الفلسفة اليونانيّة: كيف تصبح حكمة الوثنيّين جزءًا من تربية العقل المسيحيّ؟*

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
قبل أن نغادر العصر الآبائيّ إلى الفلاسفة الذين جاؤوا بعد أغسطينوس، نعود قليلًا إلى الوراء لثلاثة مفكّرين مررنا زمنيًّا من أمامهم ولم نعطهم حقّهم: كليمندس السكندريّ، وماريوس ڤيكتورينوس، وغريغوريوس النيسيّ. ونبدأ من الإسكندريّة في أواخر القرن الثاني.

عاش كليمندس نحو عام ١٥٠ إلى عام ٢١٥ أو ٢١٦، وقضى أهمّ مراحل نشاطه الفكريّ في الإسكندريّة. كانت الإسكندريّة واحدًا من أكثر مراكز العالم القديم تركيبًا من الناحية الفكريّة. عاش فيها تراثٌ فلسفيّ يوناني قويّ، وجماعة يهوديّة صاحبة ثقافة هلّينيّة عميقة، ومنها خرج قبل كليمندس بقرن تقريبًا فيلون السكندريّ، الذي قرأ الكتاب المقدّس اليهوديّ بأدوات فلسفيّة يونانيّة. كما انتشرت فيها مدارس دينيّة وفلسفيّة متنافسة، ومنها الجماعات التي سيطلق عليها المؤرخون لاحقًا اسم "الغنوصيّة". جاء كليمندس إلى المسيحيّة داخل هذا العالم، ولذلك لم يكن يستطيع أن يتعامل مع الفلسفة وكأنها ثقافة أجنبيّة يمكن تجاهلها؛ فهي اللغة التي يفكّر بها المتعلّمون الذين يخاطبهم. وكان المسيحيّون أنفسهم مختلفين في تقدير هذا التراث. فقد ارتاب بعضهم في الفلسفة لأن منها خرجت تصوّرات تناقض الإيمان المسيحيّ، ولأن الفلاسفة أنفسهم لم يتّفقوا في طبيعة الله والنفس والعالم والخير. أما كليمندس، فاختار طريقًا آخر سبق أن وجدنا بداياته عند يوستينوس الشهيد، لكنه طوّره بصورة أوسع: إذا كان العقل البشري قادرًا على إدراك شيء من الحقيقة، فلا يمكن أن يصبح ما أدركه باطلًا فقط لأنّ قائله يونانيّ أو وثنيّ.

ومن هذه الفكرة بنى كليمندس تصوّره لدور الفلسفة في تاريخ العناية الإلهيّة. ففي الكتاب الأول من "الستروماتا" يقول إن الفلسفة كانت نافعة لليونانيّين قبل مجيء المسيح، وإنها أصبحت نوعًا من التدريب أو التربية الممهّدة للإيمان. ثم يعقد مقارنة جريئة: كما أدّت الشريعة عند العبرانيّين وظيفة تربويّة تقود إلى المسيح، أدّت الفلسفة وظيفةً تربويّة بين اليونانيّين، فـ"مهّدت الطريق" لمن يبلغ كماله في المسيح(١). لا يساوي كليمندس بهذا بين الفلسفة والكتاب المقدّس. وهو نفسه يميّز بين ما أعطاه الله مباشرةً في العهدين القديم والجديد وبين الخيرات التي وصلت إلى البشر بطرق أخرى. لكن الفلسفة، في نظره، لا تقع خارج العناية الإلهيّة. لقد استطاع اليونانيّون أن يعرفوا حقائق عن الفضيلة والعدل والنفس والله، وهذه الحقائق نفسها تحتاج إلى تفسير: إذا كان الله مصدر العقل والخير، فمن أين جاءت الحقيقة التي استطاع عقل وثنيّ أن يدركها؟

يستخدم كليمندس صورة المطر ليشرح فكرته. المطر الواحد ينزل على الأراضي المختلفة، لكن الأرض لا تنتج دائمًا الثمر نفسه. تنبت في مكان سنابل، وفي آخر أعشاب، وتختلف الثمار حسب الأرض التي تستقبل المطر. وكذلك زرع الله في البشر منذ البدء إمكان معرفة الحقيقة، لكن الأزمنة والثقافات والاستعدادات المختلفة جعلت ما أنتجه البشر متفاوتًا(٢). فوجود حقّ عند اليونانيّ لا يعني أن فلسفته كلّها وحي إلهي، كما أن وجود خطأ فيها لا يلغي كلّ ما أدركته من حقّ. وهذا هو الفارق بين كليمندس وبين موقف يكتفي باستبدال الفلسفة بالإيمان. لقد أراد أن "يميّز داخل الفلسفة نفسها". فلا توجد عنده مدرسة يونانيّة واحدة تمتلك الحقيقة. الأفلاطونيّون أدركوا أشياء، والرواقيّون أدركوا أشياء أخرى، ويمكن العثور على أفكار نافعة أيضًا في مدارس مختلفة. ويصرّح في "الستروماتا" بأن ما يسمّيه "الفلسفة" لا يعني مذهب أفلاطون أو أرسطو أو زينون وحده، وإنما ما يوجد في هذه المذاهب من تعاليم صحيحة تقود إلى البرّ والمعرفة(٣).

