حين ساهم المسيحيّون في جعل العربيّة لغةَ العلم

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حين نتحدث عن التراث العربيّ المسيحيّ، قد يتبادر إلى الذهن الإنجيل واللاهوت والجدل مع المسلمين. لكن المسيحيّين لم ينقلوا إلى العربيّة كتب إيمانهم فقط. ففي بغداد العبّاسيّة كان أطباء ومترجمون مسيحيّون يعملون على مشروع آخر سيغيّر تاريخ الثقافة العربيّة: نقل الطب والفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك من اليونانيّة والسريانيّة إلى العربيّة. وخلال بضعة أجيال أصبحت اللغة التي كانت تُستخدم في الإدارة والشعر والدين قادرة أيضًا على أن تحمل جالينوس وأبقراط وأرسطو وإقليدس[١].

لم تبدأ هذه القصّة من الصفر. فقبل الإسلام بقرون كان المسيحيّون السريان قد ترجموا عددًا كبيرًا من المؤلفات اليونانيّة، ولا سيّما الطبية والفلسفيّة، إلى السريانيّة. وعندما أصبحت العربيّة اللغة الكبرى للدولة العباسيّة، كان بين المسيحيّين علماء يعرفون السريانيّة والعربيّة، وبعضهم يعرف اليونانيّة أيضًا. ولهذا لعبوا دورًا مهمًّا في نقل هذا التراث إلى اللغة الجديدة. ولم يكن الطريق دائمًا «يونانيّة ثم سريانيّة ثم عربيّة»؛ فقد تُرجم بعض الكتب مباشرة من اليونانيّة إلى العربيّة، وبعضها مرّ بالسريانيّة، كما بقيت السريانيّة نفسها لغة علم حيّة لدى جماعات مسيحيّة[٢].

وأشهر من يجسّد هذه الحركة هو حنين بن إسحاق، الطبيب المسيحيّ من كنيسة المشرق، الذي عاش في القرن التاسع. وقد ترك لنا وثيقة استثنائيّة هي «رسالة حنين بن إسحاق إلى علي بن يحيى في ذكر ما تُرجم من كتب جالينوس». لا يعطينا حنين فيها قائمة بالكتب فقط، بل يخبرنا أحيانًا كيف عمل عليها: مَن ترجم الكتاب قبله؟ هل كانت ترجمته جيّدة؟ كم نسخة يونانيّة وجد؟ ومن طلب منه الترجمة؟ وهل نقل الكتاب إلى السريانيّة أم إلى العربيّة؟[٣]. ومن أجمل ما يرويه حنين أنه ترجم في شبابه كتابًا لجالينوس اعتمادًا على نسخة يونانيّة واحدة كانت رديئة. وبعد أعوام، حين صارت تحت يده نسخ أخرى، جمعها وقارن بعضها ببعض حتى حاول الوصول إلى نصّ أصح، ثم عاد إلى ترجمته القديمة فصححها. أي إن المترجم لم يكن يبحث عن «معنى الكلمة» فقط، بل كان يسأل أولًا: ما النص الصحيح الذي ينبغي أن أترجمه؟ ولهذا تبدو طريقة حنين قريبة، في بعض جوانبها، من عمل محقّق النصوص اليوم[٣].

وفي واقعة أخرى أراد حنين ترجمة كتاب لجالينوس «في البرهان»، لكنه لم يجد منه نسخة كاملة. فراح يبحث عن مخطوطاته في العراق وسوريا وفلسطين ومصر، ووصل في بحثه إلى الإسكندريّة، ومع ذلك لم يستطع جمع الكتاب كاملًا. تكشف هذه القصّة أن حركة الترجمة لم تكن رجلًا يجلس أمام كتابين، بل كانت وراءها رحلات ومخطوطات ومقارنة نسخ، وشبكات من العلماء والأطباء والرعاة.[٤]. ولهذا ينبغي أيضًا الحذر من الرواية الشائعة التي تختزل المشروع كله في «بيت الحكمة». كان بيت الحكمة موجودًا في بغداد، لكنه لم يكن ببساطة جامعة حديثة جلس فيها كل مترجمي العصر. يبيّن ديمتري جوتاس أن حركة الترجمة كانت أوسع من مؤسسة واحدة؛ فقد شارك في تمويلها الخلفاء والوزراء والأطباء والعلماء وأسر ثريّة مثل بني موسى. كانت بغداد شبكة واسعة من الطلب على المعرفة، وكان المترجم يعمل أحيانًا بطلب من طبيب، أو عالم، أو أحد رجال البلاط[١].

