الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
من الظلم الفكريّ أن يبدأ الحديث عن أوريجانوس بالسؤال عمّا إذا كان قد أخصى نفسه، وينتهي باتّهامه بأنّه وعد الشيطان بالخلاص! فبين هاتين الصورتين المثيرتين تختفي إحدى أكثر الشخصيّات تأثيرًا في تاريخ الفكر المسيحيّ: عالِم نصوص أنجزَ أضخم مشروع نقديّ للكتاب المقدّس عرفته العصور القديمة، ومفسّر حوّل قراءة النصّ إلى طريق لتغيير الإنسان، ولاهوتيّ حاول أن يصوغ العلاقة بين الله والعالم، والعقل والوحي، والحرف والروح. تكمن قيمة أوريجانوس في أنه منح الأسئلة صياغةً فلسفيّة ظلّت الكنيسة تفكّر من داخلها، أو في مواجهتها، قرونًا طويلة!
ابن الإسكندريّة بين الكتاب المقدّس والفلسفة
وُلد أوريجانوس في الإسكندريّة نحو سنة ١٨٥م، ونشأ في أسرةٍ مسيحيّة مثقّفة. واستُشهد أبوه ليونيداس في اضطهاد سنة ٢٠٢م، وكان أوريجانوس، وفقًا ليوسابيوس القيصريّ، لم يزل في السابعة عشرة تقريبًا. وبعد موت أبيه اضطر إلى التعليم لإعالة أسرته، ثم عهد إليه الأسقف ديمتريوس بتعليم الموعوظين. ولا ينبغي أن نتصوّر ما يسمّى عادةً "مدرسة الإسكندريّة" جامعةً لاهوتيّة رسميّة بالمعنى الحديث، فقد كانت البيئة المسيحيّة التعليميّة في المدينة أكثر مرونةً وتعدّدًا ممّا توحي به الصورة التقليديّة عن مدرسة واحدة متّصلة يرأسها مدير بعد آخر.
تلقّى أوريجانوس تعليمًا فلسفيًّا واسعًا، وعرف أفلاطون وأرسطو والرواقيّين والفيثاغوريّين المتأخّرين وفلاسفة الأفلاطونيّة الوسطى. وتذكر المصادر أنه درس على يد معلّم اسمه أمونيوس، ويرجّح عدد من الباحثين أنه أمونيوس ساكّاس، معلّم أفلوطين، لكن هذا الربط لا يخلو من صعوبات، كما أن أوريجانوس المسيحيّ ليس بالضرورة الشخص نفسه الذي تذكره سيرة أفلوطين ضمن تلاميذ أمونيوس. لذلك فالأدقّ وصف تكوينه بأنه تكوين أفلاطونيّ ووسيط متنوّع، لا القول ببساطة إنه كان "أفلاطونيًّا محدثًا"، إذ تبلورت الأفلاطونيّة المحدثة في صورتها الكلاسيكيّة مع أفلوطين بعدما كان أوريجانوس قد أنجز جانبًا كبيرًا من مشروعه. وقد لخّص الفيلسوف الوثنيّ فورفوريوس المفارقة التي رآها فيه بقوله، بمعنى كلامه، إن أوريجانوس عاش مسيحيًّا، لكنه تعامل مع مسائل الله والعالم بطريقة يونانيّة. أراد فورفوريوس بذلك انتقاده، لكنه قدّم من حيث لا يقصد وصفًا دقيقًا لمشروعه: لم يتخلَّ أوريجانوس عن الكتاب المقدّس لمصلحة الفلسفة، ولم يرفض الفلسفة خوفًا على الإيمان، بل استخدم أدواتها اللغويّة والمنطقيّة والميتافيزيقيّة لفهم الإيمان والدفاع عنه. ومع ذلك، لم يجعل الفلسفة حكمًا أعلى من الوحي؛ فقد شبّه استخدامها بما أخذه بنو إسرائيل من «غنائم المصريّين»: موادّ نافعة يمكن تطهيرها وتوجيهها لخدمة بناء المقدس، لكنها لا تصبح هي المقدس نفسه.
مفسّر الرمز الذي بدأ بالنصّ
يشتهر أوريجانوس بالتفسير الرمزيّ أو الألّيغوريّ، ولذلك يتّهمه بعض القرّاء بأنه كان يهرب من المعنى الحرفيّ ويجعل النصّ يقول ما يشاء. غير أن مشروع "الهكسابلا" يكفي وحده لتفنيد هذه الصورة الساذجة. فقد وضع أوريجانوس نصّ العهد القديم في ستّة أعمدة متوازية: النصّ العبريّ، وكتابته بحروف يونانيّة، ثم ترجمات أكيلا وسيماخوس والسبعينيّة وثيودوتيون. واستخدم علامات نقديّة لبيان المواضع التي تزيد فيها السبعينيّة على العبريّة أو تنقص عنه. لم تكن الهكسابلا «ستّ نسخ من العهد القديم» بالمعنى الدقيق، بل مختبرًا ضخمًا للمقارنة بين النصّ العبريّ وصيغه اليونانيّة. ولا نملك اليوم إلّا شذرات منه، لكنه يظلّ شاهدًا على أن أشهر مفسّر رمزيّ في المسيحيّة لم يحتقر الحرف، بل بذل جهدًا هائلًا لتثبيته قبل الانتقال إلى معناه الروحيّ.
كان أوريجانوس ينطلق من أن الكتاب المقدّس كلامٌ إلهيّ وصل إلينا بواسطة لغة بشريّة، وأن هذه اللغة تحمل درجات من المعنى. وفي كتابه "في المبادئ" شبّه النصّ بالإنسان المؤلَّف من جسد ونفس وروح: هناك معنى جسديّ أو تاريخيّ، ومعنى أخلاقيّ يبني النفس، ومعنى روحيّ يكشف سرّ المسيح وتدبير الخلاص.
لكن هذا التقسيم ليس آلةً ميكانيكيّة تستخرج من كلّ آية ثلاثة معانٍ منفصلة؛ فممارسة أوريجانوس التفسيريّة أكثر مرونةً من ذلك. وهو لا ينكر التاريخ في كلّ موضع، بل يرى أن بعض النصوص تاريخيّ فعلًا، وأن بعضها يجمع بين الحدث والرمز، وأن بعضها يتضمّن صعوبات أو استحالات ظاهريّة وضعها الروح، بحسب تصوّره، لكي يمنع القارئ من التوقّف عند السطح ويدفعه إلى البحث عن المعنى الأعمق.
إذًا، لم يكن الحرف عند أوريجانوس عدوّ الروح، فالمشكلة تبدأ حين يظنّ القارئ أنّ سطح النصّ استنفد كلّ معناه، أو حين ينسب إلى الله، باسم الأمانة للحرف، ما يتعارض مع صلاحه وحكمته.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





