صلاة شكر وحمد وتسبيح في اليوبيل الفضي للسيامة الكهنوتية
٣١ أغسطس ٢٠٠١ ــ ٣١ أغسطس ٢٠٢٦
خمسة وعشرون عامًا في خدمة الرب
يا ربّي وإلهي،
يا من كنتَ تعرفني قبل أن أعرفك،
وتراني حين كنتُ أهرب من عينيك،
وتبحث عني حين لم أكن أبحث عنك،
وتدعوني باسمك حين كنتُ أعيش كمن لا اسم له أمامك؛
ها أنا اليوم أقف أمامك، لا لأروي لك ما صنعتُ،
بل لأتأمل ما صنعته أنت بي.
خمسة وعشرون عامًا يا رب،
مرّت كأنها يوم واحد أمام أبديتك،
وكأنها عمر كامل في ذاكرتي.
خمسة وعشرون عامًا منذ أن وضعتَ في يدي سرًّا لا أستحقه،
وأودعتَ في إناء من خزف كنزًا يفوق هشاشتي،
وأقمتني، رغم ضعفي، أمام مذبحك،
لا لأنني كنتُ أهلًا،
بل لأن نعمتك لا تنتظر كمال الإنسان لكي تعمل فيه.
أشكرك يا رب،
لأنك لم تخترني وأنا قوي،
بل دخلتَ إلى ضعفي،
ولم تنتظر أن أصبح صالحًا لكي تدعوني،
بل دعوتني لكي تصنع مني إنسانًا جديدًا.
كنتُ يومًا بعيدًا عنك،
أمشي في طرق كثيرة ولا أعرف الطريق،
أبحث عن الحرية فإذا بي أسكن أسرى أشياء كثيرة،
وأظن أن القوة هي ألا أخاف أحدًا،
حتى اكتشفت أن القوة الحقيقية هي أن أخاف الله وحده،
لا خوف العبد من العقاب،
بل رهبة الابن أمام وجه أبيه.
كنتُ أظن أنني أستطيع أن أواجه العالم وحدي،
ثم علّمتني أن الإنسان لا ينتصر حين ينتصر على الآخرين،
بل حين ينتصر على نفسه،
ولا يصبح حرًا حين لا يخاف من أحد،
بل حين يتحرر من كل ما يمنعه من أن يحب.
يا رب،
أنت وحدك تعرف كم مرة كان ينبغي أن أسقط ولم تسقطني،
وكم مرة كان يمكن أن أضل ولم تتركني،
وكم مرة خنتُ دعوتي في داخلي،
فأعدتَني إليها بصمت رحمتك.
أشكرك لأنك لم تجعل كهنوتي شهادة على قداستي،
بل شهادة على رحمتك.
فكل ما كان جميلًا في هذه السنوات كان منك،
وكل ما كان صالحًا كان بنعمتك،
وكل قلب وجد طريقه إليك لم يكن بفضلي،
بل لأنك كنتَ تسير قبلي،
وتفتح الأبواب التي ظننتُ أنها مغلقة،
وتضع أمامي الوجوه التي أردتَ أن ألمس من خلالها جراح أبنائك.
لكنني يا رب،
حين أنظر إلى هذه السنوات،
أكتشف أنني لم أمشِ وحدي قط.
كانت هناك أيادٍ خفية رفعتها إليك من أجلي،
وقلوب حملتني في صلاتها حين أثقلني الطريق،
ونفوس أحاطتني بالمحبة حين لم أكن أملك لنفسي سوى أن أكمل المسير.
أشكرك أولًا على أبي وأمي،
على الجذر الذي منه خرجتُ إلى هذه الحياة،
وعلى المحبة الأولى التي عرفتُ من خلالها، ولو دون أن أدرك،
أن للإنسان بيتًا يعود إليه.
أشكرك على كل صلاة صعدت من قلب أم،
وعلى كل تضحية لم تبحث عن مقابل،
وعلى كل كلمة زرعت في داخلي شيئًا بقي حتى حين ظننتُ أن كل شيء قد ضاع.
