حلمي النمنم
فى حديث قديم للتليفزيون المصرى، ذكر نجيب محفوظ بداية «مجموعة الحرافيش» وكيف تكونت، وأشار إلى بعض الأسماء بها، منهم من انضم متأخراً ومنهم من غادر، كل لأسبابه، من بين الذين غادروا كان الطبيب/ الصحفى والأديب مصطفى محمود، وقال محفوظ إنه غادر بسبب «التصوف». وهذا يعنى أنه كان هناك ود بين الرجلين، لا نعرف هل ظل متصلاً أم انقطع؟ د. مصطفى لم يتطرق فى معظم أحاديثه إلى سابق علاقته بالحرافيش.

وللحق لم يكن د. مصطفى يرفض طلباً من أى صحفى لإجراء حديث، لكن معظم الأحاديث كانت تبتعد عن المناطق الشائكة، تذهب فى طريق برنامج «العلم والإيمان»، أو الانبهار بما انتهى إليه الرجل، عالم وطبيب وكاتب وفاعل خير، كان يتحدث كثيراً، لكن مناطق بعينها لم يقترب منها ولم يحاول أحد الخوض فيها، مثل أن مشكلته الأولى بسبب كتاب «الله والإنسان»، كانت مع الأزهر وليست مع النظام السياسى وقتها كما أشاع، ولم تكن المشكلة بسبب أفكار ماركسية أو وجودية، بل كانت لسيطرة فكرة أو عقيدة «تناسخ الأرواح» على الكتاب ومعها فكرة «وحدة الوجود»، وذلك واضح فى عدد من أعماله الأدبية.

فيما يخص نجيب محفوظ نجد موقفين لدى د. مصطفى: الأول نقرأه فى المجموعة القصصية «المسيخ الدجال»، صدرت سنة 1979. الثانى بعد حصول محفوظ على جائزة نوبل، شهر أكتوبر سنة 1988.

القصة الأولى فى المجموعة القصصية بعنوان «المسيخ الدجال»، وفيها يلتقى فى جهنم الدجال مع إبليس ويدور بينهما حوارٌ مطولٌ، خلاصته أن الشيطان بات محدود الفاعلية والخطر أمام شرور الإنسان المعاصر، وهو رأى يتكرر فى العصر الحديث على لسان كُتاب وفلاسفة كثر، ازداد ذلك الشعور بعد إطلاق القنبلة النووية فى هيروشيما ثم ناجازاكى. ويبحث الدجال من موقعه فى جهنم «الدرك الأسفل» عن كل الذين كان يعرفهم أو يتطلع إليهم، أين هم، كى يأنس بهم، لكن الشيطان أو إبليس يخبره أن كلاً منهم فى مرتبة من جهنم أقل سعيراً من مرتبته، مثلاً مارلين مونرو، فى مرتبة متقدمة عليه بأربعة مستويات، أخف منه كثيراً لا نفهم لماذا هذه السيدة المنتحرة أو القتيلة، يسأل عن العندليب الأسمر وعن كوكب الشرق فيأتيه الرد «أن عبد الحليم رجل غلبان عفا الله عنه بما أصابه من بلاء المرض فى حياته، وأم كلثوم دخلت فى حساب الذين خلطوا عملاً سيئاً وآخر صالحاً عسى الله أن يتوب عليهم». لا يحدد لنا ما هو السيئ الذى اقترفته أم كلثوم وما هو الصالح؟ المهم أن د. مصطفى أبعد عبد الحليم عن جهنم ثم وضع أم كلثوم فى خانة من ينتظرون الغفران، رغم أن أم كلثوم عانت طويلاً من مرض الكلى ومن قبلها الغدة الدرقية، لكنها كانت تخفى كل ذلك عن الرأى العام وتبدو قوية ومتماسكة، بينما كان عبد الحليم يتحدث بلا حرج عن مرضه واتهمه بعض المنافسين والكارهين، أنه يتاجر بالمرض.

فجأة يترك «الدجال» جانب الفن والفنانين عموماً ويتجه إلى الأدب، لا يريد أى أديب عالمى ولا يذهب إلى أدباء التراث العربى، كل ما يشغله، واحد فقط هو نجيب محفوظ.

يعترف الدجال أنه فى مأساة، ويقرر أنه «لا بأس فى البلوى من السلوى»، سلوته هنا أن يبحث عن «شلة الحرافيش.. لابد أنهم شركاء فى هذه المصيبة التى نحن فيها»، يندهش إبليس من هذا الطلب «من هم شلة الحرافيش.. تقصد شلة نجيب محفوظ»، ويرد الدجال أنه هو.

