نادر عبد النور
أعيد نشر هذه الكلمات بعد عشرة أعوام، وقد اختلفت ساحات المعارك وصرنا نمضي في إصرار أحمق للوصول إلى النهاية المحتومة..
على طلاب الدين المسيحي مغادرة الفصل والتوجه إلى الحوش لحضور حصة الدين. ينهض أربعة أو خمسة أطفال لحمل حقائبهم متوجهين - غالباً- إلى أبلة “مريم” أو "ماريان"، التي هي في الأصل معلمة درسات اجتماعية أو علوم، وبالطبع فهي امرأة غير محجبة، وربما ترتدي والعياذ بالله "جيب"، وهو محور اهتمام عدد غير قليل من طلاب "المرحضة" الإعدادية، إضافة إلى عدد أخر من المدرسين الذكور.
تنهض الأخيرة لتأدية الواجب المقدس، المتمثل في ضرورة استكمال الحد الأدنى من عدد الحصص حتى تستطيع أن تحصل على راتبها كاملًا، فيما يظل بقية الطلبة في الفصل يحسدون أقرانهم المسيحيين على الخروج من رحم الفصل والتوجه إلى الحوش، بينما تدخل - غالباً- أبلة “سعاد” أو "سهير"، التي هي بالقطع مدرسة لغة عربية لتقوم أيضا بنفس الدور المقدس الذي تقوم به مريم أو ماريان.
وبعيدًا عما دار في الحوش أو الفصل، فإن القاسم المشترك هو وقوف كلا المعلمتين في انكسار شديد أمام الصرّاف، في أخر كل شهر للحصول على قيمة المادة العلمية التي حقنتهن في أجساد لم تدرك حقيقة ما يدور حولهم إلا بعد فوات الأون ثم تهرع كلتاهما إلى الدادة - غالبًا- “أم صباح” أو "أم مصطفى" لسداد أقساط الجمعية أو أقساط الملابس التي تبيعها.
مشهد 2
جرس يدق في رتابة متصلة لتعلن المدرسة نهاية يوم من العقاب الدراسي، فينطلق جحافل التلاميذ خارج أسوار المدرسة في صخب حلو وتتشكل مجاميع الأصدقاء أصحاب الطريق المشترك، في رحلة العودة للديار.. وهنا يبادرني أحدهم بالسؤال: نادر هو أنا ينفع أجي معاك الكنيسة ليلة رأس السنة. صوت أخر: هو أنتم بتطفوا النور ليلتها ليه؟ أحدهم يلقي بكلمته: دي بتبقى "مليطة"، فيما يجزم الأخر في ثقة بوجود أنهار من الخمور في الكنيسة في هذه الليلة المباركة، لم أكن أمتلك في عقلي الصغير إجابات لهذه الأسئلة التي - غالباً- لا يفهمهما من سألها، ومع ذلك فقد نفيت هذه التهم لمجرد شعوري بأنني أقف وراء قضبان الاتهام، ولكن دفاعي الهزيل غير المستند على أسس أتى بسؤال أكثر تعقيدًا: هو صحيح أنتم بتعبدوا ثلاثة؟ سؤال يطرق عقلي للمرة الأولى في سنواتي العشر فعجزت حتى عن الرد.