وإن كان في حياتي اليوم شيء من ثبات،
فليكن لأبي وأمي نصيب في هذا الثمر؛
فأنت يا رب تعرف ما لا تستطيع الكلمات أن تقوله،
وتعرف ما قدموه، وما حملوه، وما صلّوه،
وما تركته محبتهم في أعماق إنسان لم يكن يعرف يومها إلى أين سيقوده الطريق.
واذكر أمام رحمتك أختي مريم، رجاء، وأسرتها،
الذين كانوا جزءًا من حكاية الطريق،
لا بالكلمات وحدها،
بل بالحضور والمحبة والمساندة التي لا تحتاج إلى إعلان.
واذكر أخي عماد وأسرته،
وكل ما كان بينهم وبيني من محبة ووقوف وعون،
وكل لحظة شعروا فيها أن فرحي فرحهم،
وتعبي تعبهم،
وطريقي جزء من طريقهم.
واذكر رضا وأسرته،
وكل من جعلتهم أنت في طريقي ليكونوا علامة على أن الإنسان لا يعيش لنفسه،
وأن المحبة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج لكي تكون حاضرة.
يا رب،
بارك كل هؤلاء الذين أعطوني من أعمارهم شيئًا،
من وقتهم،
ومن قلوبهم،
ومن صلواتهم،
ومن تعبهم،
ومن محبتهم،
ومن صبرهم عليّ.
وأنت وحدك تعرف كم مرة كانت صلاة إنسان من أجل إنسان هي الحبل الذي منعه من السقوط.
وأشكرك يا رب أيضًا من أجل الآباء الكهنة الذين وضعتهم في طريقي، والذين كان لهم فضل كبير في تكويني ورعايتي ومساندتي على مختلف المستويات؛ الروحية والنفسية والعلمية والإنسانية، ومن خلال قربهم وتشجيعهم ومساندتهم المعنوية والمادية، أسهموا في أن أنمو في دعوتي، وأن أستمر في مسيرتي الكهنوتية.
وأذكر أمامك، يا رب، بامتنان ومحبة، الآباء الذين سبقوني إلى بيت الآب، طالبًا لهم من رحمتك الواسعة الراحة الأبدية ونور وجهك:
الأب المتنيح أنطون كامل صادق؛
الأب المتنيح أغناطيوس شحاته؛
الأب المتنيح ميخائيل الزيات؛
الأب المتنيح منير قسيس؛
والأب المتنيح كريستيان اليسوعي.
يا رب، لا أنسى ما صنعته من خلالهم في حياتي، ولا ما تركوه في قلبي وفكري وروحي من أثر. لقد كانوا، كلٌّ في مرحلته وبطريقته، أدوات في يد نعمتك؛ علّموني، ورعوني، وشجعوني، وساندوني، وفتحوا أمامي أبوابًا لم أكن أستطيع أن أفتحها وحدي.
فكما كانوا أمناء في خدمتهم لي على الأرض، اجعلهم اليوم في فرح حضورك السماوي، وكافئهم عن كل محبة بذلوها، وكل تعب احتملوه، وكل كلمة حياة قالوها، وكل عطاء قدموه في الخفاء والعلن.
وأشكرك يا رب، على الأب والوالد والصديق، الأب أنطون فرنسيس كابس، الذي كان ولا يزال علامة أبوة ومحبة ومساندة في حياتي ومسيرتي. باركه يا رب، واحفظه، وأعطه الصحة والقوة والنعمة، واملأ قلبه سلامًا وفرحًا، وامنحه أن يواصل رسالته وخدمته بأمانة ومحبة، وأن يرى ثمر تعبه في حياة من خدمهم وأحبهم.
يا رب، علّمني أن أكون أنا أيضًا امتدادًا لكل خير زرعه هؤلاء الآباء في حياتي؛ فلا أحتفظ بالنعم لنفسي، بل أنقلها إلى من تضعهم في طريقي، وأن أكون لأجيال من بعدي ما كانوا هم لي: أبًا، وراعيًا، ومعلمًا، وأخًا، وصديقًا، وسندًا، وشاهدًا على محبتك.
