الأنبا ساويرس بن المقفّع (٢/ ٤): ستة وعشرون كتابًا… ماذا كتب القبطيُّ بالعربيّة في القرن العاشر؟

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
إذا كانت الحلقة السابقة قد تناولت انتقال اللاهوت القبطيّ إلى العربيّة، فإن مكتبة ساويرس بن المقفّع تكشف مدى هذا التحوّل. فبعد نحو ثلاثة قرون من زمنه، خصّص أبو البركات ابن كَبَر له موضعًا في «مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة»، وعرّفه بعبارة «أنبا ساويرس ابن المقفّع أسقف الأشمونين، الكاتب المصريّ»، ثم قال إنّ عدد مصنّفاته ستة وعشرون. وهذه القائمة ثمينة لأنها تحفظ صورة لما كان معروفًا من تراث ساويرس في الكنيسة القبطيّة في مطلع القرن الرابع عشر، لكنها لا تعني أن كل ما كتبه انحصر في هذه الكتب، ولا أن العناوين ظلّت ثابتة في انتقالها بين المخطوطات. وقد جمعت الفهارس والدراسات الحديثة عناوين أخرى منسوبة إليه، بعضها كان مفقودًا ثم ظهر في المخطوطات، وبعضها لم تزل نسبته تحتاج إلى دراسة. نحن إذًا أمام تراث واسع لم يصل إلينا كاملًا (١).

وأوّل ما يلفت النظر في قائمة ابن كَبَر حضور العقيدة بقوّة. فنجد «في التوحيد»، و«في الاتّحاد»، و«تفسير الأمانة الأرثوذكسيّة»، و«في الاستبصار وهو مصباح العقل»، و«إيضاح الاتّحاد والقول على تجسّد الربّ»، و«البيان المختصر في الإيمان». تكشف هذه العناوين أن ساويرس لم يكتب كتابًا واحدًا لتعريف قارئ العربيّة بالعقيدة، فقد ألّف نصوصًا متفاوتة في الغرض والحجم: عرضًا للإيمان، وشرحًا، وبرهنةً، ومعالجةً لقضايا دقيقة مثل التوحيد والثالوث والتجسّد والاتّحاد. وهكذا بدأتْ تتكوّن بالعربيّة مكتبةٌ لاهوتيّة قبطيّة لها مستوياتٌ مختلفة من التعليم والتفكير (٢).

ثمّ نجد مجموعةً أخرى تضعنا داخل العالم الدينيّ الذي عاش فيه ساويرس. ألّف «الباهر في الردّ على اليهود والمعتزلة»، و«البليغ» في الموضوع نفسه، وكتب في الردّ على سعيد بن بطريق، البطريرك الملكيّ في الإسكندريّة، وفي الرد على نسطور وأتباعه، وأرسل «رسالة في الديانة» إلى أبي اليمن قزمان بن الكاتب، وكتب «نظم الجوهر والدرر» في مسألة القضاء والقدر، و«في اختلاف الفرق»، و«أجوبة مسائل ابن جارود». وترسم هذه المؤلفات خريطةً فكرية لمصر في القرن العاشر: يهود ومسلمون ومعتزلة وملكيّون ونساطرة وأقباط يتناقشون في الله والمسيح والحرّيّة والمجامع وصحّة العقيدة. وكانت العربيّة هي اللغة المشتركة التي دخلت فيها هذه الخلافات، من غير أن تذيب الفروق العقيديّة بين أصحابها (٣).

ولا يمكن حصر مكتبة ساويرس في كتب المناظرة. ففي القائمة «تفسير الأناجيل المقدّسة»، و«ترتيب الكهنوت، وهو الإنباء عن طقوس الكنيسة»، وكتاب «في الأحكام»، وكتاب في «شرح أصول الدين وترتيب الخدمة والبخور ورشم الصليب ونسبة السيدة»، ثمّ «التعاليم في الاعتراف بالذنوب». هنا تدخل العربيّة إلى الحياة الداخليّة للكنيسة نفسها: تفسير الإنجيل، والرتب الكهنوتيّة، والعبادة، والبخور، وإشارة الصليب، والقانون، والاعتراف. وهذه المؤلفات تكشف جانبًا مهمًا من التحوّل اللغويّ؛ فالعربيّة لم تعد فقط لغةً يخاطب بها القبطيّ المسلم أو المسيحيّ المختلف معه، وإنما صارت لغةً يتعلّم بها المؤمن كيف تفهم كنيسته الكتاب المقدّس وكيف تنظّم عبادتها وحياتها (٤).

ويمتدّ هذا التنوّع إلى الأخلاق والحياة الإنسانيّة. ففي القائمة «طبّ الغمّ وشفاء الحزن وتهذيب الأخلاق»، وهو من أكثر كتب ساويرس إثارة للاهتمام؛ إذ يتناول الحزن والانفعالات وطرق تدبير النفس، وقد وصل إلينا ونُشر نصّه العربي مع ترجمةٍ إنجليزيّة. ونجد أيضًا رسالة «في حال الأطفال من المؤمنين والكافرين، وكيف تقوم النفس في الحكم»، و«المجالس»، و«الانتصار»، و«المثاليّات والرموز». وبعض هذه الكتب معروف لنا جيّدًا، بينما لم يصل إلينا بعضها الآخر، أو وصل في مخطوطات لم تزل تثير أسئلة حول عنوانه ونسبته ومحتواه. وهذه طبيعة مألوفة في دراسة التراث العربيّ المسيحيّ: قد يحفظ الفهرس اسم كتاب ضاع، وقد تحفظ المخطوطة نصًّا كاملًا تحت عنوان يختلف عما سجّله أصحاب الفهارس (٥).

