هل حُرِّف الكتاب المقدّس؟
حين أصبح النصُّ نفسه موضوعَ المناظرة!
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في الخلاف بين مسيحيَّين يمكن للطرفين أن يفتحا الإنجيل نفسه، ثمّ يختلفا في معنى آية أو في طريقة تفسيرها. أمّا الحوار مع المسلمين فقد وضع المسيحيّين في القرون الأولى أمام مشكلة أسبق: ماذا لو قال لك محاورك إن الكتاب الذي تستشهد به نفسه لم يعد موثوقًا؟ من هنا أصبح على المسيحيّ الناطق بالعربيّة ألا يشرح فقط ما يقوله الإنجيل عن المسيح، ولكن أن يجيب أيضًا عن سؤال آخر: لماذا نثق بأن الأناجيل الموجودة بين أيدينا تنقل فعلًا شهادة المسيحيّين الأولى عن يسوع؟ وهكذا انتقل جانب من الجدل من تفسير الكتاب المقدّس إلى تاريخ الكتاب نفسه: مَن كتبه؟ وكيف انتقل؟ وهل تغيّر نصّه أم تغيّر تفسيره؟[١].
لكن من المهم ألّا نختصر الموقف الإسلاميّ المبكّر كله في جملة واحدة من نوع «المسلمون قالوا إن الإنجيل محرَّف». فالمشهد كان أكثر تعقيدًا. بعض الكتّاب المسلمين شكّكوا في النصوص المسيحيّة أو في صحة نسبتها إلى أصحابها، وبعضهم ركّز على أن المسيحيّين أساؤوا تفسيرها، بينما استخدم آخرون نصوصًا من الإنجيل نفسه ليجادلوا المسيحيّين بها. ومن الأمثلة اللافتة "القاسم بن إبراهيم الرسيّ" في القرن التاسع الميلاديّ. فقد استعمل مقاطع كثيرة من إنجيل متّى في كتابه «الرد على النصارى» ليبرهن، حسب قراءته، أن يسوع عبدٌ لله ورسول وليس إلهًا. لم يكن منطقه هنا: «كتابكم لا قيمة له»، بل أقرب إلى القول: «حتى كتابكم، إذا قرأناه قراءة صحيحة، لا يثبت العقيدة التي تستخرجونها منه». وقد لاحظ الباحثون أيضًا أن الطريقة التي ينقل بها بعض المقاطع تتضمن اختصارًا وإعادة صياغة تجعل النص أقرب إلى الحجة التي يريد بناءها[٢].
ويظهر نوع آخر من الاعتراض عند الجاحظ. فهو يعرف أن للمسيحيّين أربعة أناجيل، ويتوقف عند أسماء متّى ومرقس ولوقا ويوحنا، ثم يسأل عن أصحاب هذه الكتب وعن مدى إمكان وقوعهم في الخطأ والنسيان. ويستعمل ما يراه اختلافًا بين روايات الأناجيل لكي يعترض على افتراض أن كل ما وصل من طريق الإنجيليّين محفوظ من الغلط. هنا لم نصل بعد إلى نظرية سهلة تقول إن شخصًا جمع الأناجيل وغيّر كلماتها، ولكن إلى سؤال أكثر دقة: إذا كانت هذه الكتب قد نقلها بشر، فما الذي يجعل شهادتهم جديرة بالثقة؟ وهكذا صار المسيحيّ مطالبًا بالدفاع عن الشهود الذين نقلوا إليه هذا النص[٣].
