"مساوٍ للآب في الجوهر": هل تستطيع الفلسفة أن تفهم الثالوث؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
 
رأينا في الحلقة السابقة ماريوس ڤيكتورينوس، أستاذ البلاغة والفيلسوف الأفلاطونيّ الشهير في روما، ينتقل من اقتناعٍ بالمسيحيّة يحتفظ به لنفسه إلى اعترافٍ علنيّ يعيد شكل حياته. وبعد تحوّله حمل معه ثقافةً فلسفيّة استثنائيّة إلى واحدة من أعقد أزمات القرن الرابع: كيف يكون المسيح، الابنُ المولود من الآب، إلهًا حقًّا من دون أن يكون إلهًا ثانيًا أو مخلوقًا يأتي بعد الله؟ كان مجمع نيقية عام ٣٢٥ قد استخدم لفظ "homoousios"، أي إن الابن "مساوٍ للآب في الجوهر". غير أن اللفظ نفسه صار محور نزاع طويل: كيف يمكن للآب والابن أن يكونا متميّزين، وفي الوقت عينه يشتركان في الجوهر الإلهي الواحد؟(١)
 
كتب ڤيكتورينوس مؤلفاته بشأن الثالوث بين نحو عام ٣٥٨ وعام ٣٦٣، حين كانت الصيغة النيقاويّة تتعرّض لضغط شديد. ورأى أن القول إن الابن "شبيه" بالآب لا يكفي، فالمخلوق يمكن أن يشبه الله من دون أن يكون إلهًا. فإذا كان الابن، كما يقول إنجيل يوحنّا، "الكلمة" و"الحياة"، فلا يمكن وضعه في مرتبة الكائنات التي تستمدّ وجودها من الله. ولهذا خصّص رسالة للدفاع عن ضرورة قبول لفظ "homoousios"، محاولًا أن يبيّن فلسفيًّا أن ولادة الابن من الآب لا تعني خلقه أو تأخّره عنه(٢).
 
وقد كانت الصعوبة نابعةً من اللغة نفسها. فنحن حين نتحدّث عن الولادة نفترض عادةً زمنًا يسبق فيه الأب ابنه، وحين يتولّد شيء من شيء مادّي يمكن أن ينقسم عنه أو ينقصه. فإذا نقلنا هذه الصور مباشرةً إلى الله، صار الابن إمّا لاحقًا للآب أو جزءًا انفصل منه أو مخلوقًا أوجَدَه. ويرى ڤيكتورينوس أن الخطأ يبدأ عندما نأخذ قوانين التغيّر المادّي ثم نفرضها على الوجود الإلهي. الله لا "يصبح" موجودًا، ولا يستقبل وجوده من غيره، فوجوده هو ذاته. ولهذا يكتب أن «الوجود عند الله هو جوهره نفسه»(٣). فإذا كان الله حيًّا وعاقلًا أزليًّا، فلا توجد لحظةٌ كان فيها بلا حياته أو بلا كلمته.
 
ومن هنا يستعين ڤيكتورينوس بميراثه الأفلاطونيّ المحدث، وخصوصًا بثلاثيّة "الوجود والحياة والفهم": *esse, vivere, intellegere. كانت الأفلاطونيّة المتأخرة قد فكّرت في العلاقة بين الوجود والحياة والعقل، وبيّن پيير آدو في دراساته الكلاسيكيّة أن هذا التراث يقف خلف جانب كبير من لغة ڤيكتورينوس. وقد نوقشت بعض تفاصيل فرضيّة آدو لاحقًا، لكن الأصل الأفلاطوني المحدث لهذا البناء واضح(٤). عند ڤيكتورينوس لا توجد هذه العناصر في الله بوصفها أجزاء منفصلة، فالوجود الإلهي حيّ وعاقل، والحياة الإلهيّة موجودة وعاقلة، والفهم الإلهي موجود وحيّ. ولهذا يتحدث عن الله بوصفه ذا ثلاث قوى في الوحدة: «الوجود والحياة والفهم»(٥).
 