ولكل من ساهم في تكويني ورعايتي ومساندتي، أحياءً وأمواتًا، أرفع اليوم صلاة شكر وامتنان؛ لأنني أدرك أكثر من أي وقت مضى أن دعوتي لم تكن مسيرة فردية، بل كانت مسيرة صنعها الله من خلال وجوه كثيرة، وقلوب كثيرة، وأيادٍ كثيرة امتدت إليّ في أوقات احتجت فيها إلى من يسندني.
فلك يا رب كل المجد والشكر، لأنك لم تتركني وحدي في الطريق، بل أرسلت إليّ أناسًا صاروا جزءًا من قصتي، ومن دعوتي، ومن تكويني، ومن الكاهن الذي صرت إليه بنعمتك ورحمتك.
أشكرك على أحبائي وأصدقائي،
على الوجوه التي صنعت للسنوات معنى،
وعلى القلوب التي لم تسألني دائمًا ماذا أستطيع أن أعطي،
بل عرفت أحيانًا أن تعطيني أنا ما أحتاج إليه.
أشكرك على إخوتي الكهنة،
الذين تقاسمنا معهم رهبة المذبح،
وفرح الخدمة،
وثقل المسؤولية،
وتعب الطريق،
والصلاة،
والرجاء.
أشكرك على كل كاهن كان أخًا،
وكل أخ كاهن كان سندًا،
وكل كلمة شجعت،
وكل صلاة حملت،
وكل موقف علّمني أن الكهنوت ليس مجدًا شخصيًا،
بل صليبًا نحمله معًا،
ونعمة لا نستطيع أن نعيشها إلا إذا بقينا فيك.
وأشكرك على الرهبان والراهبات،
على صمتهم الذي علّمني أن هناك كلامًا لا يُقال،
بل يُعاش،
وعلى صلواتهم،
وعلى أمانتهم،
وعلى الشهادة الهادئة التي تذكّر الكنيسة دائمًا بأن القلب الذي يطلبك بصدق يستطيع أن يترك كل شيء من أجلك.
وأشكرك يا رب على كل معلم ومكوّن،
على كل إنسان وضع في طريقي فكرة،
أو كلمة،
أو معرفة،
أو تصحيحًا،
أو مثالًا،
فغيّر شيئًا في طريقة نظري إلى الحياة أو إليك.
أشكرك على الذين علّموني بالكلمة،
وعلى الذين علّموني بالصمت،
وعلى الذين علّموني بحياتهم،
وعلى الذين علّموني حتى من خلال أخطائهم.
فما أنا عليه اليوم ليس ثمرة يوم واحد،
بل حصيلة وجوه كثيرة مرّت بي،
وبعضها لم يعرف أبدًا أنه ترك فيّ أثرًا.
وأشكرك، يا رب، على العلمانيين،
رجالًا ونساءً،
شيوخًا وشبانًا وأطفالًا،
الذين لم يكونوا يومًا مجرد أناس أخدمهم،
بل كانوا أيضًا رفاقًا في الإيمان،
ومعلّمين لي في مدرسة الحياة.
كم مرة ظننتُ أنني أذهب إليهم لكي أعطي،
فإذا بي أعود وأنا الذي أخذت.
أخذت من بساطة طفل درسًا في الثقة،
ومن دمعة أم درسًا في الإيمان،
ومن صبر أب درسًا في الاحتمال،
ومن تعب إنسان درسًا في الأمانة،
ومن فقر محتاج درسًا في الغنى الحقيقي،
ومن مريض درسًا في معنى الرجاء،
ومن إنسان مكسور درسًا في أن الله يستطيع أن يصنع من الجرح بابًا للنور.
وأشكرك يا رب،
على أولئك الذين شاركوني الطريق من خلف الستار،
فلم تكن أسماؤهم تُذكر كثيرًا،
لكن تعبهم كان مكتوبًا في تفاصيل كل يوم.
أشكرك على كل يدٍ فتحت بابًا،
وأعدّت مكانًا،
وحملت عبئًا،
ونظّمت أمرًا،
وسهرت حين كان الآخرون نائمين،
وعملت في صمت دون أن تنتظر كلمة شكر.
