حين صار الكتاب المقدّس عربيًّا
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
كان الكتاب المقدّس حاضرًا في العالم العربي قبل أن يصبح لدينا «كتاب مقدّس عربيّ» بالمعنى المادي للكلمة. فقد عاشت في شبه الجزيرة العربيّة وما حولها جماعات يهوديّة ومسيحيّة منذ قرون، وكانت قصص آدم ونوح وإبراهيم ويوسف وموسى وداود ومريم والمسيح وغيرها متداولة في هذا الوسط. ويرى سيدني جريفيث أن القرآن نفسه شاهد مهم على هذا الحضور؛ فهو يفترض لدى جمهوره معرفة واسعة بالشخصيات والروايات الكتابيّة، ويستدعي كذلك تقاليد يهوديّة ومسيحيّة جاءت من خارج النصوص القانونيّة. هذا دفع جريفيث إلى التفكير في بيئة كانت فيها المادة الكتابيّة متداولة بالعربيّة إلى حد كبير عن طريق الرواية والشرح والتعليم الشفهي. 
 
وهنا ينبغي التمييز بين معرفة الكتاب المقدّس بالعربيّة وامتلاك نسخة مكتوبة منه بالعربيّة. لقد حاول بعض الباحثين، وفي مقدمتهم إرفان شهيد، إرجاع الترجمات العربيّة إلى ما قبل الإسلام، مستندين إلى أخبار المسيحيّين العرب في الحيرة ونجران وإلى إشارات قديمة للإنجيل والمزامير. ثم ذهب حكمت كاشوح إلى أن بعض تقاليد الأناجيل العربيّة الباقية قد ترجع في أصلها إلى القرن السادس، وربما إلى نجران. غير أن جريفيث يرى أن الشواهد التي بين أيدينا لا تثبت وجود ترجمة عربيّة مكتوبة واسعة التداول للكتاب المقدّس قبل الإسلام. فالحديث عن إنجيل في نجران، مثلًا، لا يخبرنا أن ذلك الإنجيل كان مكتوبًا بالعربيّة، ويمكن أن يكون النص سريانيًّا. 
 
ولا يعني هذا أن المسيحيّ العربي كان ينتظر ظهور الترجمة المكتوبة حتى يسمع الكتاب بلغته. يرجّح جريفيث أن القراءات والقصص والتعاليم الكتابيّة كانت تُنقل شفهيًّا إلى العربيّة، وربما استُعين أحيانًا بملاحظات مكتوبة قصيرة، بينما ظلّ النص الكامل موجودًا بلغاته الكنسيّة، ولا سيّما السريانيّة واليونانيّة. وهذه الصورة تفسّر اجتماع أمرين يبدو بينهما تناقض للوهلة الأولى: معرفة واسعة جدًا بالتراث الكتابي في البيئة العربيّة من جهة، وغياب الدليل القاطع على وجود كتاب مقدّس عربي مكتوب قبل القرن السابع الميلاديّ من جهة أخرى. 
 
أما التحول الكبير فيبدأ في أواخر القرن السابع والقرن الثامن. ويرجّح جريفيث أن ظهور القرآن في صورة كتاب مقدّس عربي مكتوب كان واحدًا من العوامل التي شجعت اليهود والمسيحيّين على نقل كتبهم المقدّسة إلى العربيّة كتابةً. لم يكن الدافع واحدًا؛ فقد احتاجت الجماعات المسيحيّة إلى العربيّة في التعليم والليتورجيا، كما وجدت نفسها أمام كتاب جديد يعيد رواية قصص الأنبياء والمسيح ومريم باللغة العربيّة.
 
ومن هنا ظهرت حاجة إلى أن يكون النص الكتابي نفسه متاحًا بهذه اللغة، سواء لخدمة الجماعة أو للدخول في الحوار والجدل الديني. ويلخّص مارتن ويتنجهام هذه الأطروحة في مراجعته لكتاب جريفيث بقوله إن ظهور القرآن مثّل «حافزًا وتحدّيًا» للجماعات الكتابيّة الأخرى كي تنتج ترجماتها العربيّة، وأن أحد دوافع ذلك كان، حسب عبارة جريفيث، الرغبة في «إظهار النصّ مباشرةً» إزاء الطريقة التي عرض بها القرآن الروايات الكتابيّة.
 
وتشير المخطوطات إلى أن القرن الثامن يمثل مرحلة واضحة في هذا الانتقال. يذكر جريفيث أن بعض أقدم الأناجيل العربيّة الباقية ترجع مخطوطاتها إلى أواخر القرن الثامن أو نحو عام ٨٠٠، لكنها نفسها نسخ عن نصوص أقدم.
 
وهو يقبل إمكان أن تصل أصول بعض هذه الترجمات إلى النصف الثاني من القرن السابع، مع بقائه حذرًا من دفعها إلى ما قبل الإسلام من دون دليل مادي.
 
