الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
أدّى المجمع الفاتيكانيّ الثاني دورًا مهمًّا في نشأة لاهوت التحرير. وبالتأكيد لا يمكن تفسير نشأة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيّة بالمجمع وحده، فقد أسهمت في ظهوره عوامل أخرى مثل الفقر الواسع والتفاوت الاجتماعيّ والتحوّلات السياسيّة والحركات الشعبيّة والعمل الكاثوليكيّ وتطوّر العلوم الاجتماعيّة والخبرة الخاصّة لكنائس أمريكا اللاتينيّة. لكنّ المجمع، الذي انعقد بين عامَي ١٩٦٢ و١٩٦٥، كان واحدًا من أهمّ العوامل اللاهوتيّة والكنسيّة التي مهّدت لظهوره.

ولفهم هذه العلاقة، من المفيد أن نبدأ بوثيقة «فرح ورجاء». فمنذ افتتاحها تضع الوثيقة الكنيسة داخل تاريخ البشر، وتقول: «إنّ آمالَ البشرِ وأفراحَهم، في زمننا هذا، إنّ أحزانَهم وضيقاتهم، لا سيّما الفقراء منهم والمعذّبين جميعًا، لهي أفراحُ تلاميذِ المسيح وآمالُهم، هي أحزانُهم وضيقاتهم» («فرح ورجاء»، ١).
ثمّ تأتي العبارة التي ستكون شديدة الأهمّيّة للاهوت اللاحق: «إنّ مِن واجبَ الكنيسةِ، كي تقومَ بهذه المهمّةِ أحَسَنَ قِيام، أن تتفحَّصَ في كلِّ آنٍ علاماتَ الأزمنةِ وتُفسِّرُها على ضوءِ الإنجيل» («فرح ورجاء»، ٤). هذه الفكرة أساسيّة لفهم لاهوت التحرير. فالواقع التاريخيّ لا يحلّ محلّ الإنجيل، لكنّ الكنيسة مدعوّةٌ إلى قراءة واقع البشر وتمييزه «على ضوء الإنجيل». وسيأخذ لاهوتيّو التحرير هذه الدعوة مأخذًا جدّيًّا حين يسألون: ما «علامات الأزمنة» في أمريكا اللاتينيّة؟ وماذا يعني أن نقرأ الفقر والقهر والتبعيّة والعنف من داخل الإيمان المسيحيّ؟

ونجد في كتاب «لاهوت التحرير» للأب جوستاڤو جوتيّيرّث أنّه يربط نشأة لاهوت التحرير نفسه بهذه الدعوة، فيقول في مقدّمة الكتاب: «إنّ لاهوت التحرير مرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا الوجود الجديد لأولئك الذين كانوا غائبين في تاريخنا. لقد تحوّل هؤلاء تدريجيًّا إلى عناصر فاعلة في مصائرهم وبدوا عازمين على تغيير حالة الفقراء والمقهورين في هذا العالم. إنّ لاهوت التحرير (والذي هو حقّ الفقراء في التعبير عن إيمانهم) لم يكن نتيجة تلقائيّة لهذا الوضع أو التغييرات التي حدثت له. بل بالأحرى هو مبادرة تحقيق للدعوة التي نادى بها البابا يوحنّا الثالث والعشرون والمجمع الڤاتيكانيّ الثاني من أجل تفسير علامات هذا الزمن على ضوء كلمة الله». هذا نصٌّ مهمّ لأنّ جوتيّيرّث نفسه يرفض أن نفسّر لاهوت التحرير بوصفه نتيجةً آليّة للواقع السياسيّ والاجتماعيّ. إنّه يربطه صراحةً بدعوة البابا القدّيس يوحنّا الثالث والعشرين والمجمع إلى قراءة «علامات الأزمنة» في ضوء كلمة الله.

وفي وثيقة «فرح ورجاء» نجد نصًّا آخر استشهد به جوتيّيرّث في الفصل المعنون «الإيمان والإنسان الجديد» من كتابه «لاهوت التحرير». يقول نصّ المجمع: «فنحن إذًا شهود لولادةِ ثقافةٍ جديدة محورُها الإنسان. وقبل كلّ شيء يتحدّد موقف الإنسان فيها بالمسؤوليّة التي يتحمّل تجاه إخوته وتجاه التاريخ» («فرح ورجاء»، ٥٥). يأخذ جوتيّيرّث هذه الفكرة إلى السياق اللاتينيّ الأمريكيّ، فيكتب: «إنّ التطلّع إلى خلق إنسانٍ جديد هو المحرّك الداخليّ للنضال الذي يخوضه كثيرٌ من الناس في أمريكا اللاتينيّة». ثمّ يسأل عمّا يعنيه هذا النضال وهذه الجدّة التاريخيّة «في ضوء الإيمان والمحبّة والرجاء».

هنا نستطيع أن نرى بوضوح كيف انتقلت فكرةٌ مجمعيّة إلى سؤالٍ لاهوتيّ جديد داخل سياق أمريكا اللاتينيّة. فالمجمع دعا الكنيسة إلى قراءة «علامات الأزمنة»، وجاء لاهوتيّو أمريكا اللاتينيّة ليسألوا: ما علامات زمننا نحن؟ وأين يقف الفقراء داخل هذه القراءة؟ وكل ذلك داخل وضع قارّة أمريكا اللاتينيّة بمختلف سياقاتها.

وفي البوست القادم نرى جانبًا آخر لا يقلّ أهمّيّة: كيف مهّد المجمع لفكرة «كنيسة الفقراء»؟

المراجع
١. المجمع الفاتيكانيّ الثاني، «فرح ورجاء».
٢. جوستاڤو جوتيّيرّث، لاهوت التحرير: التاريخ والسياسة والخلاص (القاهرة: دار الأكوينيّ، ٢٠١٧). بشكل خاص المقدّمة والفصل الرابع بعنوان«الإيمان والإنسان الجديد».
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