بقلم أيمن فايز
لم تدخل الترنيمة الشعبية الكنيسة… بل وجدت مكانًا فارغًا
المشهد ليس عن مرنم، ولا عن لحن لم يعجبنا.
إنه عن كنيسة تركت مكانًا فارغًا، فجاء من يملؤه.
فالترنيمة لم تقتحم الكنيسة.
الكاهن دعاها، والأسقف مسؤول عن رعيته، والقيادة الكنسية مسؤولة حين تتحول الظاهرة إلى اتجاه.
وهنا يبدأ الوجع.
قال بولس: «لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى… بمزامير وتسابيح وأغاني روحية» (كولوسي 3: 16).
كانت الكلمة تلد الترنيمة.
أما اليوم، ففي بعض المشاهد، صرنا نأتي بالترنيمة لنعالج غياب الكلمة.
حين لم يعد التعليم يجمع، بحثنا عما يجذب.
وحين بدت العقيدة ثقيلة، جاءت الحكاية سهلة.
وحين صار تكوين الإنسان بطيئًا، كانت المعجزة أسرع.
وحين خفنا من المقاعد الفارغة، اكتشفنا أن الميكروفون يستطيع أن يملأها.
فامتلأت الكنيسة بالمستمعين… وبدأنا نفقد المصلين.
وهنا دخل منطق المولد إلى الكنيسة، لا بخيمته، بل بروحه: مؤدٍّ وجمهور، حكاية ومعجزة، انفعال وتصفيق، وحشد يصبح في ذاته شهادة نجاح.
وليست المشكلة في التراث الشعبي ولا في البسطاء.
المأساة أن الكنيسة، بدل أن ترفع الشعبي إلى عمق الإنجيل، بدأت أحيانًا تنزل بالإنجيل إلى مستوى ما يضمن الحشد.
وهنا تضيع الهوية بصمت.
يبقى المذبح، لكن تتقدم المنصة.
تبقى الأسرار، لكن يصبح الحدث أكثر جاذبية منها.
تبقى العقيدة في الكتب، بينما تتكوّن عقيدة الناس من الحكاية والترنيمة والمعجزة.
ويبقى اسم القديس، بينما تتراجع شهادته للمسيح خلف ما يُروى عن قدرته على «فك الضيقة».
ثم نلوم الشعب!
الشعب يأكل مما نضعه على المائدة.
ولهذا لا أضع المسؤولية الأولى على المرنم. المرنم مسؤول عن فنه، لكن الراعي مسؤول عن غذاء شعبه.
الكاهن الذي يفتح المنصة مسؤول.
والأسقف الذي يرعى الاتجاه مسؤول.
والبطريرك أو البابا والقيادة العليا مسؤولون عن حماية هوية الكنيسة حين تصبح الظاهرة أوسع من حادثة محلية.
فالقيادة الكنسية لم تُؤتمن على أن تجعل الكنيسة «جذابة».
اؤتمنت على أن تحفظها كنيسة.
وهنا تصبح عبارة سفر الأعمال مخيفة:
«لا يرضي أن نترك نحن كلمة الله ونخدم موائد» (أعمال 6: 2).
ربما مشكلتنا اليوم ليست أننا تركنا الكنائس فارغة.
بل أننا خفنا من فراغها إلى درجة أننا قبلنا أن تمتلئ بأي شيء قادر على الجمع.
وهذا أخطر من الفراغ.
لأن الكنيسة الفارغة تعرف أن عندها أزمة.
أما الكنيسة الممتلئة بالجمهور فقد تظن أنها نجحت، بينما تكون قد استبدلت، ببطء ودون أن تنتبه:
الكلمة بالحكاية،
والعقيدة بالانفعال،
والصلاة بالأداء،
والمصلّي بالمستمع.
الترنيمة الشعبية ليست أصل المرض.
إنها الأشعة التي كشفت المرض.
والمرض هو أن الكنيسة، حين ضعفت ثقتها في قدرة الكلمة على صناعة المؤمن، بدأت تبحث عن قدرة أخرى لصناعة الجمهور.
فربحت الحشد…
وخاطرت بأن تخسر هويته





