طارق الشناوي
من الكتّاب الذين لهم نكهة خاصة -لا يقلد أحدًا ولا يستطيع أحد تقليده- الكاتب الكبير عاطف بشاى، الذى ظل وحتى آخر نفس، ممسكًا بقلمه مدافعًا عن الحرية، عندما وجد أن باب الدراما صار مغلقًا لسبب غير معلوم، أو فى الحد الأدنى غير منطقى ويعوزه المنطق، لم يغادر الملعب، ظل فى الميدان يتابع ما يجرى على شاشة الحياة، ويكتب أعمالًا درامية، مع الأسف لم تعرف الطريق إلى الشاشات الواقعية، فأودعها درج مكتبه، وعندما تعن له فكرة تصلح للتعبير عنها فى مقال، يسكب كلماته هنا على صفحات «المصرى اليوم».
لم يقف أبدًا حجر عثرة أمام الجيل الجديد، وكثيرًا ما أشار إلى عدد منهم باعتبارهم أصحاب مواهب حقيقية، إلا أن من حق الكبار أن تظل لهم مساحاتهم، وكان يقول لى: أنا دائمًا أدافع عن حقهم فى الحضور والتعبير عن أنفسهم، ولكن ليس على حساب الجيل الأسبق، خاصة هؤلاء الذين ظلوا قادرين على تحديث أدواتهم، وأرى أن عاطف بشاى من القلائل الذين لم تغادر أفكارهم الطزاجة الإبداعية، لأنه لم يتوقف لحظة عن تأمل الحياة، حتى وهو على سرير المرض يطلب من الممرضة ورقة وقلم لتدوين فكرة لاحت له.
قبل نحو ١٧ عامًا عاشها عاطف بشاى، فى عز لياقته الدرامية، يسجل أفكاره على أوراقه، إلا أن كل ما يكتبه يضعه فى درج مكتبه منتظرًا أن يأتى من يطرق الباب باحثًا عن الإبداع، على شرط أن يدرك الفارق بين التبر والتبن، وجد عاطف أن هناك من يلهث وراء التبن، ويدفع فيه الكثير، أيقن بعدها أن «سوق الحلاوة جبر».
قدم فى ٢٠٠٩ مسلسل «تاجر السعادة» بطولة خالد صالح، لاقى المسلسل نجاحًا طاغيًا، ثم توقف تمامًا، قبلها بنحو عامين كان قد أصيب بألم نفسى شديد بعد مسلسل «السندريلا»، بطولة منى زكى، الكل تقريبًا تنصل منه، فيما عدا البطلة ظلت تدافع عنه، استشعر عاطف أن هناك تلاعبًا فى أوراق السيناريو التى أودعها شركة الإنتاج، أحدهم تدخل وأفسد، حتى لو كان يريد الإضافة والإصلاح إلا أن النتيجة على الشاشة هى تدمير للبناء الفنى، هى بالدرجة الأولى مسؤولية المخرج سمير سيف، الذى لم يدافع عن الأوراق التى صارت فى حوزته وبين يديه، ولم يتجاوز عاطف نفسيًا هذا الألم بسبب ما وجده من حوار وأحداث على الشاشة لا يعلم عنهما شيئًا، وانتقل بعدها إلى المستشفى متأثرًا باغتيال حلمه الدرامى، الذى أراد به تخليد «السندريلا».
ابتعد عاطف عن ميدانه الذى يصول فيه ويجول وهو الدراما عندما يمزجها بروحه الساخرة، واكب هذا الابتعاد المفروض عليه، ما يعرف بنظام «الورش الدرامية»، عاطف كان مثل الكاتب الكبير وحيد حامد يرى أنها أسوأ طريقة لكتابة الأعمال الفنية، فهى تفتقد الصدق والخصوصية، تحيل المادة الدرامية إلى مجرد معادلة كيميائية، وكان وحيد دائم النصح لتلميذيه النجيبين مريم ناعوم وتامر حبيب، بالكتابة المباشرة بعيدًا عن الورشة، حيث صار كل منهما «أسطى» فى ورشة تحمل اسمه، وحيد كان يرى أن العمل الدرامى الذى تقدمه تلك الورش أقرب إلى جلباب الحاوى الذى صنعه من بقايا أقمشة متعددة، وكثيرًا ما كان عاطف فى كل أحاديثه يفتح النيران على تلك الورش، وكثيرًا ما كانت مقالاته تعتبر أن التردى الذى نعيشه سببه الأول وربما أيضًا الأخير هو تلك الورش.