أشكرك على كل عاملٍ خدم في الكنائس التي أرسلتني إليها،
على كل من جعل المكان بيتًا يليق بأبناء الله،
وعلى كل من حمل تعب الأيام ببساطة وأمانة،
وربما لم يعرف أن ما يفعله في الخفاء
كان جزءًا من عملٍ أكبر لا يراه إلا أنت.
أشكرك على الخادمات والخدام،
على كل قلبٍ أعطى من وقته،
وعلى كل شابٍ وفتاة،
وكل رجلٍ وامرأة،
وكل من وقف يومًا إلى جواري في حقل الخدمة،
يحمل معي شيئًا من المسؤولية،
وشيئًا من التعب،
وشيئًا من الحلم،
وشيئًا من الرجاء.
أشكرك على الذين بدأوا معي ثم أكملوا بعيدًا،
وعلى الذين رافقوني سنوات طويلة،
وعلى الذين ظهروا للحظة واحدة ثم تركوا أثرًا لا يُمحى.
أشكرك على من خدموا الأطفال،
ومن رافقوا الشباب،
ومن احتضنوا الأسر،
ومن حملوا الكلمة،
ومن صنعوا الفرح،
ومن فتحوا أبواب المعرفة،
ومن جعلوا من النشاط طريقًا إلى الإنسان،
ومن جعلوا من الإنسان طريقًا إليك.
أشكرك على كل خادمٍ لم أره متعبًا،
مع أنه كان متعبًا،
وعلى كل خادمة أخفت دمعتها لكي تزرع ابتسامة في وجه طفل،
وعلى كل من أعطى دون حساب،
وعلى كل من بقي حين كان الرحيل أسهل.
يا رب،
إن كنتُ قد وقفتُ أمام المذبح،
فقد كان هناك كثيرون يقفون معي بطريقة لا تراها العيون.
وإن كان صوتي قد وصل إلى أحد،
فقد كانت هناك أصوات كثيرة حملت الرسالة معي.
وإن رأى الناس ثمرة،
فأنت وحدك تعرف كم يدًا امتدت تحت التراب لكي تنمو تلك الثمرة.
لذلك لا أريد أن أقول: «خدمتُ وحدي»،
بل أقول أمامك اليوم:
لقد خدمتَ أنت،
واستخدمتَنا جميعًا.
كنتَ أنت العامل الحقيقي،
ونحن كنا أدوات صغيرة بين يديك.
فبارك يا رب كل من خدم مع الكاهن،
وكل من خدم من أجله،
وكل من حمل معه شيئًا من ثقل الرسالة،
وكل من أعطى دون أن يُذكر اسمه،
وكل من بذل دون أن ينتظر مكافأة.
بارك أيديهم التي تعبت،
وقلوبهم التي أحبت،
وأقدامهم التي مشت،
وأوقاتهم التي بذلوها،
وأحلامهم التي وضعوها بين يديك.
وإن كنتُ قد نسيت اسمًا،
فأنت لا تنسى.
وإن نسيتُ موقفًا،
فأنت لا تنسى.
وإن عجزتُ عن رد جميل،
فأنت لا تعجز عن مكافأة الأمناء.
اجعل يا رب كل قطرة عرق سالت في خفاء،
وكل ساعة خدمة لم يرها أحد،
وكل تعب لم يجد كلمة شكر،
بخورًا يصعد أمام عرشك.
واجمع يومًا كل من خدموا معًا في أرضك،
كهنةً ورهبانًا وراهبات،
خدامًا وخادمات،
عاملين ومتطوعين،
معلمين ومكوّنين،
وعلمانيين وكل أصحاب القلوب الأمينة،
في فرح ملكوتك،
حيث نكتشف جميعًا أن ما ظنناه صغيرًا على الأرض
كان عظيمًا في عينيك.
وهناك، يا رب،
لا يكون المجد لأحد منا،
بل لك وحدك؛
لأنك أنت الذي دعوت،
وأنت الذي أرسلت،
وأنت الذي أعطيت القوة،
وأنت الذي حفظت الطريق،
وأنت الذي أنميت الزرع،
وأنت الذي ستجمع الثمر.
