ربنا قال لبولس «ما تنساش الرداء»؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
تقول الرسالة الثانية إلى تيموثاوس: «أَحضِرْ عِندَ قُدومِكَ الرِّداءَ الَّذي تَرَكتُه في طُرُواس عِندَ قَرْبُس، وأَحضِرْ كَذٰلِك الكُتُبَ وخُصوصًا صُحُفَ الرَّقّ» (٢ طيم ٤: ١٣). فيسأل ملحد ساخرًا: هل أوحى الله إلى بولس أنه نسي البالطو؟ ويردّ المؤمن الأصوليّ: طبعًا؛ كلّ كلمة نزلت من عند الله! ويبدأ الخناق، مع أن الطرفين انطلقا من الفرضيّة الخاطئة نفسها: أن الإلهام يعني أن الله أملى الكتاب كلمةً كلمةً، وأن الكاتب لم يكن سوى آلة تسجيل سماويّة.
المفارقة أن الرسالة نفسها تقول: «فكُلُّ ما كُتِبَ هو مِن وَحيِ الله، يُفيدُ في التَّعليمِ والتَّفنيدِ والتَّقويمِ والتَّأديبِ في البِرّ» (٢ طيم ٣: ١٦). فهل صار طلب الرداء عقيدةً أو وصيّة لكلّ مسيحيّ؟ وهل علينا السفر إلى طُرواس للبحث عنه؟ بالتأكيد، لا. فوجود كلّ جملة داخل سفر موحًى به لا يعني أن الجمل جميعها تؤدّي الوظيفة نفسها: ليست كلّ عبارة عقيدةً أو أمرًا إلهيًّا موجّهًا مباشرةً إلى كلّ قارئ!
تميّز المسيحيّة بين الوحي والإلهام الكتابيّ. الوحي هو كشف الله لذاته وتدبيره من خلال أعمال وأقوال مترابطة، وقد بلغ كماله في شخص يسوع المسيح، كلمة الله المتجسّد. أمّا الإلهام فهو عمل الروح القدس في الكتّاب البشريّين الذين شهدوا لهذا الوحي ودوّنوه. لذلك فمركز الإيمان المسيحيّ ليس كتابًا نزل من السماء، بل شخصًا؛ والكتاب المقدّس هو الشهادة الملهَمة والمرجعيّة لهذا الشخص وتاريخ الخلاص (المجمع الفاتيكانيّ الثاني، «كلمة الله»، ٢، ٤؛ التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، ١٠١-١٠٨. والله لم يُلغِ إنسانيّة الكتّاب حين ألهمهم، بل اختار بشرًا «استعملوا قواهم وقدراتهم»، فكتبوا بوصفهم «مؤلّفين حقيقيّين». لهذا نجد في الكتاب ذاكرة بولس وعلاقاته واحتياجاته، ولغة أشعيا، وشعر المزامير، وأبحاث لوقا. وتقول وثيقة "تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة" إن الفكرة والكلمات تنتمي «إلى الله وإلى البشر معًا»، فيكون النصّ صادرًا عن الله وعن الكاتب البشريّ في الوقت نفسه (المجمع الفاتيكانيّ الثاني، "كلمة الله"، ١١-١٢. واللجنة الكتابيّة الحبريّة، «تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة»، ثالثًا، د، ٢).
إذًا، طلب الرداء جزءٌ من رسالة موحًى بها، لكنه ليس خطابًا إلهيًّا مباشرًا إلينا. الكتاب المقدّس كُتب من أجلنا، لكن لم تُكتَب كلّ جملة فيه إلينا. العبارة موجّهة إلى تيموثاوس داخل ظرف تاريخيّ محدّد، وتكشف لنا رسولًا مسجونًا يحتاج إلى ردائه وكتبه. وليس ضروريًّا أن نستخرج من الرداء «لاهوت الملابس»؛ فقد تكون وظيفة التفصيل ببساطة أن يربط الرسالة بإنسان حقيقيّ من لحم ودم. بل إن مقدّمة دار المشرق تعرض بصراحة الخلاف النقديّ بشأن نسبة الرسائل الرعائيّة، وتذكر احتمال أن تكون هذه التفاصيل مأخوذة من رسائل بولسيّة أصيلة أُدمجت لاحقًا، ما يؤكّد أن الإيمان بالإلهام لا يمنع دراسة تاريخ تكوين النصوص (مقدّمة طيموتاوس الثانية، الكتاب المقدّس، دار المشرق.
