نادية هنرى
في عيد ميلاد العذراء مريم، ومع انتهاء صومها، ربما يكون أجمل ما يمكن أن نفعله ليس أن نفرح فقط بانتهاء الصوم، وإنما أن نتوقف قليلًا لنسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا، لكنه عميق:

لماذا صمنا؟ وماذا تعلّمنا؟
نحن نصوم كثيرًا، ونمتنع عن أطعمة وأشياء نحبها، ونحسب الأيام حتى نصل إلى العيد. لكن هل الصوم مجرد فترة تنتهي في موعد محدد، ثم نعود بعدها إلى كل ما كنا عليه؟

أم أن الصوم فرصة لكي نخرج منه بإنسان مختلف؟

ربما هذه هي النقطة التي تجعلنا نتأمل في حياة العذراء مريم.

العذراء لم تعلمنا فقط كيف نصوم، بل علمتنا كيف نؤمن.

علمتنا أن نطيع الله بسبب الثقة، وليس بسبب الفهم.

حين جاءتها البشارة، لم تكن تعرف كل ما سيحدث. لم تكن تعرف كيف سيكون الطريق، ولا كم من الألم ستدفع ثمنًا لقبولها مشيئة الله.

ومع ذلك قالت:
«هوذا أنا أمة الرب. ليكن لي كقولك».

يا لها من كلمة!

أن تقول “نعم” لله، وأنت لا تعرف كل الإجابات.

أن تثق قبل أن تفهم.

أن تسلم حياتك لله، حتى عندما يكون الطريق أكبر من قدرتك على استيعابه.

ثم مضت العذراء في الطريق، تحمل ابنها، وتراه يكبر أمام عينيها، حتى جاءت اللحظة التي تنبأ فيها سمعان الشيخ:

«وأنتِ أيضًا يجوز في نفسك سيف».

لم يكن سيف العذراء ينتظر يوم الصليب فقط.

فالأم تعرف أن الألم يبدأ أحيانًا قبل الألم نفسه.

كل أم تحمل أبناءها في قلبها، وتعرف معنى أن يعيش الإنسان وهو يحمل قلبه خارج جسده.

تفرح لفرحهم، وتبكي لألمهم، وتخاف عليهم حتى وهم لا يعرفون أنها خائفة.

وفي عالمنا اليوم، أصبحت الأم تواجه أنواعًا جديدة من السيوف.

أبناؤنا لا ينزلون إلى ورشة النجارة ليتعلموا من أبيهم يوسف كيف يصنعون نيرًا جيدًا، كما كان يسوع في طفولته.

لكنهم يحملون كل يوم نير العالم بكل ثقله.

التعليم وضغوطه.

العلاقات.

السوشيال ميديا.

التنمر.

التحرش.

الإدمانات.

المقارنة المستمرة.

والبحث عن القبول في عالم يضع أمامهم كل يوم نموذجًا جديدًا لما يجب أن يكونوا عليه.

وأصبحت الأم تتابع أبناءها وهي لا تعرف أي سيف سيأتيها من خلف شاشة هاتف، أو من علاقة، أو من كلمة جارحة، أو من طريق اختاره ابنها ولم تستطع أن تمنعه منه.

الأم اليوم لا تنتظر حتى تصل إلى الجلجثة.

أحيانًا تعيش الجلجثة في تفاصيل صغيرة كل يوم.

تضمد جرحًا هنا، وتصلح قلبًا مكسورًا هناك، وتخفي خوفها حتى لا يخاف أبناؤها، وتستمر في الصلاة بينما ينزف عمرها من أجلهم.

ولهذا كانت العذراء، وستظل، صورة الأمومة التي تفهمها كل أم.

لكن ربما نحن لا نحتاج في عيدها إلى أن نطلب منها معجزة فقط.

ربما نحتاج أن نطلب شيئًا أعمق:
أن نتعلم منها كيف نصبح نحن أنفسنا معجزة في حياة من حولنا.

فالفرق كبير.

نحن نطلب أحيانًا أن يتغير العالم من حولنا، بينما العذراء تعلمنا أن التغيير يبدأ من الإنسان نفسه.

علمتنا التواضع.

علمتنا الطاعة.

علمتنا الثقة.

علمتنا الصمت عندما يكون الصمت صلاة.

وعلمتنا أن الحب الحقيقي لا يهرب عندما يبدأ الألم.