لك وحدك المجد،
ولنا نعمة أن نكون قد مررنا يومًا من هنا،
وخدمناك معًا.
يا رب،
لا أريد أن أنسب إلى نفسي شيئًا من كل هذا.
إن كان أحد قد وجد طريقًا، فأنت الطريق.
وإن كان أحد قد وجد عزاءً، فأنت التعزية.
وإن كان أحد قد عاد، فأنت الذي بحثت عنه.
وإن كان أحد قد شُفي قلبه، فأنت الطبيب.
وإن تحرر إنسان من قيد، فأنت الحرية.
وإن أشرق نور في ظلمة، فأنت النور.
أنا فقط كنتَ تضعني أحيانًا حيث أردتَ أن تمرّ نعمتك.
يا رب،
كم من طفل مرّ أمامي ثم صار شابًا،
وكم من شاب حملته السنوات حتى صار رجلًا،
وكم من إنسان دخل إليّ مثقلًا وخرج وفي قلبه نافذة صغيرة من الرجاء.
لم أكن أنا الذي يزرع الحياة فيهم؛
كنتُ فقط أحمل البذرة التي منك،
وأتركها في الأرض التي تعرفها أنت.
وكم من يدٍ صغيرة امتدت نحو سرّك،
وكم من جبهة انحنت أمامك،
وكم من بيت بدأ صفحة جديدة،
وكم من قلب عاد من بعيد،
وكم من إنسان اكتشف أن باب أبيه السماوي لم يكن قد أُغلق قط.
يا رب،
لا تذكر لي عدد المرات التي وقفتُ فيها أمام مذبحك،
بل اذكر لي فقط أنني حاولتُ أن أظل واقفًا معك.
لا تذكر لي الكلمات التي قلتها،
بل إن كان في كلمة واحدة منها قلبٌ منك، فاحفظها أنت.
لا تذكر لي الطرق التي مشيتها،
بل الوجوه التي قابلتني عليها،
والقلوب التي جعلتني أتعلم منها،
والدموع التي علّمتني أن الصمت أحيانًا أعمق من الوعظ،
والآلام التي جعلتني أكتشف أن الكاهن لا يقف فوق الناس،
بل بينهم، ويحمل معهم ما يستطيع،
ويترك ما لا يستطيع عند قدمي المسيح.
أشكرك يا رب على كل بيت دخلته،
وعلى كل باب فُتح أمامي،
وعلى كل باب أُغلق في وجهي،
فربما كان إغلاقه حماية،
وربما كان تعليمًا،
وربما كنتَ تريد أن تقول لي:
«ليس كل طريق تريده هو الطريق الذي أعددته لك».
أشكرك على كل مائدة اجتمعت حولها القلوب،
وعلى كل طريق حملني إلى إنسان محتاج،
وعلى كل يد امتدت إليّ،
وعلى كل يد امتدت من خلالي إلى غيري.
أشكرك على من كانوا في أول الطريق،
وعلى من كانوا في منتصفه،
وعلى من تركوا الطريق،
وعلى من عادوا إليه،
وعلى من سبقوني إلى السماء.
علّمتني يا رب أن الخدمة ليست ما يراه الناس،
وأن أعظم ما يحدث في الكنيسة قد يحدث في الخفاء،
في قلب طفل،
وفي دمعة أم،
وفي اعتراف إنسان،
وفي مصالحة بين اثنين،
وفي قرار صامت أن يبدأ أحدهم من جديد.
لذلك لا أريد أن أحصي أمامك ما فعلت،
لأنني أخشى أن يتحول العطاء إلى مجد للذات،
وأريد لكل شيء أن يعود إلى مصدره:
إليك وحدك.
إن كنتُ قد بنيتُ حجرًا، فأنت الذي بنيتَ القلب.
وإن كنتُ قد أصلحتُ جدارًا، فأنت الذي رممتَ إنسانًا.