ونرى المسألة أكثر وضوحًا في الحوار الذي دار ببغداد نحو عام ٧٨١م بين الخليفة العباسيّ المهدي والبطريرك طيموثاوس الأوّل. ففي أثناء الحديث عن محمد والنبوّات التي رأى المسلمون أنها تشير إليه، يصل الحوار إلى الاعتراض بأن اليهود والمسيحيّين قد غيّروا كتبهم أو حذفوا منها ما لا يناسبهم. يؤكد طيموثاوس أن هذا الاتهام غير صحيح، ويحاول أن ينقل العبء إلى مَن يدّعي وقوع التغيير: إذا كانت نبوّةٌ موجودةً ثم حُذفت، فأين النصّ السابق الذي يثبت وجودها؟ وكيف يمكن أن نعرف ما كان مكتوبًا قبل الحذف إذا لم توجد نسخة يمكن مقارنتها بالنص الموجود؟ بهذا المعنى بدأ الدفاع المسيحيّ يستعمل منطقًا تاريخيًّا: لا يكفي أن نقول إن النص تغيّر ولكن ينبغي أن نفسر أين ومتى وكيف وقع هذا التغيير[٤].
ويضيف طيموثاوس حجّةً أخرى أكثر طرافة. اليهود والمسيحيّون مختلفون جوهريًّا في شخص المسيح، لكن بينهم كتب مشتركة من العهد القديم. فإذا كان المسيحيّون قد حذفوا من هذه الكتب ما لا يناسبهم، فلماذا لم يحتفظ اليهود بالنص الأصلي ويفضحوا فعلتهم؟ وإذا كان اليهود هم الذين غيّروا الكتب، فكيف قَبِل المسيحيّون التغيير نفسه وهم في خصومة معهم؟ يستفيد طيموثاوس هنا من تعدّد الجماعات التي تتداول النص ليقول إن فرضية التغيير المنظَّم تصبح أصعب عندما يكون الكتاب موزعًا بين جماعات لا تخضع لسلطة واحدة ولا تتفق عقيديًّا فيما بينها[٤].
هذه الحجة ستصبح أكثر تفصيلًا عند عمّار البصريّ في ق ٩م. ومن اللافت أن ترتيب «كتاب البرهان» نفسه يكشف كيف تغيّر عمل عالم اللاهوت المسيحيّ في البيئة الإسلاميّة. عمّار لا يبدأ مباشرةً بالثالوث والتجسّد، ولكنّه يتحدث عن وجود الخالق والدين الحق وأسباب قبول المسيحيّة، ثم يدافع عن صحة الكتب التي سيستشهد بها، وبعد ذلك يدخل إلى العقائد المسيحيّة. فالمنطق واضح: لا معنى لأن أملأ صفحات بالاستشهاد بالإنجيل إذا كان مخاطبي يستطيع، عند كل آية، أن يقول إن هذا النص أُضيف بعد ذلك. لذلك أصبح الدفاع عن موثوقية النص مقدمةً للدفاع عن العقيدة نفسها[٥].
ومن أجمل أمثلته ردّه على دعوى أن «ملك الروم» غيّر الإنجيل. يقبل عمّار الفكرة افتراضًا، ثم يتابع نتائجها: لنقل إن إمبراطورًا بيزنطيًّا استطاع أن يجمع النسخ الموجودة في مملكته ويغيّرها، فماذا يفعل بالنسخ التي توجد عند المسيحيّين خارج سلطانه؟ وماذا عن الإنجيل الموجود بلغات مختلفة؟ لقد كان المسيحيّون موزعين بين إمبراطوريات وممالك وشعوب وكنائس، وكانت نصوصهم تُقرأ باليونانيّة والسريانيّة والقبطيّة وغيرها. فإذا غُيّر النص في منطقة واحدة، كان من المفترض أن تبقى النسخ الأخرى شاهدًا على الشكل السابق. ولهذا يجعل عمّار من تعدد لغات الإنجيل وانتشاره الجغرافي عنصرًا أساسيًّا في حجته[٦].
ثم يتوقع عمّار جوابًا آخر: ربّما لم يغيّر النص ملكٌ واحد، بل تواطأ الملوك والأساقفة والمسيحيّون في أماكن مختلفة. وهنا يتحول الرد إلى سلسلة من الأسئلة العمليّة داخل الحجة نفسها: كيف تمّ هذا الاتفاق؟ وأين اجتمع هؤلاء؟ ومَن استطاع أن يفرض النص الجديد على جماعات لا تخضع لسلطانه؟ وكيف يمكن تغيير نسخ بلغات متعددة في مناطق متباعدة من دون أن تبقى نسخة أو جماعة تكشف ما حدث؟ الفكرة التي يريد عمّار الوصول إليها هي: الاتهام يصبح أضعف كلما احتاج إلى افتراض مؤامرة أكبر لا نملك دليلًا تاريخيًّا عليها[٦].
