تصدر اسم عبدالرحمن السيد، الطبيب الأميركي من أصول مصرية، واجهة المشهد السياسي في ولاية ميشيجان بعد فوزه ببطاقة الترشح لمقعد مجلس الشيوخ الأميركي، في سباق تمهيدي وصفته تقارير بأنه من أكثر السباقات كلفة وتوتراً، شهد تدخل جماعات ضغط خارجية أنفقت أضعاف ما أنفقته حملته الانتخابية. وإذا فاز في انتخابات نوفمبر المقبل أمام منافسه الجمهوري مايك روجرز، فسيصبح أول مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي، وهو ما يمنح السباق بعداً تاريخياً محتملاً يتجاوز حدود الولاية.
نشأة وتكوين علمي
وُلد عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم "عبدول السيد"، في مدينة روتشستر هيلز بولاية ميشيجان في 31 أكتوبر 1984، لأبوين مصريين، وكانت العربية لغته الأولى. نشأ في منطقة ديترويت، وواجه بحسب ما ذكر صعوبات في الاندماج خلال شبابه، إضافة إلى تعرضه لإهانات معادية للعرب عقب هجمات 11 سبتمبر 2001.
درس علم الأحياء والعلوم السياسية في جامعة ميشيجان، وتخرج عام 2007 بأعلى مرتبة شرف، قبل أن يحصل على منحة "رودس" للدراسة في جامعة أكسفورد، حيث نال درجة الدكتوراه في الصحة العامة عام 2011. وفي 2014 حصل على درجة الدكتوراه في الطب من جامعة كولومبيا، وعمل لاحقاً مسؤولاً في قطاع الصحة العامة بمقاطعة "وين" بميشيجان.
من الطب إلى الحلبة السياسية
لم تكن هذه محاولة السيد الأولى في العمل السياسي، إذ خاض انتخابات حاكم ولاية ميشيجان عام 2018، لكنه خسر أمام جريتشن ويتمر، الديمقراطية المعتدلة التي فازت بالمنصب. وفي السباق التمهيدي الأخير، تغلب على النائبة هيلي ستيفنز، التي حظيت بدعم من شخصيات في المؤسسة الحزبية، من بينها حاكمة الولاية ويتمر، إضافة إلى تمويل خارجي كبير.
وفي المقابل، حظي السيد بدعم شخصيات بارزة من الجناح التقدمي داخل الحزب، أبرزها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، التي وصفت السيد بأنه أكثر قدرة على التواصل مع الناخبين مقارنة بمنافسته.
حضور إعلامي وأسلوب خطابي مباشر
يُعرف السيد، وهو مقدم بودكاست سابق ومعلق سابق في إحدى الشبكات الإخبارية الأميركية، بقدرته على التواصل والخطابة، وقد أقرت منافسته هيلي ستيفنز بأنه "شخص موهوب"، وإن وصفته بأنه يعتمد على حضوره الإعلامي أكثر من برنامجه. وفي المقابل، لم يتردد السيد في توجيه انتقادات لاذعة لمنافسته خلال الحملة.
وعقب إعلان فوزه ببطاقة الترشح، هاجم الرئيس دونالد ترمب السيد ووصفه بأوصاف سلبية، كما زعم وجود تجاوزات في عملية التصويت بالولاية، في حين قبلت منافسته ستيفنز النتيجة وهنأته على الفوز. كما بدأ منافسه الجمهوري مايك روجرز استخدام اسم السيد الكامل عقب إعلان الفوز، في إشارة إلى هويته العربية والإسلامية.
انقسام داخل الحزب
عكست نتيجة الانتخابات التمهيدية في ميشيجان جدلاً أوسع داخل الحزب الديمقراطي بين التيار التقدمي الصاعد والقيادات التقليدية. فبينما يرى أنصار التيار التقدمي أن الهزيمة الرئاسية في 2024 تستدعي طرح برامج اقتصادية واجتماعية أكثر جرأة، يحذر بعض المراكز البحثية والقيادات الوسطية من أن الخطاب الأكثر راديكالية قد ينفّر الناخبين المستقلين في الانتخابات العامة.
ولم يقتصر هذا الزخم على سباق مجلس الشيوخ، إذ فاز مرشحون آخرون مدعومون من التيار نفسه بترشيحات لمقاعد في مجلس النواب عن الولاية.
أبرز مواقفه المعلنة
يلخّص السيد برنامجه في محاور رئيسية، منها:
الدعوة إلى نظام رعاية صحية شامل للجميع، مع تأكيده أن قرارات العلاج يجب أن تبقى بين المريض وطبيبه.
تأييد إلغاء وكالة الهجرة والجمارك الأميركية بصيغتها الحالية، مع التمسك بوجود حدود آمنة وإنفاذ قوانين الهجرة.
معارضة تمويل الشركات لحملته، ودعم إلغاء قرار قضية "سيتيزنز يونايتد" الخاص بالإنفاق السياسي.
تأييد رفع الضرائب على الدخول المرتفعة وفرض ضريبة على ثروات المليارديرات.
دعم حرية الإنجاب وحقوق المثليين، إلى جانب حماية حقوق المدنيين بغض النظر عن أصولهم أو معتقداتهم.
مواقف من قضايا السياسة الخارجية
في ملف السياسة الخارجية، يدعو السيد إلى أن يكون الإنفاق الأميركي داخلياً بدلاً من التمويل العسكري المفتوح لدول أجنبية، ويعارض المساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل والدول العربية على حد سواء. وبخصوص الحرب في غزة، دعا إلى تطبيق القوانين الأميركية التي تقيّد المساعدات العسكرية، ووصف تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل بأنه عامل مؤثر في استمرار الحرب.
كما عبّر عن معارضته الحرب مع إيران واصفاً إياها بغير القانونية، مؤكداً في الوقت ذاته رفضه امتلاك طهران سلاحاً نووياً، ومفضلاً الحلول الدبلوماسية. أما تجاه الصين، فيرى أن المنافسة ينبغي أن تكون اقتصادية وتقنية بعيداً عن التصعيد العسكري، مع الإبقاء على سياسة "الغموض الاستراتيجي" حيال تايوان.
اختبار نوفمبر
تشير التقديرات إلى أن جماعات مؤيدة لإسرائيل، من بينها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك"، تستعد لإنفاق مبالغ إضافية كبيرة لدعم منافس السيد الجمهوري في انتخابات نوفمبر. ويرى مراقبون أن نتيجة هذا السباق ستكون مؤشراً على مدى قدرة التيار التقدمي داخل الحزب على تحويل انتصاراته في الانتخابات التمهيدية إلى مكاسب فعلية في الانتخابات العامة، وسط منافسة متوقعة أن تكون أكثر صعوبة من السباق التمهيدي.
في الختام
يمثل مسار عبد الرحمن السيد نموذجاً لتحولات تشهدها الساحة الحزبية الأميركية، حيث تتقاطع الهوية الشخصية بالمواقف السياسية والانقسامات داخل المعسكر الواحد. وبين من يرى في صعوده بداية مسار طويل الأمد، ومن يعتبره اختباراً محدود الأثر مرتبطاً بظروف هذه الدورة الانتخابية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتكرر تجربة الولايات المتأرجحة الأخرى، أم أن ميشيجان تشهد استثناءً خاصاً بظروفها المحلية؟ متابعة تفاصيل السباق حتى نوفمبر تبقى الوسيلة الأدق للإجابة عن هذا السؤال.