وإن كنتُ قد فتحتُ بابًا، فأنت الذي فتحتَ طريق الرجاء.
وإن كنتُ قد أشعلتُ نورًا، فأنت النور الذي لا ينطفئ.
وإن كنتُ قد أمسكتُ بيد ضعيفة، فأنت الذي كنتَ تسندني وأنا أمسك بها.
يا يسوع،
يا من وقفتَ في الناصرة وفتحتَ كتاب أشعياء،
وجعلتَ كلمات النبي طريقًا لرسالتك،
أضع اليوم حياتي كلها أمام كلماتك:
«رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لِأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلَاقِ، وَلِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ».
هذه لم تكن مجرد كلمات على شفتي،
بل حاولتُ أن أجعلها طريقًا لحياتي.
وإن كنتُ قد فشلتُ أحيانًا في أن أكون أمينًا لها،
فأنت تعرف أنني لم أتوقف عن محاولة الرجوع إليها.
يا رب،
اجعلني في ما تبقى من أيامي أقل انشغالًا بنفسي،
وأكثر امتلاءً بك.
اجعلني كاهنًا لا يبحث عن أن يُرى،
بل أن يرى هو.
لا أن يُسمع صوته،
بل أن يسمع صرخة المتألم.
لا أن يُصفَّق له،
بل أن يفرح حين يرى إنسانًا واحدًا يقترب منك.
لا أن يُقال عنه إنه نجح،
بل أن تقول أنت في سرّ قلبه:
«أحسنت أيها العبد الصالح والأمين».
يا رب،
طهّر خدمتي من كل ما ليس منك،
ومن كل مجد خفي للنفس،
ومن كل رغبة في أن أكون شيئًا في عيون الناس.
علّمني أن أختفي لكي تظهر أنت،
وأن أصمت عندما يكون الصمت أكثر حبًا،
وأن أتكلم عندما تكون الكلمة خلاصًا،
وأن أقترب حين يحتاج الإنسان إلى حضن،
وأن أبتعد حين يكون وجودي عائقًا أمام عمل نعمتك.
اجعل مذبحك مركز حياتي،
وكلمتك نور طريقي،
والإفخارستيا قوتي،
والاعتراف مدرسة تواضعي،
والصلاة نَفَسي،
والرحمة لغتي،
والحقيقة حريتي،
والمحبة قانوني الوحيد.
يا رب،
في الخامسة والعشرين من كهنوتي،
لا أطلب منك سنوات أكثر بقدر ما أطلب قلبًا أعمق.
لا أطلب حياة أطول بقدر ما أطلب حياة أصدق.
لا أطلب أن تكون طريقي سهلة،
بل أن تكون معي أينما قادتني.
إن أعطيتني الفرح، فليكن فرحًا بك.
وإن أعطيتني الألم، فليكن الألم معك.
إن أعطيتني القوة، فلتكن لخدمة إخوتي.
وإن أخذت مني القوة، فليكن ضعفي مكانًا تظهر فيه قوتك.
وإن بقي لي يوم واحد فقط،
فاجعله لك.
وإن بقيت لي ساعة،
فلتكن لك.
وإن بقيت لي كلمة،
فلتكن اسمك.
وإن بقي لي نفس واحد،
فليكن تسبيحًا لك.
يا أبي السماوي،
أشكرك لأنك أخذتَ إنسانًا كان تائهًا في طرق الحياة،
وجعلتَ من تيهه طريقًا إلى الدعوة.
أشكرك لأنك لم تنظر إلى الماضي كما أنظر إليه أنا،
بل رأيتَ في رماده إمكانية بداية جديدة.
أشكرك لأنك لم تحتقر جراح حياتي،
بل جعلتَ بعضها أبوابًا لفهم جراح الآخرين.
وأشكرك على كل من كانوا جزءًا من هذا الطريق؛
من حملوني بالصلاة،
ومن أحاطوني بالمحبة،
ومن سندوني حين تعبت،
ومن شجعوني حين ضعفت،
ومن صححوا لي حين أخطأت،
ومن احتملوني حين لم أكن سهل الاحتمال،
ومن ظلوا إلى جواري دون أن يطلبوا شيئًا لأنفسهم.
