الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
إذا كان ساويرس بن المقفّع قد مثّل في القرن العاشر لحظة انتقال اللاهوت القبطيّ إلى العربيّة، فإن القرنين الثالث عشر والرابع عشر شهدا مرحلة أوسع بكثير. يقترح باحثون كثيرون منهم عادل سيداروس وصف الفترة الممتدة تقريبًا من بدايات القرن الثالث عشر إلى النصف الأول من القرن الرابع عشر بأنها «العصر الذهبيّ» للأدب القبطيّ العربيّ، بل يراها واحدة من أخصب مراحل الأدب العربيّ المسيحيّ في العصور الوسطى. ففي هذه الفترة امتدّ الإنتاج القبطيّ العربيّ إلى القانون والتاريخ والكرونولوجيا وتفسير الكتاب المقدّس والفلسفة واللغة والعلوم والموسوعات (١).

ولا تعني عبارة «العصر الذهبيّ» أن الأقباط عاشوا زمنًا ذهبيًّا سياسيًّا. فقد شهد القرن الثالث عشر اضطرابات أيوبيّة ومملوكيّة، وحملات الفرنجة (عُرفت فيما بعد باسم الصليبيّة) على مصر، وأزمات داخل الكنيسة نفسها، ومنها شغور الكرسي البطريركي نحو عشرين عامًا بين ١٢١٦ و١٢٣٥. ومع ذلك نشأت، وخصوصًا في القاهرة، طبقة من الأسر القبطيّة المتعلّمة التي عمل بعض أفرادها في الإدارة وامتلكوا ثقافة عربيّة رفيعة، وظلوا مرتبطين في الوقت نفسه بالكنيسة ومؤسساتها. ومن هذه البيئة خرج عدد من أبرز مؤلفي العصر (٢). وتكشف كتاباتهم عن تحول في طبيعة المعرفة نفسها. فالمؤلف القبطيّ يقرأ الآباء اليونان، ويستعمل التراث القبطيّ، وينقل عن مؤلفين سريان وملكيين وكتّاب من كنيسة المشرق، ويعرف الفلسفة العربيّة وعلم الكلام والتاريخ الإسلامي. ومن هنا ظهرت النزعة الموسوعيّة: محاولة جمع مواد متفرقة من تقاليد مختلفة، وترتيبها في بناء واحد يستطيع أن يقدم للقارئ القبطيّ معرفة شاملة بالعقيدة والكتاب المقدّس والكنيسة والعالم (٣).

وأشهر نموذج مبكر لهذه النهضة أسرة أولاد العسّال، إحدى الأسر القبطيّة البارزة في القاهرة الأيوبيّة. ومن أفرادها الصفيّ أبو الفضائل، والأسعد أبو الفرج هبة الله، والمؤتمن أبو إسحاق إبراهيم. ولم يكرر الثلاثة العمل نفسه؛ فقد توزعت اهتماماتهم بين القانون والكتاب المقدّس واللاهوت والفلسفة واللغة، حتى تبدو الأسرة نفسها صورة مصغّرة لاتساع الثقافة القبطيّة العربيّة في القرن الثالث عشر (٤). ووضع الصفيّ ابن العسّال «المجموع الصفويّ»، الذي صار من أهم مجموعات القانون الكنسيّ القبطيّ في العصور الوسطى. أما الأسعد ابن العسّال فأنجز عام ١٢٥٣ ترجمته العربيّة للأناجيل الأربعة، معتمدًا أساسًا على القبطيّة البحيريّة ومقارنًا ترجمات عربيّة ذات أصول يونانيّة وسريانيّة. وقد رأينا في حلقة الكتاب المقدّس العربي كيف سجّل فروق النصوص وحاول الموازنة بينها، بما يكشف مستوى متقدمًا من العمل النصّي (٥). أما المؤتمن ابن العسّال فألّف «مجموع أصول الدين ومسموع محصول اليقين»، وهو عمل ضخم يكاد يكون موسوعة لاهوتيّة. يجمع فيه بين العقيدة والكتاب المقدّس والفلسفة والأخلاق والجدل الدينيّ، ويقتبس من طيف واسع من المؤلفين المسيحيّين السابقين. لم تعد المسألة كتابة رسالة للدفاع عن عقيدة واحدة؛ أصبح الكاتب يريد أن يجمع «أصول الدين» نفسها داخل كتاب عربي يستطيع أن يقوم مقام مكتبة كاملة للقارئ (٦).

وهنا تظهر خصوصيّة القرن الثالث عشر: الأقباط لم يكتفوا باستعمال العربيّة بدل القبطيّة، فقد أصبحوا قادرين على إنتاج أشكال جديدة من المعرفة داخل الثقافة العربيّة نفسها. ظهرت الموسوعة والمجموع القانونيّ والتفسير المقارن والتاريخ العام والمعجم. واستطاع المؤلف القبطيّ أن يستفيد من أدوات الثقافة الإسلاميّة المحيطة به ومن تراث مسيحيّ يمتد من الإسكندريّة إلى أنطاكية وبغداد، ثم يعيد تنظيم هذه العناصر داخل مشروع قبطيّ خاص.

وسنرى هذا بوضوح أكبر في الحلقة الآتية مع شخصيةٍ تجسِّد الروح الموسوعيّة لهذا العصر ربما أكثر من غيرها وهو أبو شاكر بطرس ابن الراهب. فقد كتب في التاريخ والكرونولوجيا واللغة والتفسير والفلسفة واللاهوت، وترك لنا أعمالًا يستطيع كل واحد منها وحده أن يكشف حجم تحول الثقافة القبطيّة العربيّة في القرن الثالث عشر.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