ماجد سوس
أشهر انقسام في تاريخ الكنيسة هو ذاك الانقسام المشئوم الذي وقع بعد مجمع خلقيدونية سنة 451م حين اختلفت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنائس الخلقيدونية حول شخص السيد المسيح ذاته. غير أن القراءة الهادئة للنصوص الأصلية، ورسائل القديس كيرلس الكبير، مع الخلفيات التاريخية والسياسية لهذه الحقبة مع الحيادية والأمانة في طرح الموضوع يجعلنا نرى الأمر من منظور آخر أكثر شمولية.
 
فالقديس كيرلس الكبير لم يقل قط إن المسيح بلا ناسوت، ولم يعلم أبدًا بذوبان الناسوت في اللاهوت، كما أن آباء خلقيدونية لم يقولوا قط إن المسيح شخصان. لقد كان الجميع يعترفون بأن المسيح هو الإله الكامل والإنسان الكامل، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور بحسب اللاهوت، ومن العذراء مريم في ملء الزمان بحسب الناسوت. وكان الجميع يرفضون هرطقة نسطور التي قسمت المسيح، كما يرفضون هرطقة أوطيخا التي أنكرت كمال ناسوته. فإذا كان الإيمان واحدًا، فأين كان الخلاف؟
 
كان الخلاف، إلى حد كبير، في لغة اللاهوت أكثر منه في جوهر العقيدة. فالقديس كيرلس استخدم عبارته الشهيرة μία φύσις τοῦ Θεοῦ Λόγου σεσαρκωμένη   أي: "طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد". غير أن كلمة φύσις (Physis) عند كيرلس لم تكن تُستخدم بالمعنى الاصطلاحي الذي استقر بعد ذلك في القرن الخامس، بل كانت تشير في كثير من المواضع إلى الواقع الشخصي الواحد للمسيح المتجسد، أي إلى وحدة الأقنوم μία ὑπόστασις 
 
(Mia Hypostasis). أما مجمع خلقيدونية فقد فضّل التعبير بعبارة ἐν δύο φύσεσιν (En dyo physeis)، "في طبيعتين"، مع تأكيده أن الاتحاد تم ἀσυγχύτως، ἀτρέπτως، ἀδιαιρέτως، ἀχωρίστως، أي: "بغير اختلاط، ولا تغيير، ولا انقسام، ولا انفصال". وعندما تُقرأ هذه العبارات في سياقها التاريخي، يظهر أن كل فريق كان يخشى هرطقة مختلفة؛ فالإسكندرية كانت تحارب النسطورية، وأنطاكية كانت تخشى أن يُفهم الاتحاد على نحو يمحو الناسوت، ومن هنا تضخم الخلاف حول المصطلحات.
 
ثم جاءت السياسة لتزيد النار اشتعالًا. فلم يكن مجمع خلقيدونية مجرد جلسة لاهوتية معزولة، بل انعقد في ظل إمبراطور يسعى إلى توحيد الإمبراطورية دينيًا وسياسيًا، وفي ظل منافسة حادة بين الإسكندرية والقسطنطينية وروما. كما أن قرارات المجمع لم تقتصر على الكريستولوجيا، بل تناولت أيضًا قضايا السلطة الكنسية وامتيازات الكراسي الرسولية، وهو ما يؤكد أن السياسة والإدارة الكنسية كانتا حاضرتين بقوة، كتب المؤرخ الكنسي  John Meyendorff أن الانقسامات الكريستولوجية في القرن الخامس لا يمكن فهمها خارج الإطار السياسي للإمبراطورية، بينما رأى V. C. Samuel  أن جانبًا كبيرًا من النزاع كان نزاعًا اصطلاحيًا أكثر منه اختلافًا في جوهر الإيمان.
 
ولعل أكبر دليل على ذلك أن الكنائس نفسها، بعد خمسة عشر قرنًا من الانقسام، جلست إلى مائدة الحوار، فلم تكتشف إيمانًا جديدًا، بل اكتشفت أنها كانت أقرب إلى بعضها مما ظنت. ففي الإعلان المشترك بين البابا شنودة الثالث والبابا بولس السادس عام 1973، أقر الطرفان بإيمانهما المشترك برب واحد يسوع المسيح، إله كامل وإنسان كامل، كما توصلت الحوارات الرسمية بين الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والكنائس الأرثوذكسية البيزنطية إلى أن كثيرًا من الخلافات التاريخية ارتبطت باختلاف المصطلحات وسوء الفهم المتبادل، مع بقاء بعض القضايا التاريخية والكنسية التي لا تزال موضع نقاش.
 
ومن هذا المنظور، فإن كل جهد صادق من أجل التقارب بين الكنائس لا ينبغي أن يُفهم على أنه تنازل عن الإيمان، بل محاولة للتمييز بين العقيدة وطريقة التعبير عنها، وبين الإيمان الرسولي والظروف السياسية التي أحاطت به. وهذا هو السياق الذي يمكن أن تُفهم فيه جهود البابا تواضروس الثاني في الحوار المسكوني؛ فهي لا تعني التخلي عن تراث القديس كيرلس أو التفريط في العقيدة القبطية، بل تعني العودة إلى المصادر الأولى، وقراءة التاريخ بعيدًا عن لغة
 
الاتهام، والإيمان بأن الحقيقة لا تخشى الحوار، وأن الوحدة التي صلى من أجلها السيد المسيح لا تُبنى على المجاملة، بل على الصدق، والمعرفة، والاعتراف المتبادل بما هو مشترك، مع احترام ما بقي من اختلافات. وربما يكون أعظم انتصار للكنيسة اليوم ليس أن تنتصر طائفة على أخرى، بل أن ينتصر الحق على سوء الفهم، وأن يكتشف أبناء الكنيسة الواحدة أن ما جمعهم في المسيح عبر القرون كان، وما زال، أعظم بكثير مما فرّقهم.