بين الحين والآخر كنت أختلف مع الكاتب الكبير عاطف بشاى فى انتقاده لهذا النظام، بينما هو يرى ضرورة أن أقف معه فى نفس الخندق.
ظنى أن الورش تعتمد فى النهاية على شخص واحد وهو قائد الورشة، عليه أن يحقق انسيابية وهارمونية بين كل المشاركين، كما أن ليست كل الأعمال الدرامية صالحة لنظام الورشة، إلا أن هذا لا ينفى حتمية وجودها، وعدم الاعتراف بها لم يلغِ أبدًا أن لها مساحة على الخريطة عالميًا أو محليًا.
شحنة عاطف الإبداعية كان يسكبها على الورق فى مقالاته والتى كان للمصرى اليوم النصيب الأكبر منها، كما أن لمجلة «روزاليوسف» جزءًا منها، تلك المقالات هى النافذة التى أطل منها على الحياة، كانت لديه قدرة على التقاط أى مفارقة نعيشها فى الواقع ليحيلها إلى مقال جاذب للقراءة، أتذكر مثلًا قبل نحو خمسة أعوام عندما قرر الفنان الراحل الكبير هانى شاكر نقيب الموسيقيين فى تلك السنوات، ضرورة أن يغير مطربو المهرجانات أسماءهم معترضًا على أسماء حمو بيكا وحنجرة وكسبرة وشاكوش وصاصا وعنبة وغيرها، انتفض عاطف مدافعًا عن حق كل إنسان فى اختيار اسمه، حتى لو كان اسم شهرة غير معتمد فى الرقم القومى، وأنهى العمود قائلًا: «هل لو تقدمت أنا لنقابة الموسيقيين بطلب للغناء سوف يعترضون على لقبى (بشاي) ويصبح لزامًا عليّ أن أصبح (عاطف بقهوة)؟!»
فى السنوات الأخيرة كنت أتابعه دائمًا ومعه السيدة الرائعة مارى عزيز، التى كانت ليست فقط زوجة وحبيبة وصديقة، بل هى التوأم، تجسيد حى لمعنى «النصف الثاني»، أول من يعقب على صورة نشرها على صفحته أو مقال يستعيده، معلنة فى كل لحظة عن حبها وهيامها وإيمانها به كمبدع استثنائى، وظلت من خلال الواقع الافتراضى، تقدم صورة لعاطف بشاى فهو لا يزال حيًا يرزق ويبدع، دائمًا ستجد صورة من ندوة قديمة أو مقال تعيد نشره، أو موقف تستعيد كتابته، قبل عامين قررت من خلال مهرجان «أسوان السينمائي» أن تطلق جائزة فى السيناريو تحمل اسمه، ليظل الجيل الجديد مدركًا أنه كان بيننا كاتبًا كبيرًا ملأ حياتنا إبداعًا.
هل كرمنا عاطف بما يستحق؟ بالصدفة شاهدته فى آخر تكريم أقامته «جمعية الفيلم» قبل نحو عامين فى «اليوبيل الذهبي» ٥٠ عامًا على إنشائها، وكان سعيدًا وألقى كلمة تحية للجمعية، إلا أن جوائز الدولة التقديرية لم يرشح لها، وكان قطعًا جديرًا بها، البعض نصحه بالتواصل مع من بيدهم الأمر، إلا أنه لم يفعل أبدًا شيئًا يتناقض مع مبادئه، عندما أتأمل منهج عاطف بشاى الإبداعى، أرى أنه معادل موضوعى مكتوب لنجيب الريحانى، الريحانى كان جادًا جدًا وهو يؤدى كل أدواره، كان هذا هو مفتاح الضحك، وهذا هو ما يقدمه بالضبط عاطف فى كل أعماله الدرامية.
عاطف بإبداعه ليس بحاجة إلى جائزة نتذكره بها، لأننا كلما شاهدنا له سيناريو سنذكر دائمًا أنه لا يزال يبدع ويتنفس ويسخر أيضًا، «السيرة أطول من العمر»، أعمال عاطف بشاى الدرامية أطول من عمره وأعمارنا!!.
نقلا عن المصري اليوم





