عادل نعمان
كنا نتغنى فى مباريات كاس العالم ونردد: يا مصر بتعمليها إزاى؟..
وقد كان تعبيرًا عن الأداء المتميز للفريق القومى الذى التف حوله المصريون فى كل مكان فى العالم والعرب أيضًا، بل نال الفريق والجمهور نصيبًا كبيرًا من محبة العالم أجمع، وعممه الناس على كل عمل وأداء عظيم ولافت، وصاغه المواطن فى كل لفتة إنسانية رقيقة، أو عمل مبدع خلاق لا يضاهيه عمل من قريب أو بعيد، فكنا نتغنى بهذا الانفراد وهذا السبق الذى وصلنا إليه دون الكثير، وأسرفنا كثيرًا فى كل مناسبة كشفنا فيها عن معدن أصيل يزهو ويسمو حتى كادت أعناقنا تلامس أطراف السماء زهوًا وفخرًا، ثم ما لبثوا غير ساعات حتى انفجر بركان من الغضب والقتل والانتقام والغدر والخسة، وكأننا لابد أن نعيش فى منطقة ساخنة ملتهبة، إما منطقة من السرور وإما مناطق من الغم والنكد، إما فى قاعات أفراح أو سرادقات عزاء.
خد عندك حادث مقتل الأب والأم وابنتيهما فى التجمع بيد صديق للأسرة، كما يقول الناس، أكان بدافع السرقة أو الحقد!
إلا أنه يفتح مجالا جديدا لضبط العلاقة بين الناس تباعد ولا تقرب، تفرق ولا تجمع، مجتمع يتربص الناس فيه ببعضهم البعض مخافة الغدر والندالة، ويحسب الواحد فيه ألف حساب لمن جاء طالبًا أو محتاجًا أو معسرًا للقريب والبعيد على السواء!!.
مقتل ثمانية عشر طفلًا وطفلة فى تصادم سيارة نقل غير صالحة للآدميين ومقتل الجميع بمن فيهم ستة شباب من أسرة واحدة كانوا فى طريقهم للعمل فى مزارع العنب، أجرة الواحد منهم مائة جنيه فى اليوم لا تكفى أكله وشرابه!!
ومازال مسلسل الحوادث مستمرًا لا نتعلم الدرس ولا نتراجع!!
وهذا رجل يعود من غربته ليقتل زوجته ورجلين من الجيران بزعم علاقة الزوجة بهما وابتزازه من أحدهما، وكأن قتل أطراف الخيانة سيعيد الشرف المفقود!!. شاب يقتل والدته المسنة قبل عامين، وقام هذا الابن العاق ببناء مقبرة إسمنتية داخل غرفة نومها لإخفاء الجثمان وطمس معالم الجريمة، بحجة الاستيلاء على الشقة للزواج فيها!! الغريب أن هذا الابن العاصى كان يغط فى النوم بالقرب من أمه قرير العين هانئ البال. فى المطرية أقدم شاب يعمل محاميًا على قتل والده المسن أثناء نومه بطعنات نافذة داخل مسكن الأسرة بسبب خلافات أسرية متراكمة، يقال ست عشرة طعنة، والرجل ليس فى حاجة إلى كل هذه الطعنات ليموت، فقد كانت تكفى طعنة واحدة أو اثنتان.
فى مدينة 15 مايو أب يقتل ابنته وثلاثة من أقرباء الزوجة حين ذهب إلى منزل أسرتها محصنًا بسلاحه، لتسوية الخلاف بينهما، واحتد الخلاف بينهم، حتى انتهى اللقاء بإطلاقه أعيرة نارية على المتواجدين. قتل منهم ابنته وبقية الضحايا، وكان الابن على وشك اللحاق بالقتلى لو امتد اللقاء لدقائق أخرى، وفى الإسكندرية وتحديدًا فى كامب شيزار، ابن يقتل أباه ويكاد يقتل أمه وأخاه، بسبب طلباته المتكررة للمال لشراء المخدرات، ولما رفض الأب سدد له طعنات بالرقبة قاتلة، وسدد مثلها للأم والأخ، مات الأب المسكين ونجا من الموت الأم والأخ، المدهش أن المجرم مات فى محبسه الاحتياطى نتيجة توقف عضلة القلب.
حوادث القتل والانتقام والغدر والخسة أصبحت تدور وتلف معنا من الصباح إلى المساء، اعتدناها وألفنا المصائب والكوارث حتى كست علامات الحزن الوجوه لا تبرحها ولا تزول، وجع القلب لحادث فى الصباح ما برح حتى المساء، حتى يهدأ قليلا، فيصبح الناس على وجيعة أخرى تدمى القلب وتزيد الهموم، فإذا كان هذا ما أصابنا نحن وأرق مضاجعنا وزلزل نفوسنا حزنًا وهمًا على الضحايا، فماذا عن أصحاب الشأن والأهل والأحباب والخلان؟
وأتساءل: ماذا دهانا وأصابنا بهذه الشرور التى أصابتنا جميعًا؟ ولماذا هذا الإصرار على مخالفة قواعد المرور ونقل العمالة بسيارات لا تصلح للآدميين ويقع ضحايا يومًا بعد الآخر لهؤلاء العمال، ولا يستوعب هؤلاء الدرس سواء أكان مقاولًا أو أهالى الضحايا، وكذلك يفعلون اليوم وغدًا؟ ولماذا هذا التراخى على هذه المخالفات التى تجرى على الطرق تحت السمع والبصر؟ ولماذا هذا الحقد والغل على من فاز بنصيب أكبر من الغنى والثراء فى الدنيا، فيقتله الصديق ويغدر به، وهو يعلم أنه ربما لن ينال من ملكه وثروته شيئًا؟ حتى وصلنا إلى قتل الأب والأم والأولاد، وقد كان الأولى أن يكونوا أشد برًا ورحمة وعطفا عليهم. وأتساءل يا علماء الاجتماع والطب النفسى والجريمة والمراكز البحثية أجيبونا.. بيعملوها إزاى؟!
وأدعوكم إلى القيام بدوركم المنوط بكم، والذى يجب عليكم القيام به، دون انتظار، لدراسة هذه الظواهر الخطيرة، هذا الانتقام المفرط، والغل والحقد والتشفى الذى أصاب النفوس، وتكرار مخالفة القانون والنظام «بالعند» مع العلم الكامل بخطورته وتبعاته، وحالات الانتحار الأسرى، وضياع صلة الأرحام حتى وصل الأمر إلى قتل الأب والأم والأولاد، وإن كانت هذه ظواهر فردية الآن.. إلا أنها تهدد المجتمع وسلامته النفسية، ونواة لجرائم مستقبلية وارفة الظلال.
أفيدونا.. بيعملوها الولاد إزاى؟!
(الدولة المدنية هى الحل)
نقلا عن المصري اليوم