باركهم جميعًا يا رب،
واكتب أسماءهم لا في ذاكرة إنسان،
بل في قلبك الأبوي.
ردّ إليهم كل صلاة صلوها من أجلي،
وكل دمعة ذرفوها بسببي،
وكل تعب احتملوه معي،
وكل محبة أعطوني إياها.
وإن كنتُ قد عجزتُ يومًا عن رد الجميل،
فأنت لا تعجز عن أن تكافئ بالمحبة التي لا تنتهي.
أشكرك على كل من سبقوني إلى السماء،
وعلى كل من حملوا شيئًا من قصتي ثم مضوا،
وعلى كل وجه غاب عن عيني وبقي في قلبي.
اجعلهم جميعًا في نورك،
واجعلني يومًا ألتقي بهم عندك،
حيث لا فراق،
ولا دموع،
ولا تعب،
ولا مرض،
ولا موت،
بل حياة لا تزول.
أشكرك على كل ما لم أفهمه،
وعلى كل ما فهمته متأخرًا،
وعلى كل ما ما زلتُ لا أفهمه،
لأنني أؤمن أن حكمتك أوسع من فهمي،
وأن محبتك أعمق من إدراكي.
يا رب،
إن كان في هذه السنوات شيء يستحق الذكر،
فهو أنك كنتَ أمينًا.
أما أنا،
فأقف أمام أمانتك خجلًا وشاكرًا.
أنت الذي بدأت،
وأنت الذي رافقت،
وأنت الذي حملت،
وأنت الذي حفظت،
وأنت الذي ستُكمل.
«أَنَا غَرَسْتُ، وَأَبُلُّوسُ سَقَى، لَكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي».
لذلك، في هذا اليوم،
٣١ أغسطس ٢٠٢٦،
بعد خمسة وعشرين عامًا من النعمة،
لا أضع إكليلًا على رأسي،
بل أضع حياتي كلها عند قدميك.
خذ يا رب كل ما هو صالح، وانسبه إلى نعمتك.
واغفر لي كل ما كان ضعفًا أو خطأً أو تقصيرًا.
وقدّس ما تبقى من الطريق.
ولا تسمح أن أنتهي قبل أن تنتهي أنت من العمل الذي دعوتني إليه.
اجعلني أمينًا حتى النهاية؛
أمينًا لك،
ولإنجيلك،
ولكنيستك،
وللنفوس التي ائتمنتني عليها،
وللنعمة التي وضعتها في يدي.
وحين يأتي المساء الأخير،
وحين تنتهي الرحلة،
وحين أسلم الكأس من يدي إلى يديك،
لا أريد أن أحمل معي شيئًا من مجد الأرض،
ولا أسماءً،
ولا ألقابًا،
ولا ما قيل عني،
بل أريد فقط أن أسمع صوتك:
«تعالَ يا حبيبي، لقد انتهى تعب الطريق،
والآن ادخل إلى فرح سيدك».
وحتى ذلك اليوم،
ابقَ أنت سيدي،
وأنا عبدك.
ابقَ أنت الراعي،
وأنا صوتًا صغيرًا في قطيعك.
ابقَ أنت الطريق،
وأنا عابرًا فيه.
ابقَ أنت الكرمة،
وأنا غصنًا لا حياة له إلا فيك.
ولك وحدك،
يا أبي الآب المحب،
ويا إلهي ومخلصي وسيدي وأخي يسوع المسيح، ويا روح القدوس روح الحق والهدى والنور،
كل الحمد،
وكل المجد،
وكل الشكر،
وكل التسبيح، لك أيها الثالوث الأقدس
من الآن وإلى الأبد.
كما اضع نفسي تحت أقدام أمي الطاهرة العذراء مريم أمي الحنونة لتضمني لحمايتها وشفاعتها وصلاتها تشملني وتصونني لأعيش أمينا...
لمجداسم الله وخلاص النفوس وتقديسها وتقديس ذاتي بفرح وسعادة...
آمين.
الأب أغسطينوس