لتستمر من بعد ذلك رحلة الأسئلة بصورة شبه يومية ولكنها كانت أكثر تطورًا كلما تقدم بنا العمر، والغريب في الأمر أنها أسئلة لم تكن تنتظر إجابات ولكنها كانت أسئلة خبرية تحمل في طياتها إجابات واثقة لا يشق لها غبار، فنحن المصابون بداء المسيحية جميعنا قد زنى القساوسة بأمهاتنا في ليلة الدخلة ولأننا نأكل لحم الخنزير فأننا لا نغار على نسائنا ولنا رائحة مميزة، وأيضًا لنا أنوف مجدوعة وحتى الألوان عرفت منهم أنه يوجد لون اسمه الأخضر المسيحي!! ناهيك عن كوننا "أربعة ريشة كفاتسة"، ولنا عظام زرقاء، بل بلغ بنا الشطط أنا استولينا على القناة الثانية في التلفزيون المصري لأنها لا تذيع الأذان، وهكذا استمر الحال من تهمة إلى أخرى.استكشاف الوجهات السياحية العالمية
مشهد 3
في رحاب الجامعة حيث تناثرت ثنائيات هنا وهناك، وأحاديث هامسة يتخللها ضجيج محبب إلى القلب، فيما اجتمعت فئة إلى جوار مبنى الحمامات، يتضح من مظهرهم أن خانة الديانة في البطاقات الشخصية تشي بكونهم مسيحيين، ورغم حذف كل أسئلة واتهامات مراحل ما قبل الجامعة من قاموس اللقاءات المشتركة، إلا أن هؤلاء اختاروا أن ينعزلوا عن الجميع إلى جوار ذلك المبنى الذي أطلقوا عليه اسم "العميد"، محيطين أنفسهم بهالة من الغموض حول أحاديثهم السرية.تنظيم الوقت وتطبيقات التقويم
وبالقطع كان هناك مسيحيون أخرون رافضون لمجتمع "العميد"، مؤكدين على رغبتهم بالاستمتاع بصحبة أصدقاء أخرين دون النظر إلى خانة الديانة بعدما جمعت بينهم محبة صادقة، ولكن هذه المحبة كانت تدفع البعض إلى توجيه عبارات من طراز "رغم أنك مسيحي لكن بجد بعتبرك أقرب من أخ"، "عارف أن عم جرجس هو أقرب صاحب لبابا" "هو أنت ليه يا نادر مش عايز تسلم.. أنا بحبك والله وخايف عليك"، وهذه الجملة الأخيرة تحديدًا كانت أحد روافد السخرية في حياتي، فصديقي الأنتيم صاحب هذه الجملة - ما زال هو الأقرب إلى قلبي- كان يشاركني كل الموبقات والكوارث التي قمنا بها معًا في شبابنا الغابر دون أن يخشى عليّ أو على نفسه من عاقبة أفعالنا، وفي الحقيقة كانت هذه العبارات لا تغضبني بل لعلها كانت تثير في نفسي غرورًا وبهجة لهذا الإطراء قبل أن أستوعب أنها عبارات تحمل هتك عرض لأفكاري ومعتقداتي الإيمانية.استكشاف الوجهات السياحية العالمية
مشهد 4
رجل في أول العقد الخامس من العمر وقد استطالت ذقنه حتى منتصف صدره، وهو يحمل والدي ويضعه في سيارته محاولًا إنقاذ حياته والتوجه به إلى أحد المستشفيات القريبة من المنزل، فيما أصاب الشلل جسدي لدرجة أني عجزت عن مساعدته في حمل ذلك الجسد الواهن في لحظاته الأخيرة.
كان هذا هو الشيخ محمود.. جارنا الذي يسكن في الجهة المقابلة لمنزلنا والذي هرع إلينا بمجرد سماعه لصرخات أمي.. كان الشيخ محمود عابس الوجه على الدوام لم يعرف وجهه الابتسامة، أو ربما كان يبتسم أحيانا ولكننا لا نراه فقد كان يتحاشى النظر إلينا وكنا نبادله نفس التصرف.. ولأنه شيخ ملتحي وزوجته منتقبة، فقد افترضت ضمنيًا أنه متعصب وكاره لنا معشر المسيحيين.. كانت أحكامي عليه مؤكدة وموثقة لا تقبل النقض.