ولم يكن حنين يعمل وحده. فقد شارك ابنه إسحاق بن حنين في ترجمة كتب الطب والفلسفة، كما عمل تلميذه وابن أخته حبيش بن الحسن على عدد من الترجمات العربيّة. ونجد أيضًا قسطا بن لوقا البعلبكيّ، وهو مسيحيّ ملكيّ، طبيبًا وفيلسوفًا وعالمًا بالرياضيات والفلك، ترجم وألّف بالعربيّة. وقد بيّنت فرانسواز ميشو ودانييل جاكار في دراساتهما عن الطب العربي الوسيط المكانة المهمة التي احتلها الأطباء والمترجمون المسيحيّون في نشأة الثقافة الطبيّة العربيّة.[٥] وقصّة قسطا بن لوقا تعطينا مثالًا رائعًا على ما صنعته الترجمة. فقد نُسبت إليه ترجمة جزء من كتاب «الحساب» لديوفانتس الإسكندريّ. وضاع الأصل اليوناني لبعض هذه الكتب، بينما بقي النص في ترجمته العربيّة. وحين أعاد الباحثون في العصر الحديث دراسة ديوفانتس، وجدوا أن جزءًا من الرياضيات اليونانيّة القديمة لا يمكن استعادته إلا عن طريق المخطوط العربي. أي إن العربيّة لم تكن فقط لغة استقبلت التراث اليوناني، بل أصبحت أحيانًا اللغة التي «حفظته» بعد ضياعه في أصله.[٦] لكن أثر هذه الحركة كان أعمق من حفظ الكتب. فالترجمة احتاجت إلى لغة جديدة للعلم. كيف تقول بالعربيّة ما يقوله جالينوس عن أعضاء الجسد ووظائفها؟ وكيف تعبّر عن البرهان والقياس والنسبة والمقدار؟ وكيف تنقل مفاهيم أرسطو المنطقيّة والفلسفيّة؟ لم تكن المصطلحات جاهزة كلها في قاموس ينتظر المترجم. كانت الكلمات تُختار وتُجرَّب وتُراجع، ثم يستعملها العلماء من بعدهم حتى تستقر. وهكذا لم ينقل المترجمون العلم إلى العربيّة فحسب؛ لقد ساهموا في صناعة «العربيّة العلميّة» نفسها[٧].

ولا يعني ذلك أن «الحضارة الإسلاميّة صنعها المسيحيّون»، كما قد تقول قراءة طائفيّة معاكسة. فحركة الترجمة نشأت داخل المجتمع العباسي، وموّلها مسلمون ومسيحيّون وغيرهم، واشترك فيها علماء من أديان وأصول مختلفة. لكن من غير الدقيق أيضًا أن نقول ببساطة إن «العرب ترجموا اليونان»، ثم تختفي أسماء المترجمين وخلفياتهم من الحكاية. الأدق تاريخيًّا أن الثقافة العربيّة في العصر العباسي كانت فضاءً مشتركًا، وكان للمسيحيّين، بفضل تراثهم السرياني ومعرفتهم باللغات وخبرتهم في الطب والفلسفة، دور بارز في بنائه. وهنا نصل إلى مرحلة جديدة في تاريخ التراث العربيّ المسيحيّ. في البداية كان المسيحيّ يترجم إلى العربيّة. ثم أصبح يشرح ويعلّق. وبعد ذلك ظهر جيل لم يعد يكتفي بنقل الفكر اليوناني، بل أخذ «يفكّر هو نفسه بالعربيّة».

ومن أجمل ممثلي هذه المرحلة يحيى بن عدي، المسيحيّ البغدادي الذي صار واحدًا من كبار فلاسفة عصره، ودرس على يديه مسلمون ومسيحيّون، وكتب في المنطق والأخلاق والفلسفة واللاهوت.

في الحلقة القادمة: «يحيى بن عدي… حين أصبح المسيحيّ فيلسوفًا عربيًّا».

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