ومع ذلك، لم تكن كلمة «التحريف» تعني دائمًا تغيير الكلمات. فقد يكون الاعتراض أن المسيحيّين يحتفظون بالنص ثم يعطونه معنى غير صحيح. وهذا يفسر لماذا يستطيع الكاتب المسلم نفسه أن يحتجّ بالإنجيل في موضع، ثم يرفض التفسير المسيحي له في موضع آخر. فقد يقول إن صلاة المسيح لله، أو حديثه عن الآب، أو جهله بساعة القيامة حسب أحد النصوص، دليل على بشريته؛ ثم يرد المسيحي بأن هذه القراءة تنتزع النص من الإطار الذي تفهمه الكنيسة في ضوئه. وهكذا جرت المناظرة أحيانًا على مستويين مختلفين: أهو النص الذي تغير، أم أن الخلاف الحقيقي في "من يفسّر النص تفسيرًا صحيحًا؟"[١].
ولهذا فالمجادلات القديمة أكثر إثارة من الصورة المبسطة التي نراها أحيانًا اليوم: مسلم يقول «الكتاب محرّف»، ومسيحي يجيب «ليس محرّفًا»، وتنتهي المسألة. في النصوص الفعلية نجد اعتراضات عن مؤلفي الأناجيل، واختلاف الروايات، وشهادة اليهود والمسيحيّين، وانتشار الكتب في بلاد متعددة، ووجود ترجمات مختلفة، وإمكان تدخل السلطة السياسيّة، والفرق بين تغيير النص وتغيير تفسيره. لم تكن هذه المناقشات علمًا حديثًا في المخطوطات، لكنها دفعت المسيحيّين والمسلمين معًا إلى التفكير في سؤال بالغ الأهمية: كيف نعرف أن نصًا قديمًا وصل إلينا بصورة يمكن الوثوق بها؟
وبالتأكيد، لا ينبغي أن نحمل حجج طيموثاوس وعمّار أكثر مما تحتمل. فهما لم يعرفا مخطوطات العهد الجديد بالطريقة التي يعرفها الباحثون اليوم، ولم تكن لديهما أدوات النقد النصّي الحديث، كما أن خصومهما المسلمين كانوا يكتبون داخل مجادلات هدفها إثبات صحة معتقدهم لا إعداد تاريخ محايد للنص. لكن قيمة هذه الكتابات أنها تكشف كيف غيّر اللقاء بالإسلام ترتيب الأسئلة التي يطرحها اللاهوت المسيحيّ. لم يعد كافيًا أن يسأل المسيحي: «ماذا يقول الإنجيل؟»، بل أصبح عليه أن يسأل أيضًا: كيف وصل الإنجيل إليّ، ولماذا أثق بالشهادة التي يحملها، وكيف أجيب مَن يقرأ النص نفسه بطريقة مختلفة؟
وهكذا لم تكن العربيّة لغة جديدة كُتبت بها العقيدة القديمة فحسب. لقد أدخلت المسيحيّين في فضاء فكري جديد جعلهم يعيدون التفكير في الوحي والنص والنقل والتفسير. والمفارقة أن اللغات التي استند إليها عمّار في الدفاع عن انتشار الإنجيل (اليونانيّة والسريانيّة وغيرها)، كانت في الوقت نفسه تدخل في مشروع آخر سيغير تاريخ الثقافة العربيّة كلها: منها كان المسيحيّون يترجمون الطب والفلسفة والمنطق والعلوم إلى العربيّة.
في الحلقة القادمة: لم يترجموا الإنجيل فقط… المسيحيّون وحركة الترجمة الكبرى من اليونانيّة والسريانيّة إلى العربيّة.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