والأجمل أنها تركت لنا وصية تكاد تختصر الطريق كله.

في عرس قانا الجليل، قالت للخدام:
«مهما قال لكم فافعلوه».

كم تغيرت حياتنا لو أننا أخذنا هذه الوصية بجدية!

فنحن كثيرًا ما نريد من الله أن يفعل ما نطلبه، وننسى أن نسأل أنفسنا:

هل نحن مستعدون أن نفعل ما يطلبه هو؟

نريد البركة، لكن هل نعيش وصيته؟

نريد السلام، لكن هل نصنع السلام؟

نريد الغفران، لكن هل نغفر؟

نريد المحبة، لكن هل نحب عندما يكون الحب مكلفًا؟

نريد حماية أبنائنا، لكن هل نعلّمهم الإيمان قبل أن نعلّمهم النجاح؟

نريد أن يكون أبناؤنا أقوياء في مواجهة العالم، لكن هل أعطيناهم أساسًا روحيًا يستطيعون أن يقفوا عليه عندما تهتز الأرض تحت أقدامهم؟

ربما لهذا لا ينبغي أن ينتهي الصوم بانتهاء أيامه.

الصوم الحقيقي هو ما يبقى فينا بعد الصوم.

إذا صمنا ولم نتغير، فقد صمنا عن الطعام فقط.

أما إذا خرجنا من الصوم أكثر تواضعًا، وأكثر رحمة، وأكثر قدرة على الغفران، وأكثر ثقة في الله، وأكثر حرصًا على أن نعيش وصاياه، فهنا يصبح الصوم بداية وليس نهاية.

وفي عيد ميلاد العذراء مريم، ربما يكون أجمل احتفال بها أن نتعلم شيئًا من حياتها.

أن نتعلم أن نقول لله: “نعم” حتى عندما لا نفهم.

أن نربي أبناءنا بالحب وليس بالخوف.

أن نضع حياتهم في يد الله دون أن نتوقف عن مسؤوليتنا تجاههم.

أن نصلي من أجلهم، ولكن أيضًا أن نكون نحن الإجابة عن بعض صلواتهم.

أن نستثمر أعمارنا فيهم، لا في الأشياء التي ستنتهي، بل في الإنسان الذي سيبقى.

العذراء لم تكن أمًا عظيمة لأنها أعطت يسوع أشياء كثيرة، وإنما لأنها أعطته حضورها، وإيمانها، وطاعتها، وحبها.

وهذه ربما أعظم رسالة لكل أم اليوم.

فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى بيت جميل، ومدرسة جيدة، ومستقبل مضمون.

إنهم يحتاجون إلى أم وأب يستطيعون أن يقولوا لهم، بالفعل قبل الكلام:

هناك إله يحبكم، وهناك بيت يمكنكم أن تعودوا إليه، وهناك قلوب لن تتخلى عنكم.

وفي النهاية، ربما لا نحتاج أن نطلب من العذراء أن ترفع عنا كل ألم.

بل أن تطلب لنا أن نتعلم منها كيف نحمل الألم بالإيمان.

أن نفرح معها في الميلاد.

وأن نبكي إلى جوارها عند الجلجثة.

وأن ننتظر معها فجر القيامة.

فالحب وحده يستطيع أن يطرح الخوف.

والإيمان وحده يستطيع أن يعطي للألم معنى.

وفي عيد ميلاد أمنا العذراء مريم، وبعد انتهاء الصوم، دعونا لا نسأل فقط:

ماذا أكلنا؟ وماذا امتنعنا عنه؟

بل نسأل السؤال الأهم:
ماذا تغير فينا؟

وماذا تعلمنا من تلك الفتاة التي قالت لله “نعم”، فغيّرت كلمة ثقتها تاريخ البشرية؟

كل سنة وأمنا العذراء مريم بخير.

وكل سنة وكل أم تحمل أبناءها في قلبها، وتصلي من أجلهم، وتخاف عليهم، وتحبهم أكثر مما تستطيع الكلمات أن تصف.

وكل سنة وأبناؤنا في حماية الله، وفي حضن محبته.

«مهما قال لكم فافعلوه».

وليتنا، في عيدها، لا نكتفي بأن نكرمها بالكلمات، بل نتعلم أن نحيا شيئًا من إيمانها.