الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
رأينا في البوست السابق كيف دعت وثيقة "فرح ورجاء" الكنيسة إلى قراءة "علامات الأزمنة" في ضوء الإنجيل، وكيف رأى الأب جوستاڤو جوتيّيرّث في هذه الدعوة واحدًا من المنابع التي مهّدت لنشوء لاهوت التحرير. لكنّ تأثير المجمع  طرح أيضًا سؤالًا يتعلّق بالكنيسة نفسها: كيف ينبغي للكنيسة أن تعيش رسالتها وسط عالمٍ يملؤه الفقر والقهر؟

من النصوص المهمّة لهذه المسألة ما جاء في وثيقة المجمع "نور الأمم": «ولمّا كان المسيح قد تمّم عمله الفدائيّ في الفقر والاضطهاد فإنّ الكنيسة قد دُعيت هي أيضًا إلى انتهاج هذه الطريق عينها لكي تشرك الناس في ثمار الخلاص» (نور الأمم، ٨). وتظهر الفكرة نفسها في أيضا في وثيقة "إلى الأمم"، إذ يدعو المجمع الكنيسة إلى أن تسلك «الطريق عينها التي سلكها المسيح، أي طريق الفقر، والطاعة، والخدمة، وبذل الذات حتّى الموت» (إلى الأمم، ٥). الأمر البارز هو أن الفقر لم يعد يُنظر إليه بوصفه قضيّةً اجتماعيّة تتحدّث الكنيسة عنها من الخارج، ولكنه أصبح أيضًا سؤالًا عن شكل الكنيسة نفسها وطريقة حضورها ورسالتها. وهذا ما التقطه جوتيّيرّث بوضوح في مقدّمة كتابه «لاهوت التحرير»، وأشار أليه في مقدمته الطويلة تحت عنوان «درب الفقر والاستشهاد».

يذكّر جوتيّيرّث بأنّ الكاردينال جاكومو ليركارو، استلهم البابا يوحنّا الثالث والعشرين، وأراد مع عددٍ من آباء المجمع أن يصبح إعلان الإنجيل للفقراء محورًا رئيسًا في تفكير المجمع. ويرى في "نور الأمم"، ٨، وفي الحديث عن «طريق الفقر» تعبيرًا عن هذا الاتّجاه. ثمّ يربط ذلك بما سيحدث لاحقًا في أمريكا اللاتينيّة. وهنا تكمن الخطوة الحاسمة. فالدعوة إلى «كنيسة الفقراء» اتّخذت معنًى خاصًّا في قارّةٍ تعيش فيها جماهير واسعة تحت وطأة الفقر والقهر والموت المبكّر وغير العادل. ولهذا انتقل السؤال في أمريكا اللاتينيّة من "ماذا يمكن أن تقدّم الكنيسة للفقراء؟" إلى "ماذا ينبغي أن يتغيّر في الكنيسة نفسها لكي تكون أمينةً للإنجيل وسط الفقراء؟"

ومن هنا يمكن أن نفهم الصلة بين المجمع ومؤتمر ميديين عام ١٩٦٨. فقد أعلنت كنيسة أمريكا اللاتينيّة في ميديين أنّ «الكنيسة في أمريكا اللاتينيّة ينبغي أن تتجلّى، بطريقةٍ واضحة وعلى نحو متزايد، على أنّها حقًّا الكنيسة الفقيرة والفصحيّة والإرساليّة، والمنفصلة عن كلّ سلطة وقتيّة وملتزمة بشجاعة من أجل تحرير كلّ فرد» (ميديين، ١٤). ونلاحظ هنا أنّ الفكرة المجمعيّة لم تُنقل كما هي، بل أُعيدت قراءتها داخل الواقع اللاتينيّ الأمريكيّ. فالحديث عن «طريق الفقر» أصبح سؤالًا عن موقع الكنيسة وسط مجتمعٍ منقسم اجتماعيًّا، وعن علاقتها بالسلطة والثروة، وعن نوع الشهادة التي تستطيع أن تقدّمها للفقراء.

وسيواصل مؤتمر پويبلا عام ١٩٧٩ هذا المسار، متحدّثًا عن كنيسة بدأت «شيئًا فشيئًا» تنفصل عن ذوي النفوذ الاقتصاديّ والسياسيّ، وتتحرّر من أشكال التبعيّة، وتتجرّد من الامتيازات (پويبلا، ١٢٣). وفي موضعٍ آخر يعبّر المؤتمر عن رغبته في «كنيسة خادمة»، و«كنيسة مرسلة تقف ذاتها على تحرير الإنسان وكلّ الإنسان» (پويبلا، ١٣٠٤). ومن داخل هذا التحوّل نفهم أيضًا أهمّيّة الجماعات الكنسيّة "القاعديّة" في أمريكا اللاتينيّة. فقد أصبحت هذه الجماعات مكانًا يقرأ فيه المؤمنون الكتاب المقدّس، ويصلّون، ويتأمّلون في واقعهم، ويشاركون في حياة الكنيسة من داخل خبراتهم اليوميّة. ولهذا رأى فيها جوتيّيرّث واحدًا من أبرز تعبيرات «كنيسة الفقراء»: لقد أسهمت في جعل الإنجيل قريبًا من الفقراء، والفقراء قريبين من الإنجيل.

وهنا تظهر الصلة بين ما تناولناه في الموضوع. ففي "فرح ورجاء" دعا المجمع إلى قراءة «علامات الأزمنة» في ضوء الإنجيل. وفي «نور الأمم» و«نشاط الكنيسة الإرساليّ» دعا الكنيسة نفسها إلى السير في «طريق الفقر». وعندما تلقّت كنائس أمريكا اللاتينيّة هذين الخطّين معًا، ظهر سؤالٌ جديد: كيف نقرأ واقع الفقراء في ضوء الإنجيل، وكيف ينبغي للكنيسة نفسها أن تتغيّر وهي تفعل ذلك؟ لهذا لا نقول إنّ المجمع الفاتيكانيّ الثاني أنشأ لاهوت التحرير، إلّا أنّه مهّد له أرضيّةً مهمّة: الكنيسة داخل التاريخ، وقراءة «علامات الأزمنة»، والكنيسة بوصفها شعب الله، والمسؤوليّة تجاه كرامة الإنسان، والسير في «طريق الفقر». أمّا كنيسة أمريكا اللاتينيّة فقد أخذت هذه الأرضيّة وقرأتها من داخل واقعها الخاصّ.

من هنا نصل منطقيًّا إلى الحلقة القادمة: مؤتمر مجلس أساقفة أمريكا اللاتينيّة في «ميديين» عام ١٩٦٨. ففي ميديين سنرى كيف بدأت الأفكار التي أطلقها المجمع تتّخذ صياغةً لاتينيّة أمريكيّة أكثر وضوحًا، قبل أن يتبلور لاهوت التحرير بوصفه تيّارًا لاهوتيًّا.

مراجع 
١. المجمع الفاتيكانيّ الثاني، "نور الأمم"،  بشكلٍ خاص الفصل الثاني "شعب الله".
٢. جوستاڤو جوتيّيرّث، لاهوت التحرير، القاهرة: دار الأكوينيّ، ٢٠١٧. بشكلٍ خاصّ المقدّمة.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