سحر الجعارة
بحكم نشأتى الاجتماعية ومسار حياتى أتحدث عن «الصلاة» فى أى مكان، وتحديداً عن الحج والعمرة، فى المسجد النبوى ستجد الضوابط صارمة فى الفصل بين الجنسين، أما فى الكعبة المشرفة فالموقف مختلف تماماً، المرأة أثناء الطواف لا يمكن لها الابتعاد عن الرجال، وكذلك فى الصلاة إن كان الزحام خفيفاً نصلى خلف الرجال وإن اقترب الوقوف بعرفة يشتد الزحام ويصبح حتى التنفس صعباً، فقد تضطر أن تصلى فى «الشارع»، نعم قالوا لنا إن كل مكة حرم، وعليه أنت تنزل من الفندق لا تجد موطئ قدم لتتوجه نحو الكعبة فتصلى فى «مكانك».. لم يقل لنا مُفتٍ واحد إن صلاتنا غير جائزة، وعليه أنا لا أجد أن صلاة المرأة فى مكان عام باطلة.. ولكن.
أحياناً يتقاتل الناس للمس الحجر الأسود، والاختلاط لا تتبين منه إلا الوجوه وكأنهم كتلة مختلطة من البشر. هنا نقول إنه «ظرف قهرى» يفرض على الحجاج جميعاً الانصهار فى بوتقة واحدة.. ويختفى «المطوعون» الذين مهمتهم الانضباط والفصل بين النوعين (هذه مهنتهم التى اختفت أيضاً بعد حل هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر).. أى أن الوصاية الدينية على البشر انتهت فى أهم المناسك، لكن أن تثير فتاة ضجة عنيفة وتتسبب فى قطع رزق مدير المكان وتهيج المجتمع بأسره، فهو محاولة لفرض «الوصاية على البشر» من فريق يحسب أنه مكلف من الله بهداية الناس وإصلاح أخلاقهم والقيام بدور «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» واستغلال كونها بائعة على السوشيال ميديا وتهوى التريند.. فهذا سلوك مرفوض تماماً.
قال الدكتور مصطفى عبدالكريم، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، تعليقاً على واقعة اتهام مدير فى مطعم بمنع سيدة من الصلاة أمام المطبخ وإرشادها إلى مصلى السيدات المخصص والذى يقع على بعد 50 متراً من المطعم، إن الصلاة فرض ولا يجوز تأخيرها عن وقتها، وإذا كانت المرأة خارج البيت، فيجوز لها أن تصلى، وإن كانت الصلاة فى البيت أولى لأنها أستر.
واستكمل أن ما فعلته المرأة فى تلك الواقعة من طلب الصلاة كان صحيحاً، ولكن كان الأولى أن تستجيب للائحة المكان وتتعاون مع المشرف على هذا الأمر، حتى تكون راعت حق الله فى الصلاة، وحق المكان الذى يسمح بأداء الصلاة فى أماكن مخصصة لهذا الأمر.
«ندى متولى» بطلة موقعة الصلاة فى مطعم، اتضح أنها ابنة الدكتور «متولى عبدالعزيز» الذى كان أستاذ تحليل المنشآت Structural Analysis فى هندسة القاهرة، وتوفى فى ديسمبر 2019.
هو طبعاً إخوانى صميم وكل عائلته كذلك.. وله عدة فيديوهات يؤيد فيها الإخوان ويعادى 30 يونيو.
ومن سخرية القدر أن ابنه الوحيد «مصطفى» كان أحد ضحايا مذبحة استاد بورسعيد فى أول فبراير 2012 والتى أعتبر أن الإخوان هم أحد المتهمين الأساسيين بتدبيرها!
لكل المتحمسين لندى والمدافعين عنها، سؤال بسيط: لو قرر زبون مسيحى، أو يهودى، أو بوذى أو هندوسى أن يصلى فى مكان عام، وبدأ يولّع بخوره، ويفرش سجادته وحصيرته، ويمارس شعائره وطقوسه فى منتصف المطعم بين أطباق الأكل والأسر الموجودة.. هل كنتم سوف تعتبرونه «حقاً» أم ستقولون إنها «فوضى وتعدٍّ صارخ على مشاعر حضراتكم».. وتنحازون للقواعد المنظمة للمكان؟
لقد تقدم محامٍ ببلاغ إلى المستشار النائب العام بشأن واقعة المطعم حمل رقم 1877395، طالب فيه بعرض البلاغ على نيابة أمن الدولة العليا، والتحقيق مع ندى متولى وسيدتين أخريين ومن تكشف التحقيقات عن اشتراكه أو اتفاقه أو تحريضه أو معاونته لهن، وذلك لوجود نشاط منظم تنطبق عليه أحكام قانون مكافحة الإرهاب.
وقال المحامى هانى سامح فى بلاغه إن محل التحقيق لا يتعلق بممارسة الصلاة فى ذاتها، وإنما بما وصفه بجريمة إنشاء «سلطة دينية أهلية تماثل جماعات الإرهاب» أو نواة لـ«المطوعين» والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واستخدام الحشد والتشهير والمقاطعة الاقتصادية لإجبار المنشآت على الخضوع لأنماط دينية متطرفة. وأضاف «سامح» فى بلاغه أن مصر دولة مدنية يحكمها الدستور والقانون، ولا تحكمها جماعات الأمر والنهى، مؤكداً أنه لا يجوز لأى فرد أو مجموعة أن تنشئ لنفسها ما يشبه «شرطة دينية» أو سلطة «مطاوعة» موازية لمؤسسات الدولة، تفرض قواعدها الخاصة داخل المطاعم والمقاهى والمراكز التجارية، ثم تجعل الانصياع لتلك القواعد معياراً لاحترام الدين، فيما يتحول الاعتراض عليها إلى سبب للتشهير والحشد والمقاطعة واستعداء الجمهور.
ختاماً: نحن نواجه -فى الحقيقة- جماعات سلفية أو إخوانية تغير من «أسلوب حياة» المصريين وتفرض منهجها الفكرى بقوة الاغتيال المعنوى والأذى المادى.. ولولا السوشيال ميديا ما عرفنا انتماءات «ندى» ولا تاريخها الذى يضع ألف علامة استفهام على ما حدث.
نقلا عن الوطن