وتقدّم الرسالة إلى فيلمون مثالًا أوضح. فهي مرتبطة بقضيّة أونيسمس، العبد الهارب، لكنها موجّهة أيضًا «إِلى الكَنيسةِ الَّتي تَجتَمِعُ في بَيتِكَ» (فل ٢). ويقول بولس عن أونيسمس: «لا لِيَكونَ عَبدًا اليَوم، بل أَفضَلَ مِن عَبد، أَي أَخًا حَبيبًا»، ثم يطلب من فيلمون: «فإِن كُنتَ تَراني شَريكًا لَكَ في الإِيمان، فٱقبَلْه قَبولَكَ لي» (فل ١٦-١٧، ترجمة دار المشرق). القضية الشخصيّة صارت امتحانًا لما يفعله الإنجيل بعلاقات السلطة والملكيّة والأخوّة (رسالة فيلمون ومقدّمتها، الكتاب المقدّس، دار المشرق).
ويلفت القدّيس توما الأكوينيّ إلى أن بولس، مع قدرته على أن يأمر، فضّل أن يسأل باسم المحبّة، لكي يصدر إحسان فيلمون طوعًا لا إكراهًا: «لِكَيلا يكونَ مِنكَ الإِحسانُ كَرهًا، بل طَوعًا» (فل ١٤). ويرى توما أن العبد أخٌ من جهة الطبيعة، لأن السيّد والعبد لهما الخالق نفسه، وأخٌ من جهة النعمة، لأنهما نالا المعموديّة نفسها. ولم يكن توما من دعاة إلغاء الرقّ بالمفهوم الحديث، لكن تفسيره يكشف كيف تحمل واقعة تاريخيّة خاصّة مبدأً يتجاوزها وينقد واقعها من داخله: لا يمكن أن تعترف بإنسان أخًا في المسيح ثم تعامله كشيء بلا كرامة (توما الأكوينيّ، «تفسير الرسالة إلى فيلمون». لهذا تحذّر اللجنة الكتابيّة الحبريّة من القراءة الأصوليّة التي تتعامل مع النصّ «وكأنّه قد أُملي كلمةً بكلمةٍ من لدن الروح القدس»، وتصف ما تمنحه من «يقين زائف» بأنه قد يقود إلى «ضربٍ من ضروب الانتحار الفكريّ»، لأنها تخلط بين الرسالة الإلهيّة وصورتها البشريّة التاريخيّة. ويؤكّد بندكتوس السادس عشر أن الحرفيّة الأصوليّة تخون المعنى الحرفيّ والروحيّ معًا، لأنها تتجاهل الوساطة البشريّة للنصّ وأنواعه الأدبيّة (اللجنة الكتابيّة الحبريّة، «تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة»، أوّلًا، و؛ بندكتوس السادس عشر، [«كلمة الربّ»، ٤٤).
وفي البيئة المصريّة، قد يتسرّب إلى بعض المسيحيّين التصوّر الثقافيّ الشائع للوحي بوصفه نصًّا مُنزلًا بألفاظه، ثم يتبنّاه بعض الملحدين كما هو ليهاجموه. المؤمن يقول: كلّ كلمة أملاها الله. والملحد يردّ: إذًا الله هو الذي طلب الرداء! كلاهما يبدأ من الخطأ نفسه، ثم يختلفان فقط في تصديقه أو السخرية منه.
رسالتي للمؤمن: لا تدافع عن مفهوم للإلهام لم تعلّمه الكنيسة، ثم تطلب من الناس التضحية بعقولهم من أجله. ورسالتي للملحد: إذا أثبتَّ أن طلب الرداء مرتبط بظرف شخصيّ، فأنت لم تهدم الإلهام؛ بل اكتشفتَ أخيرًا أن الكتاب المقدّس يتكوّن من كلمات بشريّة حقيقيّة، وهو بالضبط ما تقوله المسيحيّة.
الإلهام لا يعني أن الله هو الذي نسي الرداء في طُرواس، بل أن الله لم يخجل من أن تصل كلمته إلينا بواسطة إنسانٍ يشعر بالبرد ويحتاج إلى كتبه.
لو عثر أحدكم على الرداء، فليُرسله إلى المتحف… لا داعيَ إلى افتتاح معركة جديدة بخصوص الملابس الرسوليّة!
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