أما كاشوح فيذهب أبعد، ويرى أن تاريخ «نقل» بعض الأناجيل العربيّة في القرن الثامن يفترض وجود ترجمة أقدم منها. وهكذا يقع الخلاف بين الباحثين في تأريخ الأصل الأول، أكثر مما يقع في حقيقة وجود تقليد عربي كتابي متطور بالفعل في القرن الثامن. 
 
ومع القرن التاسع تتغير الصورة بوضوح. تتكاثر الترجمات المسيحيّة للعهدين القديم والجديد، عن اليونانيّة والسريانيّة وغيرهما، ويصبح تداول النص الكتابي بالعربيّة جزءًا من الحياة الثقافيّة المسيحيّة. ويلاحظ جريفيث أن هذه الحركة لم تقتصر على الأناجيل؛ فقد تُرجمت رسائل بولس والتوراة والمزامير وأسفار أخرى.
 
ومن اللافت أن أقدم النصوص المسيحيّة العربيّة الأصليّة نفسها تستخدم الكتاب المقدّس بكثافة؛ فكتاب «في تثليث الله الواحد»، المؤلف نحو عام ٧٥٥، يتضمن عشرات الاقتباسات والإشارات الكتابيّة بالعربيّة. وهذا يعني أن المؤلف كان يعيش بالفعل في عالم يستطيع فيه أن يصوغ الحجّة اللاهوتيّة مستندًا إلى نصوص كتابيّة عربيّة.  
 
وفي الوسط اليهودي سار التحول في مسار مشابه، وإن جاء ازدهاره المكتوب لاحقًا قليلًا. لا يملك الباحثون دليلًا مقنعًا على وجود ترجمة يهوديّة عربيّة مكتوبة للكتاب المقدّس قبل الإسلام، لكن شذرات الجنيزة تكشف عن ترجمات يهوديّة عربيّة في القرن التاسع، وبعضها يبدو أنه يعتمد بدوره على ترجمات أقدم. ثم جاء سعيد بن يوسف الفيومي، سعديا جاؤون (٨٨٢–٩٤٢)، فصارت ترجمته للتوراة وتفسيرها، المعروفة باسم «التفسير»، إحدى أهم المحطات في تاريخ الكتاب المقدّس بالعربيّة. وقد كتبت بالعربيّة اليهوديّة، أي باللغة العربيّة بالحروف العبريّة، فجمعت بين اندماج اليهود في الثقافة العربيّة واستمرار تقليدهم الكتابي الخاص. 
 
وترجمة سعديا مهمة أيضًا لأنها تكشف أن الترجمة كانت تفسيرًا. فقد اختار تعبيراته وفق فهمه للنص العبري، وعالج المواضع التي قد توحي بالتجسيم، واستعمل مفردات وأدوات فكرية كانت متداولة في البيئة الإسلاميّة. ثم خرج «تفسيره» من الوسط اليهودي نفسه؛ فاستعمله سامريون ومسيحيون أيضًا، ووصل إلى التقليد القبطي العربي. وهنا ندرك أننا أمام ظاهرة أوسع من مجرد انتقال نص من لغة إلى أخرى: النصوص العربيّة أخذت تعبر الحدود بين الجماعات.
 
ومنذ القرن التاسع فصاعدًا أصبحت العربيّة لغةً مشتركة لتداول الكتاب المقدّس. كان اليهودي يستطيع أن يفسّر التوراة بالعربيّة، والمسيحي يقرأ الإنجيل ويستشهد به في لاهوته بالعربيّة، والمسلم يطّلع على هذه النصوص ويقتبس منها أو يناقشها. وقد شدد جريفيث على أن الترجمات العربيّة كانت أكثر انتشارًا مما افترضه كثير من الباحثين سابقًا، وأن انتقالها بين الجماعات أسهم في تشكيل فضاء فكري التقت فيه الكتب الثلاثة من غير أن تذوب الفروق الدينيّة بينها.
 
وهذا هو المعنى الأعمق لعبارة «حين صار الكتاب المقدّس عربيًّا». لم تتغير لغة المخطوط فحسب ولكن تغيّر أيضًا موقع الكتاب المقدّس داخل الثقافة. فقد دخل النص إلى لغة الفلسفة وعلم الكلام والمناظرة والتعليم والحياة اليوميّة، وأصبح من الممكن أن ينتقل بين المسيحي واليهودي والمسلم داخل فضاء لغوي واحد. وظلت العبرية واليونانيّة والسريانيّة والقبطيّة حاضرة، لكن العربيّة أصبحت هي الأخرى لغة يستطيع بها أهل الكتاب أن يقرؤوا نصوصهم ويشرحوها ويدافعوا عن فهمهم لها.
 
وفي الحلقة القادمة نذهب إلى مصر في القرن العاشر، حيث نجد مرحلة أخرى من هذا التحول: لم تعد العربيّة تحمل النص الكتابي والتفسير فقط، فقد أصبحت إحدى اللغات الكبرى التي يؤلَّف بها اللاهوت القبطيّ نفسه.
 
ساويرس بن المقفّع… حين صار اللاهوت القبطيّ يفكّر بالعربيّة.