الراهب القمص يسطس الاورشليمى

في الإصحــــاح الخامس من رسالة غلاطية يقول بولس الرسول:"  فاثبتُوا إذاً في الحرية التي قد حرّرنا المسيح بها، ولا ترتبكوا أيضاً بنير عبوديةٍ، ها أنا بولس أقول لكم: إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئاً!! لكن أشهد أيضاً لكُل إنسانٍ مُختتنٍ أنه مُلتزم أن يعمل بكُل النامُوس قد تبطّلتم عن المسيح أيها الذين تتبرّرون بالنامُوس، سقطتُم من النعمة فإننا بالروح من الإيمان نتوقّع رجاء برّ، لأنه في المسيح يسُوع لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة، بل الإيمان العامل بالمحبة.."
بخصوص الختان، كعمل نامُوسي ملزم للخلاص، له مفهومه المتسع، فقبوله أساساً يعني أن الإنسان يضع نفسه تحت سلطان النامُوس كله بثوبه الحرفي، فإن كانت الحرية المسيحية هي إحدى ثمار الخلاص بالنعمة، يدركها المُؤمن في ربنا يسوع المسيح ومن خلاله.. 
 
فإننا بالنعمة نتمتع بالتحررّ من نير النامُوس وحرفيته، وهذا لا يعني أن الحرية هي كسر للنامُوس، أو تهاون في حفظ الوصايا..
 
المسيح هُو حمل الله الذي يحمل خطايا العالم، بالنعمة يصير الإنسان خاضعاً لنامُوس المسيح، ومتمماً له بفرح وسرُور، وبكُونه ابناً يسكنه الرُوح ويتقوى به، يحمل رغبة داخلية وقوة ليظل حياً يُمارس نامُوس الله الأخلاقي، وفي ظل عهد النعمة الجديد، يعمل الرُوح القُدس في طبيعة المُؤمن الجديدة، فيجعله مريداً أن يُطيع إرادة الله، حيثُ يقول الرّب: 
 
أجعل نواميسي في قلوبهم وأكتبها في أذهانهم، يدرك المؤمن أنه سيُدان على أعماله كإعداد للتمتع بالسماء، وعليه أن يضع باستمرار في ذهنه أن حريته الحقيقية قد جاءت به إلى الخضُوع الكامل للمسيح، وأنه عبد له يلتزم بطاعته على الدوام، فالمسيحي يكتشف أنه يتمتع بأعظم حرية حين يستعبد نفسه بالتمام لرّبنا يسُوع المسيح..
 
يقُول: فاثبتُوا إذاً في الحرية التي قد حرّرنا المسيح بها، ولا ترتبكُوا أيضاً بنير عُبودية، فهُو يقُودهُم بعيداً عن خطأ التهود:
أولاً: يُظهر أنه غاية الحماقة أن يبتغي أولئك الذين صاروا أحراراً بعد العبُودية، العُودة مرة أخرى إليها عُوض الحرية..
ثانياً: أنهُم سيدانُوا على تجاهلهُم مصدر النعم التي نالوها، وجحُودهُم إياه باحتقارهُم مَن يُخلّصهُم، وحبهُم لمَن يستعبدهُم..
ثالثاً: بقوله لهُم: اثبتوا يُشير إلى تذبذبهُم وتشكّكهُم..
مَن يُختتن، إنما يُختتن لأجل خُوفه من النامُوس، ومَن يخاف النامُوس لا يثق في قُوة النعمة، ومَن لا يثق لا يمكنه أن يتلقى نفعاً مما لا يثق فيه، فإن قال أحد إن في هذا تناقض، فهُو لا يؤمن بالمسيح، ولا بالنامُوس أيضاً بل يقف مذبذباً بينهما، راغباً في الانتفاع بكليهما، لكنه لا يحصد شيئاً فأجزاء النامُوس مرتبطة بعضها ببعض.. 
 
فإذا ما وضعت على عاتقك جزءاً صغيراً منه، تخضع للنير كُله، وتجلب على نفسك سُلطانه الكامل عليك فمثلاً: الختان مُرتبط بالذبيحة وحفظ الأيام، والذبيحة مُرتبطة بحفظ الأيام والمكان، وتتضمن تفاصيل خاصة بتطهيرات لا تنتهي، وطقُوس متنوعة كثيرة..
 
فإن اختتنت، في اليوم الثامن لكن دُون تقديم ذبيحة، أو قُدّمت الذبيحة لكن ليس في المُوضع المحددّ لها، وليس حسب الطقُوس، يُحسب كُل شيء لغواً، هُو ملتزم أن يعمل بكُل النامُوس، فإن كنت تحفظ السبت، فلماذا لا تُختتن أيضاً؟ وإن اختتنت، فلماذا لا تُقدم ذبائح؟ إن كان يجب حفظ النامُوس، فليحفظ ككُل، أو لا يُحفظ ككُل..
 
وفي النهاية يُعلن خطُورة عقابهم، عندما يعود إنسان إلى النامُوس العاجز عن أن يخلصه، يسقط من النعمة، فماذا يتبقى له سوى الجزاء بلا رحمة، فالنامُوس بلا قُوة كي يسنده، والنعمة ترفضه؟! 
 
