يعني إيه "أسطورة"؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
من ضمن حوار الطرشان بين مؤمنين وملحدين كتير في مصر إنّ الطرفين غالبًا بياخدوا معلوماتهم من المنبع الشفوي السائد نفسه، وبعدين يتخانقوا على مصطلحات لا ده فاهم معناها الأكاديمي ولا ده. الملحد الشعبي يقول للمؤمن الشعبي برضه: «دي أسطورة!» وهو يقصد: "كلام فارغ" و"هجايص". والمؤمن يسمعها شتيمة للكتاب والدين، فيتربّس ويستنكر. وهكذا تقوم معركة كاملة على كلمة، من غير ما حدّ يفتح قاموسها!
الأسطورة "Myth" في الدراسات الأكاديميّة مش معناها حكاية كاذبة ولا حدوتة أطفال قبل النوم. الموسوعة البريطانيّة بتعرّفها بوصفها سردًا رمزيًّا موروثًا، مرتبطًا خصوصًا بالمعتقد الديني، ويروي أحداثًا تُقدَّم داخل الجماعة بوصفها حقيقيّة وذات سلطان. أمّا الباحث وليام باسكوم فيوضّح أن الأسطورة عند الجماعة اللي بترويها بتُعدّ سردًا مقدّسًا، مرتبطًا غالبًا بالآلهة والبدايات الأولى وتكوين العالم والنظام الإنساني. وتعبير «تُقدَّم بوصفها حقيقيّة» مش معناه إنها تقرير تاريخي بالمفهوم الحديث تمّ التحقّق منه بالكاميرات والحفريّات، بل إن الجماعة لم تكن ترويها فقط للتسلية، ولكن كانت بتشوف فيها حقيقة عن العالم والآلهة والإنسان والموت والنظام.
خد مثلًا أسطورة إيزيس وأوزيريس. لو قرأناها كحدوتة أطفال، هنقول: كان فيه ملك اسمه أوزيريس، أخوه سِت قتله ومزّق جسده، فبحثت إيزيس عن أجزاء جثته وأعادته إلى الحياة، ثم حارب ابنهما حورس سِت وانتزع منه العرش. وبعدها نقفل الكتاب ونقول للأطفال: تصبحوا على خير! لكن المصري القديم مكانش بيحكي الرواية علشان يملأ وقت الفراغ قبل اختراع النت. أوزيريس ارتبط بالموت والعالم الآخر وتجدد الحياة، وإيزيس بالحماية والأمومة والوفاء، وحورس بالمَلَكيّة الشرعيّة، بينما مثّل سِت الفوضى والقوة التي تهدّد النظام.
يعني القصّة كانت بتجاوب عن أسئلة وجودية وفلسفية ودينيّة ضخمة: هل الموت هو النهاية؟ إزاي تنتصر الحياة على التمزّق والفناء؟ مين له الحق في العرش؟ إزاي يعود النظام بعد ما تهدّده الفوضى؟ وإزاي يقدر الميت يرجو حياةً جديدة مثل أوزيريس؟ علشان كده لم تبقَ القصّة كلامًا يُروى فقط، بل دخلت في العقائد الجنائزيّة والطقوس وصور المقابر وفهم المصريّين للمَلَكيّة والعالم الآخر. كان الملك الحي مرتبطًا بحورس، والملك الميت بأوزيريس. فالرواية كانت تمنح النظام السياسي والديني معنى وشرعيّة، وتضع حياة الفرد وموته داخل صورة كونيّة أكبر.
لو دخلنا القصّة بعقليّة قسم المباحث وسألنا: فين جثمان أوزيريس؟ ومين شهد جريمة سِت؟ وهل عندنا تقرير طبّ شرعي عن إعادة تركيب الأعضاء؟ وهل طبيًّا يمكن إعادة الحياة إلى جسم مقطّع؟ فنحن لم نثبت أنّنا عقلانيّون! نحن فقط سألنا النصّ سؤالًا لا يتوافق مع الوظيفة التي صيغ من أجلها. وفي المقابل، لو قلنا إنّ كلّ تفصيل فيها واقعة تاريخيّة لمجرد أنّ المصريّين عدّوها مقدّسة، نكون ارتكبنا الخطأ العكسي. وصف السرد بأنه «أسطورة» لا يحسم وحده إن كانت وراءه ذكرى تاريخيّة ما، لكنه يحدّد نوع اللغة والوظيفة التي ينبغي أن نبحث عنها.
الأسطورة، إذًا، ليست فقط رمزًا اخترعه باحث معاصر بعدما اكتشف أن القصّة غير معقولة، وليست غلافًا جميلًا نخفي تحته الأكاذيب. الرمز موجود في طريقة بناء السرد نفسه، والأسطورة كانت أداةً يفهم بها الإنسان القديم العالم ويمنح بها الموت والحياة والسلطة والطقس معنى. وقد تحمل حكمةً دينيّة عميقة، وقد تُستخدم أيضًا لتثبيت نظام سياسي أو اجتماعي. فهي ليست بريئة أو تافهة، ولكنّها خطاب له قوّة وسلطان داخل المجتمع.
قبل ما ملحد يشمت قائلًا: "دي أسطورة"، وقبل ما مؤمن يغضب كأنّه سمع شتيمة، المفروض الاتنين يسألوا: يعني إيه أسطورة أصلًا؟ وما الحقيقة التي كان هذا السرد يريد التعبير عنها؟ وكيف كان يعمل داخل الجماعة التي روته؟ أمّا تطبيق المصطلح على بعض نصوص الكتاب المقدّس، وموقف الدراسات الكتابيّة والكنائس الكبرى منه، فده موضوع آخر، هدفي هنا أركّز على إننا قبل الدخول في نصوص يهوديّة-مسيحيّة محتاجين الأول نفهم الكلمة قبل ما نتخانق عليها.
وفي البوست القادم سنفرّق بين الأسطورة Myth والرواية المأثورة ذات الادّعاء التاريخي Legend والحكاية الخرافيّة التعليميّة Fable. فهذه ثلاثة مصطلحات مختلفة، مع إننا في الكلام الشعبي بنرميهم كلهم في كيس واحد ونكتب عليه: «حاجات ما حصلتش»!
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
#العيال_بتلحد
بعض المراجع:
Encyclopaedia Britannica, [“Myth”]
William Bascom, [“The Forms of Folklore: Prose Narratives”, The Journal of American Folklore 78, no. 307 (1965): 3–20.





