أوريجانوس (٣): بين الإخصاء واستعادة الكلّ… مَن الذي أُدين فعلًا؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
بدأنا هذه الثلاثيّة برفض حصر أوريجانوس بين حكايتين مثيرتين: أنّه أخصى نفسه بسبب آية، وأنّه وعد الشيطان بالخلاص. وبعدما رأينا مشروعه في تفسير الكتاب المقدّس وفلسفته في الحرّيّة والشرّ، يمكننا الآن العودة إلى الاتّهامين؛ وذلك ليس الغرض منه لا تبرئته مسبقًا من كلّ خطأ، ولا لإدانته بأثر رجعيّ، ولكن لكي نسأل السؤال التاريخيّ الصحيح: ماذا قال أوريجانوس فعلًا، وماذا أضاف تلاميذه وخصومه، وماذا أدانت الكنيسة في القرن السادس؟
هل أخصى أوريجانوس نفسه حقًّا؟
يروي يوسابيوس القيصريّ أنّ أوريجانوس، في شبابه، أخذ قول المسيح عن الذين «خصوا أنفسهم من أجل ملكوت السماوات» بحرفيّة متطرّفة، فأخصى نفسه لكي يتجنّب الشبهات في أثناء تعليمه النساء. هذه رواية قديمة وليست اختراعًا حديثًا، وربّما اعتمد يوسابيوس على مصادر لم تعد موجودة. لكنها ليست شهادةً معاصرة؛ فقد كتب يوسابيوس بعد الواقعة المفترضة بأكثر من قرن، وبعد موت أوريجانوس بنحو ستّين سنة، ولا نملك شاهدًا مستقلًّا باقيًا من زمن أوريجانوس يؤكّدها. وتزداد المسألة تعقيدًا لأن أوريجانوس نفسه، في تفسيره الناضج لإنجيل متّى، يرفض تنفيذ القول تنفيذًا جسديًّا، ويحذّر من الذين يفهمونه بهذه الطريقة. لذلك انقسم الباحثون: يرى بعضهم أن الواقعة حدثت فعلًا في اندفاع شبابه، ثم أدرك لاحقًا خطأ القراءة التي قادته إليها؛ ويرى آخرون أن الحكاية نشأت من سمعته النسكيّة أو من صراعه مع الأسقف ديمتريوس. والنتيجة الأكاديميّة الدقيقة ليست: «لقد أخصى نفسه بالتأكيد»، ولا: «القصة كاذبة بالتأكيد»، بل: لدينا رواية قديمة جديرة بالفحص، لكنّ إثباتها التاريخيّ ليس قاطعًا. وحتى لو صحّت، فهي واقعة شبابيّة تراجع عن منطقها في كتاباته الناضجة، وليست مفتاحًا سحريًّا لتفسير مشروعه كلّه.
هل وعدَ الشيطان بالخلاص؟
تأتي التهمة الثانية من مفهوم "استعادة الكلّ"أو الخلاص الشامل (Apokatastasis). كان أوريجانوس يتأمّل في قول بولس إن الله سيصير «الكلّ في الكلّ»، وفي خضوع جميع أعداء المسيح له. وفهم الخضوع النهائيّ ليس بوصفه إبادةً للكائن، ولكن إبطالًا للشرّ الذي جعله عدوًّا. فإذا كان الشرّ ليس طبيعةً خلقها الله ولكنّه مرضٌ أصاب الإرادة، يصبح السؤال هنا: هل يستطيع علاج الله أن يبلغ في النهاية كلّ كائن عاقل؟ تقرأ إيلاريا راميلّي نصوص أوريجانوس بوصفها نسقًا متماسكًا يؤكّد الاستعادة الشاملة لجميع الكائنات العاقلة؛ إذ تنتهي العقوبات، بعد أداء غايتها التطهيريّة، ويزول الشرّ تمامًا. لكنّ باحثين آخرين أكثر حذرًا؛ لأن أوريجانوس يتكلّم أحيانًا بلغة الرجاء أو الفرضيّة، ويؤكّد في مواضع أخرى قدرة الإرادة على الرفض، كما أن أهمّ نصوصه العقيديّة لم تصل إلينا كاملةً باليونانيّة. فكتاب "في المبادئ" محفوظ في جانب كبير منه بترجمة روفينوس، الذي اعترف بأنه عدّل بعض العبارات لاعتقاده أن الهراطقة حرّفوها؛ بينما وصلت إلينا نصوص أخرى في اقتباسات خصوم أوريجانوس الذين أرادوا إثبات إدانته. لذلك يبدو أحيانًا كأننا نحاول إعادة بناء لوحةٍ من قطعٍ حفظها مترجم يدافع عنه وخصوم يدينونه! ولا يعني ذلك أننا لا نستطيع معرفة شيء، ولكن علينا التمييز بين النصّ اليونانيّ الباقي، وترجمة روفينوس، والشذرات الجدليّة، والتطوّرات الأوريجانيّة اللاحقة.