ويستخدم هذه الثلاثيّة أحيانًا في التفكير في الأقانيم: فمثلًا، يرتبط "الوجود" عنده بالآب، و"الحياة" بالابن، و"الفهم" بالروح القدس، من دون أن يجعل واحدًا منها محتكرًا لصفة لا يملكها الآخران. الآب حيٌّ وعاقل، والابن موجودٌ وعاقل، والروح موجودٌ وحيّ. الهدف هو الحفاظ على التمايز من دون تقسيم الجوهر الإلهيّ. ومن هنا يستطيع أن يربط الابن بالحياة الإلهيّة ذاتها مستندًا إلى قول المسيح: «أنا هو الطريق والحق والحياة».
 
ويكتب: «الله هو فعل الحياة، والمسيح هو الحياة»(٦). فالحياة لا تأتي إلى الله من الخارج، والابن لا يظهر في وقت لم يكن موجودًا فيه؛ فولادته تعبّر عن علاقةٍ أزليّة داخل الحياة الإلهيّة نفسها.
 
ويستعين ڤيكتورينوس أيضًا بالتمييز بين القوّة والفعل، والسكون والحركة، لكي يشرح كيف يكون الابن صادرًا عن الآب من دون انتقالٍ زمنيّ. الولادة الإلهيّة لا تضيف إلى الله شيئًا لم يكن فيه، ولا تجعل الآب يكتسب ابنًا بعد أن كان بلا ابن. وهنا تظهر أكثر نقاط مشروعه جرأة: لقد استخدم أدوات الأفلاطونيّة المحدثة، لكنّه لم يستطع نقل نظامها كما هو إلى المسيحيّة. فعند أفلوطين يصدر "العقل" عن "الواحد"، ثم تصدر النفس عن العقل، في نظامٍ هرميّ يكون فيه الصادر أدنى من أصله. ولو نُقلتْ هذه البنية مباشرةً إلى الثالوث، لصار الابن أدنى من الآب، وهو ما كان ڤيكتورينوس يرفضه دفاعًا عن نيقية. لهذا غيّر الإيمان النيقاويُّ طريقة استعماله للفلسفة.
 
فأخذ من الأفلاطونيّة مفاهيم الواحد والكثرة، والوجود والحياة والعقل، والقوّة والفعل، لكنه رفض النتيجة الهرميّة التي تجعل الصادر أقلّ من مصدره.
 
الابن صادر عن الآب، لكنه يشاركه الجوهر الإلهي نفسه. وقد وصف ستيفان كوپر هذه الكتابات بأنها من أجرأ مشاريع اللاهوت الفلسفي في المسيحيّة اللاتينيّة القديمة(٧). فالفلسفة هنا لا تعطي العقيدة من ذاتها، وإنما تساعد على توضيح الفروق: بين الولادة والخلق، وبين التمايز والانقسام، وبين أن يكون أصل الابن في الآب وأن يكون أدنى منه في الطبيعة.
 
ولم يعمل ڤيكتورينوس بالفلسفة وحدها. ففي "ضد آريوس" فهو ينتقل باستمرار بين المفاهيم الميتافيزيقيّة ونصوص الكتاب المقدّس: "في البدء كان الكلمة"، "أنا والآب واحد"، "الله روح"، ووصف بولس للمسيح بأنه صورة الله وقوّته وحكمته. وكان يعرف اعتراض خصومه بأن كلمة "homoousios" نفسها لا توجد في الكتاب المقدّس. وجوابه أن اللفظ قد لا يكون كتابيًّا بحروفه، لكن المعنى الذي يحميه نابع من القراءة التي تريد الحفاظ على ألوهيّة الابن كما تعبّر عنها النصوص. المصطلح الفلسفي يقوم هنا بوظيفة الضبط: يحدّد ما تريد الجماعة أن تقوله حين تقرأ النصوص، وما تريد استبعاده من تأويلات لها(٨).
 