لهذا يمكن وصف طريقته بأنها انتقائيّة، بشرط ألّا نفهم الانتقاء بوصفه جمعًا عشوائيًّا للاقتباسات. فيوجد معيار يحكم الاختيار: الحقيقة التي تبلغ كمالها عنده في "اللوغوس"، الكلمة الإلهيّ. يأخذ من الأفلاطونيّة ما يساعده على التفكير في تعالي الله والعالم المعقول، ويستفيد من الرواقيّة في الأخلاق وضبط الأهواء، ويستخدم أدوات منطقيّة وأرسطيّة في التعريف والتقسيم والبرهان. وقد بيّنت دراسات حديثة أن استعماله للفلسفة يتجاوز الاقتباس والزينة الثقافيّة؛ فالكتاب الثامن من "الستروماتا"، مثلًا، يناقش التعريف والتقسيم والمقولات والمفاهيم بطريقة تكشف اشتغالًا حقيقيًّا بقضايا المنطق ونظريّة المعرفة(٤). ومن ثمّ يصبح كليمندس أكثر من لاهوتيّ استعان بالفلاسفة لتفسير المسيحيّة. إنّه يحاول بناء "ثقافة عقليّة مسيحيّة" تستطيع استيعاب ما أنتجه العالم القديم من معرفة، ثم فحصه وإعادة ترتيب قيمته.

وتتضح هذه الفكرة في موقفه من التعليم العام، أو ما كان اليونانيّون يسمّونه "paideia". فالإنسان لا يصل إلى الحكمة بامتلاك نصوص مقدّسة فحسب. فهو يحتاج أيضًا إلى اللغة والمنطق والحساب والموسيقى والمعرفة التي تدرّب العقل على النظام والتمييز. ويشبّه كليمندس مَن يريد الوصول إلى معرفة عميقة من دون هذه التربية بمن يريد أن يقطف ثمار الكرم من دون أن يزرع ويحرث ويعتني بالأرض. يمكن للمؤمن أن يخلص من دون أن يصبح فيلسوفًا أو عالمًا في الرياضيات، لكن مَن يريد أن يعلّم ويفحص الأفكار ويميّز الحقّ من الشبيه بالحقّ يحتاج إلى عقل مدرَّب(٥). وتكشف هذه النقطة شيئًا مهمًّا في مشروعه. فالفلسفة عنده لا تعمل أساسًا بوصفها مخزنًا لأفكار نستعير منها ما نحتاج إليه، وإنما بوصفها "تدريبًا للعقل". فالمنطق يعلّم الإنسان ألّا ينخدع بالحجج الزائفة؛ ودراسة اللغة تمكّنه من فهم النصوص؛ ومعرفة المذاهب تساعده على إدراك مواضع الاتفاق والاختلاف؛ والفلسفة الأخلاقيّة تدرّبه على التفكير في الفضيلة والسعادة والأهواء. لذلك يستطيع كليمندس أن يستخدم الثقافة اليونانيّة ضد بعض النتائج التي وصلت إليها الثقافة اليونانيّة نفسها.

وهذا ما يفسّر حرّيته في نقد الفلاسفة الذين يستفيد منهم. لا يتردّد في الاعتراض على التصوّرات الماديّة لله، وعلى إنكار العناية الإلهيّة، وعلى تحويل الجدل إلى براعة لغويّة هدفها الانتصار على الخصم. وهو واعٍ أيضًا بأن الفلسفات تتناقض فيما بينها. لذلك لا تمنح الفلسفة الإنسان معيارها النهائيّ بنفسها؛ إنها تحتاج هي الأخرى إلى أن تُفحص. وقد ورث كليمندس من ثقافة عصره فكرةً كان المسيحيّون واليهود يستخدمونها دفاعيًّا: أن اليونانيّين أخذوا جانبًا من حكمتهم من الشعوب الأقدم منهم، وأن أفلاطون وغيره ربما عرفوا بصورة ما شيئًا من تراث موسى والأنبياء. يكرّر كليمندس هذه الحجّة طويلًا في "الستروماتا"، ويحاول إثبات أسبقيّة موسى على الفلاسفة اليونانيّين(٦). ولا تقوم القيمة الفلسفيّة لمشروعه اليوم على صحّة هذه الدعوى التاريخيّة؛ فالبحث الحديث لا يحتاج إلى افتراض أن أفلاطون تعلّم أفكاره من موسى كي يفسّر أوجه التقارب بين التراثين. الأهم أن كليمندس كان يحاول كسر الاحتكار اليوناني لمفهوم "الحكمة": الحضارة اليونانيّة لم تبدأ العقل، والحقيقة أقدم من أثينا.