ثم حضر الطبيب وهو يبلغني أسفه لعدم تمكنه من إنقاذ والدي الذي فارقت روحه جسده.. رحل والدي وبقي الشيخ محمود، لست أدري ما الذي دعاني إلى النظر في قسمات وجهه فوجدت دمعة قد تسللت إلى عينيه، وأخذ يربّت على كتفي، لم أتوقف كثيرًا حينها أمام هذا الرجل بعدما توقف عقلي عن إدراك ما يدور حولي، ولكن في المساء وجدته قد حضر إلى قاعة العزاء داخل الكنيسة، وكانت هذه أخر مرة أرى فيها الشيخ محمود الذي ظل غائبًا عن ذهني لفترة طويلة حينما بادرني أحد الأقارب بالسؤال عن ذلك الشيخ الذي كان معنا في المستشفى، سؤاله جاء كالصاعقة على رأسي فأنا حتى ذلك الوقت لم أكن أعلم اسمه ولم أشكره على موقفه. هنا اكتشفت أنني أيضا كنت عنصريًا جهولاً في أحكامي ولا أختلف عن كل هؤلاء الذين عانيت من أسئلتهم في الماضي!
مشهد 5
مئات المصلين في ميدان التحرير، وقد أحاط بهم مجموعة من الشباب المسيحيين. أحضان وأغاني ملحمية فور الإعلان عن تنحي مبارك. لحظات مسروقة بعيدًا عما يحمله الواقع الذي سرعان ما عاد يطلّ برأسه القبيحة على عتبات ماسبيرو، متسللاً بباقي جسده وهو يبحث عن "أخته كاميلا" إلى أن استقر على عرشه في جمعة قندهار لتعود المياه ممتزجه بـ"الصرف الطائفي"، لنشربها جميعا هانئين راضين بما كتبناه على أنفسنا، إلى أن يشاء الله ويغير حقيقة ما في القلوب.
عشر سنوات كاملة مرت منذ كتابة تلك السطور، تطورت خلالها جمعة قندهار بعدما أصيبت بلعنة التكنولوجيا وانتقلت إلى عالم الجهاد الإلكتروني، حيث منافسات “الليجا الدينية” التي أصبح لها نجوم من الطرفين وجمهور يعيش حالة من التدين الديجيتال، غالبًا ما يختفي بمجرد مغادرة استادات سامسونج وآيفون.
الغريب أن هذه المعارك الطاحنة على صفحات السوشيال ميديا تتبخر على أرض الواقع، والأكثر غرابة أن العنصرية الدينية نفسها تسقط في أول احتكاك بالحياة؛ فجميع المصريين يمتلكون حصصًا عادلة في المصائب دون تفرقة، وقد طحنت الحكومة الجميع بمنتهى المساواة، فلا تظن عزيزي جرجس أن الإنترنت أسرع لدى محمد، و كذلك شركات الكهرباء فتنكّل بالحج محمود بنفس مقدار المقدس جورج وذلك مراعاةً للوحدة الوطنية.
فيما تحكم العدالة العمياء وحوش الكيمياء وديناصورات الفيزياء وأساطين الصنعة، فلا تفرقة حرفيًا بين دماء حسن أو مرقص، فكلاهما صالح للتداول.
أما تريزا المتبرجة فلا تختلف كثيرًا في عدد محاولات التحرش بها عن فاطمة المنتقبة، في واحدة من أنجح تجارب المواطنة التي عرفها الشارع.
ولعل هذه الأزمات المتتابعة قد ولدت لنا نماذج مشرفة مثل مايكل ومصطفى، بعدما افتتحا أول مصنع للأثاث اعتمادًا على أخشاب أرغفة وزارة التموين.
وهنا شعرت للمرة الأولى أننا أصبحنا جميعًا كرة تحركها السوشيال ميديا كيفما شاءت؛ نرتدي أقنعتها ونتحاور وفق قواعدها، فهناك نصنع بطولاتنا الزائفة ونتحدث عن إنجازاتنا التي ما أنزل الله بها من سلطان، تعويضًا عما أصابنا على أرض الواقع، ولا مانع أثناء ذلك من ارتداء ملابس حراس العقائد السماوية عن جهل وإصرار، غافلين عن حقيقة بسيطة: لسنا نحن من نحمي عقائدنا، بل عقائدنا هي التي يفترض أن تحمينا من سيئات أعمالنا وشرور أنفسنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم... امضوا بسلام، فسلام الرب معكم.
نقلا عن تليجراف





