أيُّ دينٍ هو الحقّ؟ حين أصبح على المسيحيّ أن يبرهن على إيمانه

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
رأينا في الحلقة السابقة أن المسيحيّين، حين بدأوا يكتبون لاهوتهم بالعربيّة، لم يكتفوا بترجمة الكلمات القديمة إلى لغة جديدة. فقد وجدوا أنفسهم داخل عالم فكريّ يسأل عن وحدانيّة الله وصفاته وكلمته وروحه، فبدأوا يعيدون شرح الثالوث والتجسّد بلغة البرهان وعلم الكلام. لكن اللقاء بالإسلام أحدث تحوّلًا أعمق من ذلك: لم يعد السؤال فقط "ماذا يؤمن المسيحيّ؟ بل أصبح عليه أن يجيب أولًا عن سؤال أسبق: "لماذا ينبغي أن تكون المسيحيّة الدين الحقّ أصلًا؟

يمكن أن نرى هذا التحوّل بوضوح عند ثاودورس أبي قرّة، في نصّ طريف وعميق هو «ميمر في وجود الخالق والدين القويم». يتخيّل أبو قرّة إنسانًا نشأ بعيدًا عن المدن، لا يعرف دينًا ورثه عن أبويه، ثم يخرج إلى الناس فيجد أمامه جماعات كثيرة، وكل جماعة تدعوه إلى دينها وتقول إن الحق عندها. يقابل المجوسيّ والسامريّ واليهوديّ والمسيحيّ والمانويّ وأتباع فرق أخرى، ثم المسلم. وكل واحد يقدّم له صورة عن الله، وما يأمر به وينهى عنه، وما ينتظر الإنسان بعد الموت[١]. أهمية هذه تكمن في المشكلة التي يصنعها أبو قرّة. فهذا الإنسان لا يستطيع أن يقول: «سأبقى على دين آبائي»، لأنه لا يملك دينًا موروثًا. كما لا يستطيع أن يقبل أول جماعة تقابله لمجرد أنها تؤكد أنها صاحبة الحقيقة؛ فالجماعات الأخرى تقول الشيء نفسه. صار عليه أن "يميّز" بين دعاوى متنافسة، وأن يسأل بأي معيار يمكن للإنسان أن يعرف أن دينًا ما يأتي حقًّا من الله.

ولذلك وصف سيدني جريفيث هذا الجانب من فكر أبي قرّة بعبارة دقيقة: "تمييز الدين الحقّ". فالمتكلم المسيحي لم يعد يستطيع أن يبدأ دائمًا من الإنجيل، لأن المسلم الذي يحاوره لا يعترف سلفًا بأن الإنجيل، كما يفهمه المسيحي، هو المرجع الذي يحسم النزاع. ولذلك يحاول أبو قرّة أن يبدأ من أرض مشتركة أوسع: وجود الخالق، وما يليق بالله، وطبيعة الخير والشر، ثم العلامات التي يمكن أن تصدّق دعوى إنسان يقول إن الله أرسله[٢]. ولا يعني ذلك أن أبا قرّة صار باحثًا محايدًا في مقارنة الأديان بالمعنى الحديث. إنه مسيحي يريد الوصول بالقارئ إلى المسيحيّة. لكن الجديد هو "شكل الحجة". لم يعد يكفي أن يقول: «هذا ما تسلّمناه»، بل صار عليه أن يشرح لماذا يحق له أصلًا أن يعتبر ما تسلّمه وحيًا إلهيًّا. ولم تكن هذه المسألة تمرينًا فلسفيًّا بعيدًا عن الواقع. ففي بغداد، نحو عام ٧٨١ أو ٧٨٢، دار حوار شهير بين الخليفة العباسيّ المهدي والبطريرك طيموثاوس الأوّل، رئيس كنيسة المشرق. دوّن طيموثاوس الحوار لاحقًا بالسريانيّة، ولذلك لا يصح أن نعامله كما لو كان تسجيلًا حرفيًّا لكل كلمة قيلت، لكنه يظل واحدًا من أهم الشواهد المبكرة على الأسئلة التي كان المسيحيّ والمسلم يستطيعان أن يطرَحاها أحدهما على الآخر في قلب الدولة العباسيّة.[٣].

