الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حين انتقلت الكنائس الشرقيّة إلى اللغة العربيّة، لم تنتقل إليها كتب الصلاة والكتاب المقدّس والجدل مع المسلمين وحدها، ولكن انتقلت أيضًا الخلافات القديمة بين المسيحيّين أنفسهم. وهذه لحظة مهمّة في تاريخ الفكر المسيحيّ الشرقيّ؛ لأن التقاليد المَلَكيّة (الروم) والقبطيّة والسريانيّة الشرقيّة، التي تشكّلت كريستولوجيّاتها بلغات مختلفة، أخذت تعبّر عن مواقفها في فضاء لغوي واحد. ومنذ القرن العاشر صار من الممكن أن يناقش القبطيّ والملكيّ وعضو كنيسة المشرق مسائل الطبيعة والأقنوم والاتحاد والشخص باستعمال العربيّة نفسها، مع بقاء فروق عميقة في المعنى الذي يعطيه كل تقليد لهذه المصطلحات. وقد بيّن بشارة عبيد أهمية هذا التحول تحديدًا: للمرة الأولى عبّرت التقاليد المسيحيّة الشرقيّة الكبرى عن لاهوتها الثالوثي وكريستولوجيّاتها بلغة فلسفيّة مشتركة، الأمر الذي يجعل المقارنة بينها ممكنة على مستوى لم يكن متاحًا حين كانت كل منظومة تعمل أساسًا داخل لغتها الخاصة (١).

وهذا هو العالم الذي كتب فيه الأنبا ساويرس بن المقفّع. ومن أبرز الذين ناقشهم سعيد بن بطريق، الطبيب الذي صار بطريركًا مَلَكيًّا للإسكندريّة عام ٩٣٣ وتُوُفّي عام ٩٤٠، والمعروف في المصادر المسيحيّة باسم أوتيخيوس. ألّف البطريرك سعيد «الحوليّات»، وهي تاريخ شامل يبدأ من الخلق ويصل إلى عصره، ويروي تاريخ الكنيسة من داخل الرؤية الملكيّة الخلقيدونيّة. لذلك لم يكن الخلاف بينه وبين الأنبا ساويرس خلافًا حول خبر تاريخي منفرد؛ فقد اصطدم تصوّران لتاريخ الكنيسة نفسها، ولكيفيّة الحكم على المجامع والبطاركة والانقسامات التي أعقبت مجمَعَي أفسس وخلقيدونية (٢).

وجاء ردّ الأنبا ساويرس في «كتاب المجامع»، الذي وصلتنا منه أقسام مختلفة، ونُشر جزء مهم منه بعنوان «الرد على سعيد بن بطريق». وكان ساويرس يعمل في قسم منه عام ٩٥٥. ويكشف الكتاب أن التاريخ عنده يدخل في صميم البرهنة اللاهوتيّة؛ فهو يعود إلى الكتاب المقدّس والرسل والآباء والمجامع ليبرهن أن الموقف القبطيّ من خلقيدونية امتداد لما يفهمه بوصفه التقليد الكريستولوجي الذي بلغ صياغة حاسمة عند القدّيس كيرلّس السكندريّ. ومن هنا يصبح سرد تاريخ المجامع وسيلة للإجابة عن سؤال حاضر في القرن العاشر: أيّ كنيسة حافظت على إيمان الآباء؟ (٣).

ويصل هذا السؤال مباشرة إلى قلب كريستولوجيا ساويرس. فقد اعتمد مجمعُ خلقيدونية عام ٤٥١ صيغة تتحدث عن المسيح الواحد المعروف «في طبيعتين»، كاملًا في لاهوته وكاملًا في ناسوته، من غير اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال. أما التقليد القبطيّ اللاخلقيدونيّ، الذي يصفه كثير من الباحثين اليوم بالميّافيزيّ، فتمسّك خصوصًا بالصيغة الكيرلسيّة «طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسّد»، وفهمها بوصفها تأكيدًا لوحدة المسيح بعد الاتحاد مع بقاء اللاهوت والناسوت كاملين فيه. ولهذا فإن وصف الكريستولوجيا القبطيّة ببساطة بأنها «مونوفيزيّة»، إذا كان المقصود أن الناسوت ذاب في اللاهوت أو أن إنسانيّة المسيح لم تعد كاملة، يشوّه موقف ساويرس والتقليد الذي ينتمي إليه (٤).

تتحرّك كريستولوجيا ساويرس إذًا بين مطلبين متلازمين: الحفاظ على حقيقة اللاهوت وحقيقة الناسوت، والحفاظ في الوقت نفسه على وحدة المسيح الواحد. فإذا صيغ التمييز بين اللاهوت والناسوت بطريقة تجعل كلًا منهما قائمًا بوصفه موضوعًا مستقلًا إلى جوار الآخر، رأى ساويرس في ذلك خطرًا على وحدة المسيح؛ وإذا أُلغي التمييز بينهما، وقعنا في خلط يرفضه هو أيضًا. ومن هنا كثافة استعماله لمصطلحات مثل «الطبيعة» و«الأقنوم» و«الشخص» و«الاتحاد» و«الجوهر». إنه ينقل إلى العربيّة كريستولوجيا تبلورت في جدالات يونانيّة وقبطيّة وسريانيّة طويلة، ويعيد صياغة حدودها داخل ثقافة تستعمل المصطلحات نفسها في الفلسفة وعلم الكلام (٥).