لاحظ أن إبليس، انطلق من الحرافيش ليتوقف عند محفوظ تحديداً وينسب المجموعة كلها إليه، إذن ويسير مع الدجال ولكن ليس إلى النهاية، إذ يبدو مدافعاً عن محفوظ «لقد ظلمت الرجل يا شيخ ولا أظن أنه سيكون من جيرانك فهو رجل طيب وإن كانت مآخذنا عليه كثيرة».

ينسى الدجال محنته وافتقاده لأى أنيس ويتحول إلى مدقق أو محقق أدبى فيسأل إبليس عن مآخذه على نجيب محفوظ، ويتحول إبليس إلى منظر وناقد أدبى، وراح يعدد مآخذه.. «والله يا أخى صاحبكم عجيب الأحوال..».

سوف نلاحظ أنه استعمل كلمة «صاحبكم»، وقد استعملها من قبل فى نفس النص عن الرئيس جمال عبد الناصر، حين أراد أن يهيل التراب على أعظم ما بناه عبد الناصر، إذ قال عنه «صاحبكم الذى بنى السد العالى»، الكلمة بقصد التنكير والاستخفاف، لن أقول التحقير والازدراء، الكلمة مقدمة لما سيأتى «تراه فى حياتك يصلى ويصوم ويلتزم بالآداب والوصايا ثم تقرأ كتبه فلا تجد أثراً لوجود الله وإنما نطالع عالماً مادياً يأكل بعضه بعضاً.. وتغرق فى لمة من الشرور والمظالم، ليس فيها بصيص نور». هل الدجال يبحث عن بصيص نور ويشكو من الشر والظلم؟ الدجال يأخذ أيضاً على محفوظ أنه «لا يفصح عن موقفه ولا يقترح حلاً ولا يعلن أيديولوجية معينة وإنما هو يبدو دائماً غاضباً على كل شىء».

أخطر ما يطرحه مصطفى محمود على لسان الدجال ما يلى: «وجه العجب فى صاحبكم وما يدعونى دائماً إلى التساؤل كلما قرأته.. أنه إذا كان يصلى ويصوم وإذا كان اقتنع بالدين منهجاً وحلاً فلماذا لا يبدو هذا الحل فى رواياته هلافيت.. وتبدو المومسات بطلات واللصوص ضحايا».

هل نحن بإزاء قراءة جادة لأعمال محفوظ أم أننا أمام حالة تربص كاملة؟ ترى هل كانت وصلة هزار غليظ مع صديق قديم أم غيرة كامنة من روائى وقاص لم يحقق ذاته فى الأدب تجاه زميل وصديق حقق إنجازاً كبيراً؟ عبارة «إذا كان اقتنع بالدين منهجاً وحلاً....»، وعبارات أخرى مشابهة وردت على لسانه فى أحاديث أخرى، ألا نشم فيها رائحة أفكار، بل كلمات «سيد قطب».

طوال السبعينيات كان د. مصطفى يقف فى خندق الرئيس السادات ضد اليسار وضد كل خصومه، كان الرئيس السادات هاجم محفوظ بضراوة فى خطاب عام، بسبب توقيع الأخير على بيان سنة 72، المعروف باسم بيان توفيق الحكيم، شاع تصور أن السادات لا يحب محفوظ، هل هناك ارتباط بين الموقفين، خاصة أن د. مصطفى توقف عند بعض الكلمات نفسها، التى استخدمها السادات فى هجومه؟ علينا أن نؤجل ذلك كله -مؤقتاً- رغم أنه جدير بالبحث، لأن د. مصطفى -رحمه الله- قال بعد ذلك كلاماً مغايراً تماماً فى نجيب محفوظ.

فى حوار طويل، أجراه زميلنا الراحل محمود فوزى، صدر فى كتاب مستقل، سنة 1991، حمل عنوان «اعترافات مصطفى محمود»، قال بالحرف: «نجيب محفوظ.. عمدة الرواية العربية بلا منازع، بحكم الكم والكيف معاً، وأروع من صور البيئة المصرية فى أعماله الروائية».

وفى حديثه بالتليفزيون المصرى مع مقدم البرامج طارق حبيب، قال عن محفوظ: «هو عاصمة الأدب، وهو الفاتيكان والبابوية والمشيخة ودار الإفتاء، يكاد يكون متفقاً على قيمة الرجل، طبعاً كفاية تواضعه وإخلاصه ودأبه واستمراره..».

لا أعرف كيف استقبل نجيب محفوظ ذلك الإطراء، نعرف جميعاً أنه لم يكن يرضيه ولا يسعده المديح المبالغ فيه، رغم أن د. مصطفى كان يتحدث بود عميق.

رحم الله الجميع
نقلا عن المصري اليوم