في إحدى لحظات الحوار يضع المهدي طيموثاوس أمام مشكلة شديدة الذكاء: المسيحيّون يقولون إنهم قبلوا المسيح لأن التوراة والأنبياء شهدوا له، فلماذا لا يقبلون محمدًا إذا كان الوحي السابق قد شهد له هو أيضًا؟ ويجيب طيموثاوس بأنه لو وجد في الإنجيل نبوّة واضحة عن مجيء محمد لكان ملزمًا بالتعامل معها بجدّية، لكنه لا يرى مثل هذه النبوّة في النص الذي يعرفه[٤]. وهنا لم يعد النقاش عن الثالوث أو التجسّد فقط، بل عن "منطق النبوّة نفسه". فإذا كان الله قد أرسل أنبياء متعاقبين، فما الذي يسمح للمسيحيّ بأن يقبل نبيًّا ويرفض آخر؟ وما العلامة التي تميّز الرسول الحقيقي من مَن يدّعي الرسالة؟ لقد فرض ظهور الإسلام على اللاهوت المسيحيّ الشرقي أن يعيد التفكير في موضوع كان موجودًا بالطبع في الكتاب المقدّس، لكنه لم يكن يُطرح بهذه الصورة من قبل: "كيف نتعرف إلى النبيّ؟" ويظهر ذلك بوضوح حين يسأل المهدي طيموثاوس مباشرة عمّا يقوله في الرسول محمد. فيجيبه البطريرك بأن محمدًا «سلك في طريق الأنبياء»، لأنه دعا إلى عبادة الإله الواحد، وحارب الوثنيّة، وحثّ قومه على أعمال الخير. والعبارة مهمة إلى درجة أنها أصبحت موضع خلاف بين الباحثين: هل كان طيموثاوس يقدّم جوابًا دبلوماسيًّا حذرًا أمام الخليفة؟ أم كان يسمح لنفسه بنوع من الاعتراف بمحمد داخل تصورٍ مسيحي خاص للنبوّة؟ وقد أعاد تشارلز تيزن دراسة المسألة حديثًا، فرأى أن كلام طيموثاوس لا ينبغي احتسابه مجاملةً سياسية فارغة، لكنه في الوقت نفسه لا يساوي ببساطةٍ الاعترافَ الإسلاميّ بمحمد بوصفه خاتم الأنبياء وحامل الوحي القرآنيّ[٥]. وهذا التفصيل يكشف شيئًا مهمًّا عن عالم هؤلاء المسيحيّين. لقد كانوا يعيشون في مجتمع لا يستطيعون فيه تجاهل الإسلام، لكنهم لم يكونوا مضطرين أيضًا إلى الاختيار بين طريقين فقط: إما قبول كل ما يقوله المسلم عن نفسه، وإما رفضه كله من دون تمييز. كان من الممكن أن يقول طيموثاوس إن في دعوة محمد إلى التوحيد ورفض الأصنام ما يراه متوافقًا مع طريق الأنبياء، ثم يظل مختلفًا معه في دعوى الوحي وفي المسيح والثالوث.

ومن هنا اكتسبت "المعجزة" أهمية جديدة. فلم تكن المعجزات موضوعًا جديدًا في المسيحيّة؛ فالأناجيل نفسها تروي آيات المسيح، والكتاب المقدّس يربط مرارًا بين الأنبياء والعلامات. الجديد هو أن المعجزة أصبحت تدخل في نقاش مقارن: إذا جاء إنسان يقول إن الله أرسله، فما العلامة التي تؤيد دعواه؟ ونجد هذا التفكير بوضوح عند أبي رائطة التكريتيّ في رسالته في «إثبات دين النصرانيّة». فهو يبحث عن أسباب يمكن أن تدفع الناس إلى اتباع دين، ثم يرفض أن تكون المنفعة الدنيويّة أو الخوف أو العصبيّة أو إرضاء الشهوات أو طلب الجاه دليلًا على صدقه. فكل هذه الأشياء قد تفسّر "لماذا اتّبع الناس دينًا"، لكنها لا تثبت "أن الله أرسل هذا الدين". ولهذا يولي أهميةً للآيات والمعجزات التي يرى فيها علامة على تأييد الله للرسول[٦]. ومن اللافت أن أبا رائطة يستعمل في ذلك لغة يستطيع المسلم فهمها. يتحدث عن «الآيات» وما يجريه الله تأييدًا لرسله، ويستشهد بموسى والمسيح والرسل. أي إن اللغة التي نشأت داخل الثقافة العربيّة الإسلاميّة لم تعد شيئًا خارجيًّا يترجمه المسيحيّ إلى لغته الخاصة؛ لقد أصبحت هي نفسها اللغة التي يبني بها حجته المسيحيّة.

وفي هذا الموضع نفهم مقدار التحوّل الذي وقع في اللاهوت الشرقي. قبل الإسلام كان من الممكن أن يكون النزاع المسيحيّ الكبير حول السؤال: كيف نفهم طبيعة المسيح؟ أمّا داخل البيئة العباسيّة، فقد صار على اللاهوتيّ أن يبدأ أحيانًا قبل ذلك بكثير. قبل أن يقول ما هي المسيحيّة، صار عليه أن يشرح "كيف يمكن أصلًا التحقق من دعوى دينيّة". وقبل أن يشرح معنى «ابن الله»، كان عليه أن يناقش لماذا يقبل وحيًا دون آخر. وقبل أن يحتج بالأنبياء، صار عليه أن يحدد ما الذي يجعل النبيّ نبيًّا. هكذا لم يغيّر الإسلام العقائد المسيحيّة القديمة إلى عقائد جديدة، لكنه غيّر إلى حدّ بعيد "الأسئلة التي كان ينبغي طرحها قبل الوصول إليها". وهذا أحد أهم أسباب أصالة التراث العربيّ المسيحيّ: فاللاهوت لم يعد مجرد نقل لتراث يوناني أو سرياني إلى كلمات عربيّة، بل أصبح استجابةً مسيحيّة لمجتمع جديد وأسئلة جديدة.

لكن سؤالًا أخطر كان ينتظر هؤلاء الكتّاب. فإذا قال المسيحيّ: «أنا أعرف المسيح من الإنجيل»، يستطيع محاوره أن يجيبه: "ومَن قال إن الإنجيل الذي في يدك هو النصّ الذي أوحاه الله أصلًا؟"

عندئذ لا يعود الخلاف في "تفسير الكتاب" ولكنّه ينتقل إلى "سلامة الكتاب نفسه".

في الحلقة القادمة: هل حُرِّف الكتاب المقدّس؟ حين أصبح النصّ نفسه موضوعَ المناظرة.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