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في الحلقة السابقة رأينا كيف استعان الأقباط بالعربيّة لكي يشرحوا القبطيّة ويحفظوا مفرداتها وقواعدها. لكن التحوّل اللغويّ لم يتوقّف عند هذا الحدّ. فحين أصبحت العربيّة لغة المسيحيّين في مصر، كان عليها أن تحمل معها عالمهم الدينيّ كله تقريبًا: اللاهوت، والكتاب المقدّس وتفسيره، والقوانين، والوعظ، والنسك، وسير القدّيسين، والطقوس والصلاة.

ولكي نرى ذلك بصورة ملموسة، سأختار هنا مثالًا واحدًا فقط من أمثلة كثيرة، ومن بين عشرات الكتب والفهارس المنشورة عن المخطوطات العربيّة المحفوظة في الأديرة القبطيّة: كتاب ستيفن ديفيس ومارك سوانسون، فهرس المخطوطات القبطية والعربية بدير السريان، المجلد الثالث: اللاهوت العربيّ، الصادر عن Peeters عام ٢٠٢٢.

وعنوان Arabic Theology هنا هو اسم القسم الذي تُصنَّف تحته هذه المخطوطات في مكتبة دير السريان، وبالتأكيد ليس المقصود به "اللاهوت العربيّ" بوصفه تيارًا فكريًّا مستقلًا! والمجلّد يصف ٥٩ مخطوطًا، لكن ما تحويه هذه المخطوطات أوسع بكثير من كتب العقيدة، ففيه مؤلفات لاهوتيّة ودفاعيّة وتعليميّة، نصوص كتابيّة وتفاسير، قوانين، مؤلفات نسكيّة، مواعظ، أقوال رهبانيّة، سير قدّيسين، نصوص طقسيّة، ثم رؤى وتواريخ وحكايات وشعر. وبعضها تُرجم إلى العربيّة من اليونانيّة أو السريانيّة أو القبطيّة، وبعضها وُضع أصلًا بالعربيّة داخل التراث المسيحيّ العربيّ. 

وهذا وحده يقول الكثير، إنّ العربيّة أخذت مكانها داخل المكتبة والكنيسة والدير معًا. فمثلًا مخطوط واحد، هو «DS Arabic Theology 23». يبدأ بـ«كتاب الاعتراف»، ثم نجد «تعليمًا روحانيًّا ووصايا مقدّسة» منسوبة إلى القدّيس أنطونيوس، ثم مجموعة أخرى من تعاليمه في عشرين فصلًا، وبعدها مواعظ تُقرأ في أيام نينوى، ثم مجموعة من المواعظ والتنبيهات للصوم الأربعينيّ. 

وعناوين تعاليم الأنبا أنطونيوس تكفي لتقريبنا من هذا العالم: «حفظ القلب»، «مخافة الرب»، «الاتضاع»، «الطهارة»، «السكوت»، «الحكمة والفهم»، «المجد الباطل»، «العبادة والبتوليّة»، «مسك اللسان».

ثم ننتقل من القلاية إلى الكنيسة. فالمخطوط نفسه يحفظ ثلاث مواعظ مخصّصة لأيام نينوى، ثم سلسلة من المواعظ للصوم الأربعينيّ موزّعة على أيام الأسابيع، ومنسوبة إلى آباء مثل أثناسيوس وشنودة وباسيليوس ويوحنّا وغريغوريوس وإبيفانيوس. لم تعد العربيّة هنا لغة كتاب موضوع على رفّ، فقد أصبحت لغة نصّ يُقرأ في زمن الصوم، ويُسمع داخل الجماعة، ويصوغ خبرتها الروحيّة.  وتظهر الصورة نفسها في مخطوطات أخرى. نجد كلامًا عن «التوبة النقيّة وفضيلة الصوم والصلاة والمحبة الروحانيّة والرحمة»، ونصوصًا عن الصبر في التجارب، والاعتراف، والزهد في العالم. ونجد أيضًا حديثًا عن الصلاة نحو الشرق، وعن الأحد، وإضاءة القناديل والبخور، والتوبة والعبادة.  

وهنا يصبح تعبير مثل "انتقال الأقباط إلى العربيّة" أعمق مما يبدو لأول وهلة. فالمسألة لم تكن تبديل لغة بأخرى في الحياة اليوميّة فقط. لقد صار ممكنًا أن يسمع المسيحيّ الموعظة بالعربيّة، ويقرأ تعاليم آباء البرّيّة بالعربيّة، ويتأمّل في التوبة والصوم بالعربيّة، ويعبّر عن الصلاة والعبادة بالعربيّة. أي إن العربيّة حملت أفكار المسيحيّين وأيضًا صلاتهم ووعظهم وذاكرتهم الروحيّة.

في الحلقة القادمة ننتقل من كتب النسك والمواعظ إلى نوع آخر صنع جانبًا أساسيًّا من الذاكرة المسيحيّة الشعبيّة: سير القدّيسين. كيف أصبحت حياة القدّيسين أيضًا تُروى بالعربيّة؟

المرجع:
Stephen J. Davis and Mark N. Swanson, Catalogue of Coptic and Arabic Manuscripts in Dayr al-Suryān, vol. 3, Arabic Theology, Corpus Scriptorum Christianorum Orientalium 694, Subsidia 143 (Leuven: Peeters, 2022).
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