وفي هذا يواصل خطًّا بدأناه مع يوستينوس، لكن مع اختلاف يستحقّ الانتباه. تحدّث يوستينوس عن "بذور اللوغوس" المنتشرة بين البشر، ولهذا استطاع سقراط وهيراقليطس وغيرهما أن يدركوا أجزاء من الحقيقة. أما كليمندس، فيضع هذه الفكرة داخل تصوّر تربويّ أكثر اتساعًا. فالعناية الإلهيّة تقود التاريخ بطرائق مختلفة: الشريعة تربّي، والفلسفة تربّي، والعلوم تدرّب العقل، ثم يأتي "اللوغوس" ليجمع ما تفرّق ويقوده إلى غايته. الفلسفة إذًا مرحلة في التربية، وليست منافسًا للوحي. ويفسّر ذلك أيضًا الطريقة التي كتب بها أعماله الكبرى. ففي "الحثّ" يدعو القارئ إلى ترك الحياة الوثنيّة والتوجّه إلى "اللوغوس". وفي "المربّي" ينتقل إلى تكوين الحياة والسلوك وضبط الرغبات. ثم تأتي "الستروماتا" بمناقشاتها الأكثر تعقيدًا في الفلسفة والمعرفة والتفسير. المعرفة المسيحيّة عنده ليست معلومات إضافيّة يكدّسها الإنسان، وإنما مسار تربية يشمل العقل والحياة معًا. ولهذا بقي المثال القديم للفيلسوف حاضرًا في فكره: الفيلسوف الحقيقي لا يُعرف بما يستطيع قوله فقط، وإنما بنوع الإنسان الذي صار إليه.

لقد استعار كليمندس من الرواقيّين مثلًا صورة الحكيم الذي لا تستعبده الأهواء، لكنه أعاد صياغتها مسيحيًّا. واستعار من الأفلاطونيّة فكرة تشبّه الإنسان بالله، ثم جعل هذا التشبّه مرتبطًا بمعرفة الله والمحبّة والحياة بحسب "اللوغوس". فالمسيحيّة عنده لا تهدم البحث الفلسفي عن "الحياة الصالحة"، وإنما تدّعي أنها تستطيع أن تمنحه غايته الكاملة(٧). ومن أجمل ما يكشف منهجه أنه لا يشعر بالحاجة إلى الاختيار بين هويّتين: إمّا أن يكون مسيحيًّا وإمّا أن يكون وريثًا للثقافة اليونانيّة. يستطيع أن يقرأ أفلاطون نقديًّا، ويتعلّم من الرواقيّين، ويستخدم المنطق، ثم يخالفهم حين يرى أن تصوّرهم لا يصمد أمام الحقيقة التي يؤمن بها. المعرفة التي تأتي من خارج الجماعة المسيحيّة لا تفقد قيمتها بسبب مصدرها، كما أنها لا تحصل على حصانة من النقد بسبب بريق اسم صاحبها.

بهذا المعنى ساهم كليمندس في تأسيس موقف سيصبح شديد الأهميّة في تاريخ الفكر المسيحيّ: "العقل الذي يفحص التراث أقدر على خدمة الإيمان من العقل الذي يخشاه". ليست مهمّة المؤمن أن يحمي الحقيقة من كلّ سؤال، كأنها يمكن أن تنهار إذا لامست فلسفةً أخرى؛ بل أن يتعلّم التمييز بين الحقيقة والخطأ، حتى حين يختلطان داخل المذهب نفسه. لكنّ هذا الانفتاح يقود كليمندس إلى مشكلة أدقّ. فإذا كان المؤمن البسيط يستطيع أن يؤمن ويخلص من دون هذه الثقافة الفلسفيّة، فما الذي يضيفه كلّ هذا البحث؟ ولماذا يسمّي كليمندس المسيحي الذي بلغ المعرفة العميقة "الغنوصي الحقيقي"؟ وهل يوجد عنده إيمان للعامة ومعرفة لفئة أرقى؟

هذه النقطة تأخذنا إلى قلب مشروعه أكثر من موقفه من الفلسفة نفسها؛ لأن الفلسفة عند كليمندس أداة في طريق أوسع ينتقل فيه الإنسان من الإيمان إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المحبّة والتشبّه بالله.

في الحلقة القادمة: كليمندس و"الغنوصيّ الحقيقي": هل الإيمان يكفي، وما الذي تضيفه المعرفة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