محمد المصري 
إذا كان الدين يريد إصلاح الإنسان والمجتمع، فلا ينبغي أن يصبح الإنسان ضحية لتفسيره وعبر التاريخ والجغرافيا ظهرت المذاهب التي انتصرت للعقلانية والإنسانية و بعض غلاة المذاهب الأخري الذين انتصروا للتأويلات العنيفة والخرافية و المنهجية الحرفية في قراءة النصوص ( النصوصية)وبالتالي ظهرت الكتب النقادة للتيارات الحنبلية منذ الف سنة نظرا لخطورتها واتهام الناس بالكفر والشرك بالله لأدني سبب.

من اهم تلك الكتب التي قدست العقل ونقدت المنهجية الاتباعية النقلية الخاصة بالحنابلة هو كتاب الدامغ للباطل من مذهب الحنابل للإمام شمس الدين جعفر بن احمد البهلولي المتوفي ٥٣٧ هجريا وقال نصا في ص١٥٥ ما قد نحتاجه اليوم و اكد علي أهمية عدم الاتباع الاعمي .

الدين اساسه العقل 
"فوجب على كل مسلم بل على كل عاقل أن يقيم نفسه مقام الإنصاف، ويزن الأقاويل بميزان العدل، فما ظهر رجحانه أخذ به، وما انكشف نقصانه أعرض عنه، فينتظم في سلك أولي الألباب، المبشرين بطوبى وحسن مآب، قال الله سبحانه: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}[الزمر:١٨]، فالسعيد الموفق من لم يستر حجب التعصب عين بصيرته، ولم تعم قساطل التقليد ناظر فكرته، بل وضع أساس دينه على أدلة العقل وبراهينه، وشيد مبانيه على ما ورد به محكم التنزيل وشهدت له سنة الرسول؛ امتثالاً لما قاله سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين فإنه قال: ((من أخذ دينه عن التفكر في آلاء الله، وعن التدبر لكتابه، والتفهم لسنتي، زالت الرواسي ولم يزُل، ومن أخذ دينه من أفواه الرجال، وقلدهم فيه، ذهبت به الرجال من يمين إلى شمال، وهو من دين الله على أعظم زوال))"[الدامغ للباطل من مذهب الحنابل ص١٥٥].

شرح وتحليل النص 
فوجب على كل مسلم بل على كل عاقل أن يقيم نفسه مقام الإنصاف، ويزن الأقاويل بميزان العدل

أي أن الإنسان لا ينبغي أن يقبل الفكرة لمجرد أن قائلها عالم أو شيخ أو جماعة أو مذهب، وإنما عليه أن يسمع الأقوال المختلفة، ثم يختبرها ويبحث عن الأقرب إلى الحق.

ولهذا يستشهد الكاتب بالآية:
﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾

فالآية، في هذا الفهم، لا تصف الإنسان الذي يغلق عقله أمام الآراء المختلفة، وإنما تصف من يسمع أولًا ثم يميز ثم يتبع الأحسن.

ثم تأتي العبارة الأهم:
وضع أساس دينه على أدلة العقل وبراهينه

ومعناها أن التدين لا ينبغي أن يكون مجرد تقليد اجتماعي موروث. فالإنسان يمكن أن يبدأ من العقل ثم بعد ذلك يتعامل مع النص الديني باعتباره مصدرًا للهداية والمعنى وسعادة الإنسان ولا يقرأ النص إلا في ضوء قيم الحضارة والتمدن والعقل .

وهنا تظهر قيمة عبارة أولو الألباب في القرآن؛ فالقرآن لا يقدم استعمال العقل كعدو للإيمان، بل يجعل التفكر والتدبر والاعتبار من صفات أصحاب العقول الأشد ايماناً 

فإذا كان تطبيق تفسير معين يؤدي إلى زيادة الظلم بدل تقليله، وإلى نشر الكراهية بدل الرحمة، وإلى تدمير الأسرة بدل حمايتها، وإلى إهانة الإنسان بدل تكريمه، وإلى تعطيل العقل بدل إيقاظه، فإن من حق العقل الديني أن يتوقف ويسأل: هل المشكلة في النص، أم في الطريقة التي فهمنا بها النص؟

هذا السؤال ليس تمردًا على الدين، بل يمكن أن يكون شكلًا من أشكال احترام الدين.

فالإنسان الذي يرفض الظلم باسم الدين ليس بالضرورة رافضًا للدين؛ ربما يكون رافضًا لقراءة معينة جعلت الظلم دينيًا.

والإنسان الذي يطالب بالرحمة والعدل والكرامة لا ينبغي أن يُتهم تلقائيًا بأنه يريد إخضاع الدين للهوى؛ فقد يكون ببساطة يحاول أن يقرأ الدين من داخله، من قيمه الكبرى نفسها.

ولهذا فإن التدين الناضج ليس مجرد حفظ النصوص، وإنما القدرة على فهمها.

وليس مجرد معرفة الحكم، وإنما معرفة الغاية منه.

وليس مجرد تطبيق الظاهر، وإنما إدراك المقصد.

وليس مجرد سؤال:هل هذا موجود في النص؟، وإنما أيضًا سؤال: ما الذي يريد النص أن يصنعه في حياة الإنسان؟.

إن الدين الذي يحترم العقل يستطيع أن يتفاعل مع المعرفة الجديدة دون أن يفقد هويته، وأن يحترم المصلحة العامة دون أن يتحول إلى نفعية بلا قيم، وأن يقرأ النصوص قراءة تحفظ قدسيتها دون أن تحولها إلى قيود جامدة على الإنسان.

وفي النهاية، ربما تكون أعظم صورة لاحترام النص هي ألا نستخدمه ضد الغاية الأخلاقية التي جاء من أجلها.

فالنص الذي يدعو إلى العدل لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للظلم، والنص الذي يدعو إلى الرحمة لا ينبغي أن يصبح ذريعة للقسوة، والنص الذي يخاطب العقل لا ينبغي أن يستخدم لإلغاء العقل.

الدين لا يفقد قدسيته عندما نفكر فيه؛ بل قد نفقد شيئًا من معنى الدين عندما نتوقف عن التفكير فيه.

الخاتمة لبداية جديدة 
ما القيمة التي يريد تحقيقها النص ؟

ما المصلحة التي يحميها؟

ما الضرر الذي يريد منعه؟

ما السياق الذي ورد فيه النص ؟

هل تغير الزمان ؟ وكيف يتغير فهمنا للنص مع هذا التغير ؟

كيف يمكن ان نستفيد من جوهر النص في تحسين حياة الإنسان حاليا ؟

وهل تطبيق القراءة الحرفية اليوم يؤدي فعلًا إلى الغاية التي جاء النص من أجلها، أم يؤدي إلى عكسها؟

الإنسان هو محل التكليف

هذه النقطة جوهرية.

إذا كان الدين قد جاء لهداية الإنسان وإصلاح حياته، فإن الإنسان ومصالحه وكرامته وأمنه وعدله ليست أمورًا هامشية في فهم الدين