وعند هذه النقطة يصبح القدّيس كيرلّس السكندريّ المرجع المحوري. يستحضر ساويرس كيرلّس لأنه يرى في كريستولوجيته المعيار الذي ينبغي أن تُقرأ في ضوئه المجامع والصيغ اللاحقة. فعبارة «طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسّد» لا تعني عنده طبيعة بسيطة ألغت الناسوت، وإنما وحدة المسيح الواحد الذي صار إنسانًا من غير أن يفقد لاهوته، وأخذ ناسوتًا حقيقيًّا من غير أن يتحول المسيح إلى شخصين. ولذلك يرتبط الدفاع عن كريستولوجيا كيرلّس عند ساويرس بالدفاع عن هويّة الكنيسة القبطيّة نفسها، وعن قراءتها لتاريخ الانقسام بعد خلقيدونية (٦). ويُدرَس لاهوت ساويرس لا بوصفه تعريبًا وإنما يدرس من حيث كيف استطاع ساويرس استخدام السياق العربي نفسه تشكيل طرائق البرهنة وصياغة العقيدة (٧).

وقد جعلت اللغة العربيّة المقارنة بين الكريستولوجيات المسيحيّة أكثر مباشرة. فعندما يتحدث الملكيّ عن «طبيعتين»، والقبطيّ عن «طبيعة واحدة متجسّدة»، ويشرح السريانيّ الشرقيّ علاقة الأقنوم بالطبيعتين، يستعمل الجميع ألفاظًا مثل «طبيعة» و«أقنوم» و«شخص» و«جوهر» و«اتحاد». غير أن اشتراكهم في اللفظ لم يكن يعني اشتراكهم في تعريفه. وقد بيّن بشارة عبيد، في مقارنته بين كريستولوجيا سعيد بن بطريق وكريستولوجيا ساويرس بن المقفّع وكريستولوجيا إيليا النصيبيني، أن فهم الخلاف يتطلب تحليل الوظيفة التي يؤديها المصطلح داخل كل منظومة، بدل الاكتفاء بوضع الألفاظ المتشابهة أو المتقابلة بعضها إلى جوار بعض. وقد تكشف المقارنة مناطق تقارب حقيقيّة حجبتها لغة الجدل الطائفي، من غير أن تختزل الفروق العقائديّة في سوء تفاهم لغوي (٨).

فالخلاف في القرن يكمن في أنّ  كريستولوجيا كل كنيسة ارتبطت بتاريخها الكنسيّ وبنظرتها إلى السلطة والمجامع والقدّيسين. وكان السؤال عن معنى «طبيعة» متصلًا أيضًا بأسئلة من نوع: هل مجمع خلقيدونية مجمع شرعي؟ وهل كان ديوسقورس الإسكندري مدافعًا عن إيمان كيرلّس أم منحرفًا عنه؟ وأيّ الآباء يمثلون الاستمراريّة الصحيحة للتقليد؟ ولهذا تصبح كتابة التاريخ نفسها عند ساويرس ممارسة كريستولوجيّة؛ فمن خلال سرد تاريخ المجامع وانتقاء الشهادات الآبائيّة يرسم خطًا يصل الكنيسة القبطيّة بكيرلّس وبالإيمان الذي يراه سابقًا لخلقيدونية. وهذا ما يفسر حديث ستيفن ديفيس عن تكوّن «قانون كريستولوجي قبطي عربي»، تتضافر فيه النصوص والسلطة والذاكرة الكنسيّة في بناء الهوية اللاهوتيّة (٩).

ويظهر البعد نفسه في كتابات ساويرس ضد نسطور وأتباعه. فيذكر ابن كَبَر بين مؤلفاته «الشرح والتفصيل في الرد على نسطور وشيعته»، إلى جانب أكثر من كتاب في الاتحاد والتجسّد. وينبغي التعامل مع كلمة «النساطرة» هنا بوصفها تسمية جدليّة تاريخيّة، لأنها لا تختصر بدقة كريستولوجيا كنيسة المشرق في جميع مراحلها. لكن حضور هذا الجدل في مكتبة ساويرس مهم؛ فهو يرسم حدود الكريستولوجيا القبطيّة من جهتين في آن واحد: يرفض ما يراه تقسيمًا للمسيح، ويرفض كل صياغة يمكن أن تُفهم بوصفها خلطًا أو إلغاءً لحقيقة الناسوت (١٠).

وبذلك أصبحت العربيّة في مصر القرن العاشر لغة الخلاف المسيحي كما أصبحت لغة الحوار مع الإسلام. وأتاحت لكل كنيسة أن تعيد صياغة ذاكرتها اللاهوتيّة داخل لغة مشتركة، وفتحت في الوقت نفسه مجالًا جديدًا للمقارنة بين الكريستولوجيات المختلفة. وعندما نقرأ اليوم ساويرس إلى جوار سعيد بن بطريق أو إيليا النصيبيني، نستطيع أن نميّز بين اختلاف المصطلح، واختلاف البناء الفلسفي، والاختلاف العقيديّ الحقيقيّ. وهذا التمييز لا يلغي الانقسامات التاريخيّة، وإنما يسمح بفهم أكثر دقة لما أراد كل طرف إثباته وما أراد نفيه (١١).

وهكذا تكتمل رباعية ساويرس بن المقفّع.  ومع ساويرس لم يعد التراث القبطيّ العربيّ في مرحلة البدايات. وفي الحلقة القادمة نتقدم إلى القرنين الثالث عشر والرابع عشر، حين نصل إلى أولاد العسّال، وأبي شاكر بن الراهب، وابن كَبَر، وإلى مرحلة ستظهر فيها الموسوعات والقوانين والتفاسير والمعاجم والتواريخ: «العصر الذهبيّ للتراث القبطيّ العربيّ».