ويصبح بناء ڤيكتورينوس أقلّ وضوحًا حين يتحدّث عن الروح القدس. فقد حاول أن يربطه خصوصًا بـ"الفهم"، وبالحركة التي تعود فيها الحياة الإلهيّة إلى ذاتها في معرفة كاملة. تحمل بعض نصوصه بناءً متماسكًا، بينما تجعل صيغ أخرى الروح يبدو وكأنه المرحلة الثالثة في حركة ميتافيزيقيّة. فهو كان يكتب في زمن لم تزل فيه اللغة الثالوثيّة نفسها تتكوّن، قبل أن يقدّم الكبادوكيّون في الشرق تمييزاتهم الأشهر بين الجوهر الواحد والأقانيم الثلاثة. ولهذا لا نقرأه بوصفه صاحب صياغة نهائيّة، وإنما بكونه واحدًا من المفكّرين الذين دفعوا اللغة المسيحيّة إلى حدودها الفلسفيّة. حتّى القدّيس جيروم لاحظ صعوبة أسلوبه، فقال إن كتبه ضد آريوس كُتبت «بطريقةٍ جدليّة شديدة الغموض، لا يفهمها إلّا المتعلّمون» (٩). ومع ذلك تكشف هذه الصعوبة عن مشروعٍ مهم: ڤيكتورينوس أراد أن يأخذ الثالوث بجدّيته الميتافيزيقيّة، فلم يكتفِ بترديد الصيغة النيقاويّة، وحاول أن يبيّن كيف يمكن للعقل أن يتحدّث عن وحدة إلهيّة لا تلغي التمايز، وعن ولادة لا تعني خلقًا، وعن مصدر لا يجعل الصادر منه أقلّ ألوهيّة.
 
وترك هذا المشروع أثرًا في الفكر اللاتيني اللاحق، وخصوصًا في أغسطينوس. فقد أشارت الدراسات منذ زمن إلى الصلات بين ثلاثيّة "الوجود والحياة والفهم" عند ڤيكتورينوس ومحاولات أغسطينوس البحث عن آثار الثالوث في النفس. كما ذهبت دراسات حديثة إلى أن أثر ڤيكتورينوس في ميتافيزيقا أغسطينوس ربما كان أعمق مما افترضه البحث السابق.
 
وهكذا وصل ڤيكتورينوس إلى أغسطينوس مرّتين: بقصّة تحوّله التي حرّكت إرادته، وبالفلسفة التي ساعدت على تكوين لغته في التفكير في الله(١٠). لم يكن يعتقد ڤيكتورينوس أن العقل يستطيع أن يستنتج الثالوث من العالم أو من أفلوطين. نقطة البداية عنده هي الإيمان والكتاب المقدّس وصيغة نيقية. أمّا وظيفة العقل فهي أن يسأل عن معنى ما يؤمن به: هل "مولود" تعني بالضرورة "مخلوق"؟ هل كلّ صدور يحدث في الزمن؟ هل التمايز يقتضي الانقسام؟ وهل وحدة الله تمنع وجود علاقات حقيقيّة فيه؟ في هذه المساحة وضع ڤيكتورينوس كلّ ما تعلّمه من الفلسفة في خدمة البحث عن فهم أعمق.
 
إنّ أهميّة الفيلسوف ماريوس ڤيكتورينوس تكمن في أنه لم يحاول إثبات أن الفلاسفة عرفوا الثالوث قبل المسيحيّة. لقد أخذ من الأفلاطونيّة لغة "الوجود والحياة والعقل"، ثم غيّر طريقة استعمالها حين اصطدمت باعتراف نيقية بأن الابن مساوٍ للآب في الجوهر. وساعدته الفلسفة على فهم الإيمان، والإيمان أجبر فلسفته بدوره على أن تعيد النظر في بعض مسلّماتها.
 
في الحلقة القادمة ننتقل إلى القدّيس غريغوريوس النيسيّ: إذا كان الله غير محدود، فهل تستطيع معرفة الإنسان المحدودة أن تبلغ إليه، أم أن معرفة الله رحلة لا تنتهي؟