نحن لا نكسر النامُوس، ولا في طقُوسه
، فالذبائح على سبيل المثال قد تحققت في ذبيحة المسيح، المُقدمة لحساب كُل المُؤمنين والختان تحقق رُوحياً بطريقة كاملة في المعمُودية، والسبت يُحفظ روحياً كُل أيامنا كسبتٍ راحة في المسيح، خلال كُل الزمن الذي نعيشه.. 
فإننا بالرُوح من الإيمان نتوقّع رجاء برّ، أي إننا لسنا في حاجة إلى حفظ أي طقس نامُوسي حرفي كالختان، وحفظ السبت، والذبائح الحيوانية كطريق الخلاص، إنما الحاجة إلى الإيمان العامل بالمحّبة الذي فيه الكفاية مرتبطاً بالتُوبة والعماد لنوال الرُوح، وبالرُوح ننال البرّ..
 
سؤال: هل بررّت الأعمال إبراهيم أمام الله؟! هل هُناك اختلاف بين رسالة رومية التي تقُول: أنه تبررّ بالإيمان، بينما رسالة يعقُوب تقُول: أنه تبررّ بالأعمال؟! هل نتبرّر أمام الله بالإيمان أم بالأعمال؟!
 
رسالة يعقُوب التي كُتبت عام 47 م، تقُول: 
ألم يتبرّر إبراهيم بالأعمال، إذ قدم إسحاق ابنه على المذبح؟ (يع21:2)، بينما في رسالة رومية التي كُتبت بعدها بعشر سنوات، أي عام 57 م، تقُول: فآمن إبراهيم بالله فحُسب له برّاً (رو3:4).. 
 
ونلاحظ بالنسبة لتبرير إبراهيم بالإيمان سبق تبريره بالأعمال بسبعة إصحاحات، بين (تك15-22)، وبنحو ثلاثين عاماً بحسب السنوات، فهل لم يكن لدى إبراهيم أعمال حسنة؟!
 
لقد صنع إبراهيم أعمالاً عظيمة، ترك أرضه وعشيرته طائعاً أمر الله وترك للوط حقه في الاختيار حتى لا تحدث مخاصمة بينهما، وحارب لكي يحررّ لوط من الأسر، وأنتصر وأسترد أملاكه، ورفض نصيبه من الغنائم وأختتن وهو في سن المائة عام، طوبى للذين غُفرت آثامهم وسُترت خطاياهم، طُوبى للرجُل الذي لا يحسب له الرّب خطية، لأن القلب يُؤمن به للبرّ، والفم يُعترف به للخلاص، يقُول: كُل مَن يُؤمن به لا يُخزى، فالبرّ الذي من الله بالإيمان هُو: عطية منه للإنسان.. 
 
لأنه كما بمعصية الإنسان جُعل الكثيرُون خطاةً، هكذا أيضاً بإطاعة الواحد، أي طاعة الرّب يسُوع للآب في قبُوله للصلب، سيُجعل الكثيرُون أبراراً في المسيح، إذاً لا شيء من الدينُونة الآن على الذين هُم في المسيح السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الرُوح..    
 بالنسبة للتبرير، تقصد به في رومية تبرير الخاطيء أمام الله الذي لا يحسب له خطية، بل يحسب إيمانه برّاً له، أما في رسالة يعقُوب، فيقصد به إظهار أن الإنسان بار أمام الناس بأعماله..
 
بالنسبة للإيمان، تتحدث رسالة رومية عن الإيمان الذي كان لإبراهيم وعمره 80 عاماً، بينما تُركز رسالة يعقُوب حديثها على إيمان إبراهيم الناضج بعد ثلاثين عاماُ، عندما قدم إسحق على المذبح.. 
 
هكذا من رسالة رومية نعلم أن: الإنسان يتبرّر أمام الله بالإيمان، ومن رسالة يعقُوب نتعلم أن: الإيمان الذي يبرّر الإنسان أمام الله، ليس الإيمان الميت، أي مجرد معرفة ذهنية الذي لا تصاحبه توبة، بل الإيمان القلبي النابع من قلب تحول عن خطاياه إلى الرّب.. 
 
وهُو الإيمان الذي ينمو ويُثمر ويعمل، الإيمان العامل بالمحبة (غلا6:5)، فهُو إيمان حيّ يُظهر نفسه من خلال أعمال المحّبة، ونكُون مثل إبراهيم نتبرّر أمام الله والناس فليُضىء نُوركُم هكذا قُدام الناس، لكي يروا أعمالكُم الحسنة، ويُمجدُوا أباكُم الذي في السماوات.. 
 
هكذا نرى أن الإيمان عمل مع أعماله، وبالأعمال أكمل الإيمان وحقق الهدف منه، وهُو تمجيد الله، وليس الذات، كما قال: لأنكُم بالنعمة مُخلّصُون
بالإيمان، وذلك ليس منكُم، هُو عطية الله، ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد، لأننا نحنُ عمله، مخلُوقين في المسيح يسُوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدّها لكي نسلك فيها (أف8:2-10)..