أمّا «تاريخ بطاركة الإسكندريّة»، فينبغي حسم أمره بوضوح: الكتاب المعروف بهذا الاسم ليس من تأليف ساويرس بن المقفّع. لقد شاعت نسبته إليه في الدراسات القديمة، وانتقلت هذه النسبة إلى عناوين عدد من الطبعات، لكن البحث النصّي الحديث تجاوزها. فقد بيّن يوهانّس دِن هاير، اعتمادًا على تاريخ المخطوطات وطبقات النص ومقدماته وإشاراته التحريريّة، أن جمع السير القبطيّة القديمة وترجمتها وتنظيمها في الصيغة العربيّة التي تكوّن منها القسم القديم من «تاريخ البطاركة» جرى في أواخر القرن الحادي عشر على يد موهوب بن منصور بن مفرّج الإسكندراني ومعاونيه، أي بعد ساويرس بنحو قرن. بدأ موهوب مشروعه عام ١٠٨٨، وجمع من الأديرة سيرًا ألّفها كتّابٌ أقباط مختلفون بالقبطيّة، ثم أشرف على ترجمتها إلى العربيّة وتنظيمها، وأضاف هو نفسه سيرًا جديدة بالعربيّة، واستمرّ مؤلّفون بعده في متابعة التاريخ (٦).

ومن هنا ينبغي التمييز بين «تاريخ البطاركة» وبين عنوان «السير» الذي يورده ابن كَبَر في قائمة مؤلفات ساويرس. نحن نثبت أن ابن كَبَر عرف كتابًا لساويرس سمّاه «السير»، لكن لا يوجد أساس نصّي يسمح بمطابقة هذا العنوان مباشرة بالمجموعة التي نعرفها اليوم باسم «تاريخ بطاركة الإسكندريّة». الموجود أمامنا شيئان مختلفان: مؤلَّف لساويرس يحمل عند ابن كَبَر عنوان «السير»، ولا نعرف على وجه اليقين مضمونه أو مصيره؛ ومجموعة تاريخيّة تراكميّة تكوّنت من سير ألّفها كتّاب متعددون، ثم جمع موهوب بن منصور قسمها القديم ونقله إلى العربيّة وأعاد تحريره في أواخر القرن الحادي عشر. لذلك فإن ظهور اسم ساويرس على بعض طبعات «تاريخ البطاركة» يخبرنا بتاريخ نسبة الكتاب وتلقيه في العصر الحديث، ولا يثبت أنه مؤلفه (٦).

أما قائمة ابن كَبَر نفسها، فهي تستحق أن نراها كاملة، لأنها أقرب ما لدينا إلى صورة رفوف مكتبة ساويرس: «في التوحيد»، «في الاتحاد»، «الباهر في الرد على اليهود والمعتزلة»، «البليغ»، الرد على سعيد بن بطريق، «الشرح والتفصيل في الرد على نسطور وشيعته»، «رسالة في الديانة»، «نظم الجوهر والدرر في الرد على القول بالقضاء والقدر»، «المجالس»، «طبّ الغم وشفاء الحزن وتهذيب الأخلاق»، «المجامع»، «تفسير الأمانة الأرثوذكسيّة»، رسالة في حال الأطفال من المؤمنين والكافرين ومصير النفس في الحكم، «في الاستبصار وهو مصباح العقل»، وكتاب سمّاه ابن كَبَر «السير»، وهو غير «تاريخ البطاركة» المعروف اليوم، و«الانتصار»، و«ترتيب الكهنوت»، و«في اختلاف الفرق»، و«في الأحكام»، و«إيضاح الاتحاد والقول على تجسّد الرب»، و«تفسير الأناجيل المقدّسة»، و«أجوبة مسائل ابن جارود»، و«شرح أصول الدين وترتيب الخدمة والبخور ورشم الصليب ونسبة السيدة»، و«البيان المختصر في الإيمان»، و«المثاليات والرموز»، ثم «التعاليم في الاعتراف بالذنوب» (٧).

وما تقوله هذه القائمة أهمّ من الرقم ستة وعشرين نفسه. ففي القرن العاشر أصبح من الممكن أن تتكوّن بالعربيّة مكتبةٌ قبطيّة تشمل العقيدة والتفسير والجدل بين الأديان والخلافات بين الكنائس والطقس والقانون والأخلاق وتدبير النفس. لم تكن العربيّة عند ساويرس أداةً يستخدمها حين يريد مخاطبة المسلمين ثم يضعها جانبًا؛ فقد دخلتْ إلى الطريقة التي تشرح بها الكنيسة إيمانها، وتفسّر كتابها، وتنظّم عبادتها، وتناقش خصومها، وتعلّم أبناءها.

في الحلقة القادمة نفتح واحدًا من أهم كتب هذه المكتبة: «مصباح العقل». وعندئذ ننتقل من سؤال «ماذا كتب ساويرس؟» إلى سؤال أعمق: كيف كان يفكّر؟ لماذا جعل «العقل» في عنوان كتاب عقيديّ؟ وكيف شرح التوحيد والثالوث والتجسّد بلغةٍ عربيّة تشارك علم الكلام والفلسفة بعض أدواتهما، وتظلّ في الوقت نفسه مرتبطةً بتقليد الكنيسة القبطيّة؟ (٨).
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