الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في النظر إلى تعليم الكنيسة الاجتماعي بعد عصر الآباء يمكن البحث لدى الكثير من مفكّري العصور الوسطى، ولكن يمكن هنا الإشارة فقط إلى توما الأكوينيّ في تناوله لموضوعٍ واحد بعينه وهو الملكيّة الخاصّة. وتظهر أهمّيّة القدّيس توما الأكوينيّ (نحو ١٢٢٥–١٢٧٤)، لأنّه قدّم واحدًا من أكثر تصوّرات العصور الوسطى توازنًا في هذه المسألة أي الملكيّة الخاصّة. 

لا يرفض الأكويني الملكيّة الخاصّة، و يرى أنّ امتلاك الإنسان الأشياء الخاصّة جائز ونافع لتنظيم الحياة المشتركة. ففي "الخلاصة اللاهوتيّة" يذكر ثلاثة أسباب لذلك: الإنسان يعتني عادةً بما هو موكول إليه عنايةً أكبر؛ وتوزيع المسؤوليات يجعل تدبير الشؤون أكثر انتظامًا؛ كما أنّ تحديد ما يخصّ كلّ واحد يحدّ من أسباب النزاع. ومن ثمّ، فالملكيّة الخاصّة عند توما لها وظيفة عمليّة واجتماعيّة: إنّها طريقة لتنظيم تدبير الخيرات داخل المجتمع، وليست إعلانًا أنّ المالك أصبح صاحب حقّ مطلق فيها («الخلاصة اللاهوتيّة»، الجزء الثاني، القسم الثاني، القضيّة ٦٦، المقالة ٢). 

ويضع توما تمييزًا حاسمًا بين "تدبير" الممتلكات وبين "استعمالها". فمن جهة الاقتناء والإدارة، يجوز للإنسان أن يتعامل مع بعض الأشياء بوصفها ملكًا خاصًّا؛ أمّا من جهة الاستعمال، فيكتب العبارة التي تكشف البعد الاجتماعيّ العميق في فكره: «ينبغي للإنسان أن يمتلك "الأشياء الخارجيّة"، لا بوصفها خاصّة به، بل بوصفها مشتركة، بحيث يكون مستعدًّا لأن يشرك الآخرين فيها عند حاجتهم» («الخلاصة اللاهوتيّة»، الجزء الثاني، القسم الثاني، القضيّة ٦٦، المقالة ٢). وهكذا ينتقل توما إلى السؤال «كيف ينبغي للمالك أن يستعمل ما يملكه؟». فالملكيّة تمنح سلطة التدبير، لكنّها لا تلغي واجب "المشاركة" ولا حقّ المحتاج في الانتفاع بالخيرات الضروريّة لحياته.

ويرى توما  حين يفسّر العلاقة بين الملكيّة الخاصّة والقانون الطبيعيّ أنّ الخيرات تنتمي إلى القانون الطبيعيّ من حيث إنّ الأشياء لم تُخلق في أصلها لكي تُحجب عن حاجة البشر؛ أمّا تقسيم الممتلكات إلى «هذا لي وهذا لك» فليس معطًى من معطيات القانون الطبيعيّ نفسه، وإنما نظام أضافه العقل البشريّ من أجل "حسن تدبير الحياة الاجتماعيّة". ولذلك يقول إنّ الملكيّة الخاصّة «لا تناقض القانون الطبيعيّ، وإنما هي إضافة إليه استنبطها العقل البشريّ» («الخلاصة اللاهوتيّة»، الجزء الثاني، القسم الثاني، القضيّة ٦٦، المقالة ٢).  وهذه العبارة مهمّة؛ لأنّها تجعل الملكيّة أداةً في خدمة الإنسان والخير المشترك.

ومن هنا نفهم أيضًا لماذا يرفض توما أن يستخدم الغنيّ حقّ الملكيّة ذريعةً لاستبعاد الآخرين من الخيرات. ففي جوابه عن اعتراض مستند إلى القدّيس باسيليوس الكبير، يقرّر أنّ الغنيّ لا يخطئ بامتلاكه شيئًا كان في الأصل مشتركًا، «لكنّه يخطئ إن منع الآخرين بلا تمييز من الانتفاع به». ويستشهد بباسيليوس: «لماذا أنت غنيّ والآخر فقير، إن لم يكن لكي تنال أنت استحقاق الوكالة الحسنة، وينال هو جزاء الصبر؟» («الخلاصة اللاهوتيّة»، الجزء الثاني، القسم الثاني، القضيّة ٦٦، المقالة ٢).  وهكذا تصبح صورة المالك عند توما أقرب إلى "الوكيل" منها إلى صاحب السيادة المطلقة: يملك حقّ الإدارة، لكنّ استعمال المال يظلّ خاضعًا للعدالة ولحاجة الآخرين. وعلى هذا الأساس يفهم توما حالة الضرورة القصوى. فإذا بلغ الإنسان حاجةً ظاهرة وملحّة، بحيث أصبحت حياته أو حياة مَن يعولهم مهدّدة، لم يعد حقّ الملكيّة الخاصّة قادرًا على إلغاء الغاية الأصلية للخيرات، أي حفظ الحياة الإنسانيّة.

بهذا المعنى، يمكن رؤية أحد الجذور اللاهوتيّة لما سيُسمّى لاحقًا في التعليم الاجتماعيّ الكاثوليكيّ "البُعد العامّ للخيرات". فالملكيّة الخاصّة مشروعة، لكنّها ليست مطلقة؛ وصاحب المال يملك حقّ تدبيره، لكنه لا يستطيع أن يتعامل معه أخلاقيًّا كأنّ حاجة الآخرين لا تعنيه. إنّ سؤال توما يمتدّ إلى سؤال أعمق: «ما الذي أملكه ويحتاج إليه غيري؟».
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