لهذا فعبارة «أوريجانوس قال إن الشيطان سيدخل السماء» تبسيط مخلّ. القضية الحقيقية هي: هل يمكن أن يبقى الشرّ إلى الأبد إذا صار الله «الكلّ في الكلّ»؟ وهل القضاء على الشرّ يقتضي القضاء على الكائن الشرّير، أم شفاء إرادته؟ وهل الاستعادة رجاءٌ لاهوتيّ أم نتيجةٌ محتومة؟ أسئلة أوريجانوس أعمق بكثير من الصورة الكاريكاتوريّة المتداولة، حتى حين لا نقبل جميع أجوبته.
أوريجانوس ليس هو كلّ «الأوريجانيّة»
بعد موت أوريجانوس عام ٢٥٣ أو ٢٥٤م، ظلّ تأثيره حيًّا، لكن أفكاره لم تنتقل كما هي. أعاد تلاميذ ومدارس رهبانيّة لاحقة بناءها، ولا سيّما في قضايا وجود النفوس السابق، وسقوط العقول في الأجساد، وطبيعة الجسد القائم، والمساواة النهائيّة بين الكائنات. وتداخلت في القرنين الرابع والسادس أفكار أوريجانوس مع تصوّرات ديديموس الضرير وإيڤاجريوس البنطيّ وجماعات رهبانيّة فلسطينيّة، فنشأ ما يسمّيه المؤرّخون «الأوريجانيّة». وهذا التيّار ليس مرآةً صافيةً لكلّ ما علّمه أوريجانوس في القرن الثالث. وفي سنة ٥٤٣م، وجّه الإمبراطور يوستنيانوس إلى البطريرك ميناس وثيقةً ضدّ قضايا منسوبة إلى أوريجانوس، وأقرّ مجمع محلّي في القسطنطينيّة إداناتٍ مرتبطة بها. وبعد عشر سنوات انعقد مجمع القسطنطينيّة الثاني سنة ٥٥٣م، وهو المجمع المسكونيّ الخامس. وتذكر الصيغة المتداولة من حرمه الحادي عشر اسم أوريجانوس ضمن قائمة من الهراطقة، فلا يصحّ الادّعاء ببساطة أنه لم يُدَن قطّ في التقليد المجمعيّ.
لكن توجد مسألة تاريخيّة أدقّ تتعلّق بـ«الحرومات الخمسة عشر» الشهيرة ضدّ الأوريجانيّة. فهذه الحرومات لا تظهر ضمن المحاضر الرسميّة الباقية للمجمع، الذي انصبّ عمله الأساسيّ على أزمة «الفصول الثلاثة». لذلك يختلف الباحثون: هل أقرّها الأساقفة في اجتماع تمهيديّ قبل افتتاح المجمع رسميًّا؟ أم تعود إلى مجمع محلّي ارتبط به لاحقًا؟ الثابت أن القرن السادس شهد إدانةً كنسيّةً حقيقيّة للأوريجانيّة وقضايا منسوبة إلى أوريجانوس؛ أمّا مساواة الحرومات الخمسة عشر بكلّ فكر أوريجانوس، أو التعامل معها كأنها اقتباسات حرفيّة من كتبه، فليست نتيجةً تاريخيّةً سليمة.
رجلٌ أُدين وظلّ يعلّم مَن أدانوه
ليست قيمة أوريجانوس متوقّفةً على إعلان براءته من كلّ خطأ. فقد كان مفكّرًا سابقًا لكثير من الصياغات العقيديّة اللاحقة، واشتملتْ أعماله على فرضيّات رفضتها الكنيسة. لكنه منح اللاهوت المسيحيّ أدواتٍ لا يمكن حذفها من تاريخه: الولادة الأزليّة للابن، والدفاع عن حرّيّة الإنسان، ورفض أن يكون الشرّ طبيعةً، والربط بين التفسير والحياة الروحيّة، والانتقال من حرف الكتاب إلى سرّه من دون احتقار النصّ. وقد قرأه أثناسيوس والآباء الكبادوكيّون وأمبروزيوس وجيروم وروفينوس، حتى عندما اختلفوا معه أو هاجموه. وجمع باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي مختاراتٍ من أعماله في «الفيلوكاليا». وفي سنة ٢٠٠٧ وصفه البابا بندكتوس السادس عشر بأنه شخصيّة حاسمة في تطوّر الفكر المسيحيّ، أحدثت فيه منعطفًا لا رجعة عنه. لذلك لا يلزم أن نجعل أوريجانوس قدّيسًا معصومًا لكي نعترف بعبقريّته، ولا أن نحوّله إلى أصل كلّ هرطقة لكي نكون أمناء للعقيدة. القراءة التاريخيّة تميّز بين الرجل ونصوصه، وبين نصوصه وترجماتها، وبين أوريجانوس والأوريجانيّة، وبين السؤال الجريء والجواب الذي استقرّت عليه الكنيسة لاحقًا.
ربّما مفارقة أوريجانوس الكبرى أنه حذّر قرّاء الكتاب المقدّس من التوقّف عند الحرف، ثم صار هو نفسه، مرارًا، ضحيّة أحكامٍ توقّفت عند حرف الاتّهام ولم تدخل إلى تعقيد تاريخه.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





