الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
نعتمد في هذه الحلقة بصورة أساسيّة على دراسة الباحث عادل سيداروس بعنوان: «L’œuvre philologique copte d’Abū Shākir Ibn al-Rāhib»، وهي دراسة مهمّة لأنّها تحلل العمل اللغويّ لأبي شاكر ابن الراهب، وتضعه داخل حركة أوسع شهدها القرن الثالث عشر لدراسة اللغة القبطيّة وشرحها بالعربيّة. ومن خلال هذه الدراسة تظهر أمامنا مفارقة مدهشة، ففي الوقت الذي كانت فيه العربيّة تترسّخ لغةً للحياة والثقافة عند الأقباط، أصبحت هي نفسها أداةً لحفظ القبطيّة وتعليمها والوصول إلى نصوصها القديمة!
يبدأ بروفيسور عادل سيداروس بملاحظة مهمّة: «العصر الذهبيّ» للأدب القبطيّ العربيّ رافقته حركة نشطة لدراسة اللغة القبطيّة نفسها. ففي فترة قصيرة نسبيًّا ظهر يوحنّا السمنّودي، وابن كاتب قيصر، والوجيه القليوبي، والثقة ابن الدهيري، والأسعد ابن العسّال، وأبو شاكر ابن الراهب، ثم أثناسيوس القوصي. ومن ثمّ، فنحن لا نتعامل مع محاولات فرديّة متناثرة، وإنما مع حركة علميّة واضحة داخل الثقافة القبطيّة العربيّة في القرن الثالث عشر.
ولفهم هذه الحركة يكفي أن نتعرّف إلى نوعين من الكتب. «المقدّمة» كتاب يشرح قواعد اللغة القبطيّة بالعربيّة، أمّا «السُلَّم» فهو معجم يضع المفردة القبطيّة في مقابل معناها العربيّ. وفي عمل ابن الراهب اجتمع النوعان: مقدّمة نحويّة وسُلَّم معجميّ، رتّبه على مثال بعض المعاجم العربيّة بحسب الحرف الأخير من الكلمة.
وهنا تظهر أهمّيّة العربيّة بصورة أوضح. فهي لم تعد فقط اللغة التي يكتب بها الأقباط، وإنما أصبحت اللغة التي يستطيعون بواسطتها تعلّم القبطيّة نفسها. ويعبّر ابن الراهب عن غايته بوضوح حين يقول إنّه قصد «الوقوف على اللسان القبطي المنقول إلى اللسان العربي»، لكي «نفهم به كتب مذهبنا وديننا». فالقبطيّ الذي أصبحت العربيّة لغته الأقرب احتاج إليها لكي يعود إلى الكتب التي كُتبت بلغة كنيسته القديمة.
ويلفت سيداروس النظر أيضًا إلى أن أثر العربيّة لم يقتصر على ترجمة المفردات، بل امتدّ إلى طريقة وصف اللغة القبطيّة نفسها. فعندما يبدأ ابن الراهب القسم النحويّ يقول: «الكلام ينقسم [إلى] ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف»، وهي القسمة المعروفة في النحو العربيّ. وقد استخدم علماء القبط مصطلحات النحو العربيّ وأدواته في وصف لغة تختلف عنه في بنيتها؛ فبالعربيّة شرحوا أصوات القبطيّة وحروفها، وصنّفوا كلماتها، ودرسوا صيغها وتراكيبها. وهكذا أصبحت العربيّة «لغةً واصفة» للقبطيّة، أي اللغة التي تُشرح بها القبطيّة نفسها. يمضي سيداروس في دراسته إلي أبعد من عمل ابن الراهب، فدراسته للمخطوطات تكشف انتقال هذه المؤلّفات ضمن مجموعات تضمّ أيضًا «سلالم» لابن العسّال وابن كَبَر، ومواد مرتبطة بيوحنّا السمنّودي. وهذا يدلّ على أنّ «السُلَّم» و«المقدّمة» أصبحا نوعين معروفين من الكتب التي يحتاج إليها من يريد قراءة القبطيّة وتعلّمها.
ولهذا لا تكفي العبارة الشائعة إنّ «العربيّة حلّت محلّ القبطيّة» لفهم ما جرى. صحيح أنّ الاستعمال الحيّ للقبطيّة أخذ يتراجع، لكن الأقباط استخدموا العربيّة في الوقت نفسه لتسجيل مفرداتها، وشرح قواعدها، ونقل معرفتها إلى أجيال لم تعد القبطيّة لغتها اليوميّة. فاللغة الجديدة لم تكن أداة انتقال بعيدًا عن القبطيّة فقط، وإنما أصبحت أيضًا طريقًا للعودة إليها. وهذه هي القيمة التاريخيّة للسلالم والمقدّمات التي يدرسها سيداروس: إنها تكشف لحظةً صار فيها القبطيّ يحتاج إلى العربيّة لكي يتعلّم القبطيّة ويفهم تراث كنيسته المكتوب بها. ومن هذه المفارقة نفهم بصورة أعمق كيف أسهم التراث العربيّ المسيحيّ نفسه في حفظ جزء مهمّ من الذاكرة القبطيّة.
في الحلقة القادمة ننتقل من لغة الكتب إلى لغة الحياة الروحيّة: كيف دخلت العربيّة إلى الصلاة والمواعظ والأدب النسكيّ وسير القدّيسين؟
المرجع:
Adel Sidarus, “L’œuvre philologique copte d’Abū Shākir Ibn al-Rāhib (XIIIe s.),” in Studies on the Christian Arabic Heritage in Honour of Father Prof. Dr. Samir Khalil Samir S.I. at the Occasion of His Sixty-Fifth Birthday, ed. Rifaat Ebied and Herman Teule, Eastern Christian Studies 5 (Leuven, Paris, and Dudley, MA: Peeters, 2004) .
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





