أحمد الجمال
"مسرى" تجري فيه كل ترعة عسرة، وفيه أيضًا صوم العدرا، الذي يستمر خمسة عشر يومًا، ويحرص أتقياء الناس في هذا الصوم على الاقتصار على الماء والملح ولا يقتربون من طعام آخر، حتى الزيت والسمك، رغم أن صوم العدرا في الأعراف الإيمانية يعد صومًا من أصوام الدرجة الثالثة أو الرابعة.

ولا أدري سببًا ماديًا أو دنيويًا لارتباطي وأسرتي بالعذراء مريم، التي اصطفاها الله وطهرها واصطفاها على نساء العالمين- كما نص القرآن الكريم- وفي تفسير كلمة "اصطفاك" يسهب المفسرون بما يوضح مكانتها العظيمة، ويزداد الوضوح بتفسير تكرار الكلمة في آية واحدة: "وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين" آل عمران- 42.

ولطالما كتبت عن أم النور الغالية الكريمة، وربطت بينها وبين إيزيس وبينهما وبين السيدة زينب.. إذ يجمع الوجدان المصري بينهن ويصفهن بالطهر بمن فيهن السيدة زينب بنت الإمام علي وأخت الإمام الحسين، التي تزوجت وأنجبت من زوجها ابن عمها جعفر بن أبي طالب، واستشهد أبناؤها في كربلاء.

وفي تأملي اكتشفت أن الطهر يعني البتولية، ولكنه يعني أكثر وأكثر الموقف الإنساني بالغ القوة والشجاعة والإيمان والصبر.. حيث صمدت إيزيس وتماسكت وأصرت على مواجهة إله الشر "ست" فجمعت أشلاء أوزيريس زوجها بعد أن قتله "ست" ومزقه ووزع أشلاءه في فروع النيل الأربعين، ثم تمددت بجانب الأشلاء فحملت حملًا معنويًا في ابنها حورس، ومن دموعها جاء فيضان النيل، أي في شهر مسرى!

وكذلك صمدت ستنا مريم وتماسكت وواجهت الشر اليهودي الروماني ولم تترك ساحة الصلب، بل وتحدت الشر عندما ذهبت مع أخريات للقبر ووجدته فارغًا.

وكانت السيدة زينب من الطراز نفسه، إذ صمدت وتماسكت وتحدت الشر الأموي، وقادت مسيرة آل البيت إلى مصر.

ولهذه الصفات كان وسيبقى للمصريين ثلاث سيدات أوليات- جمع أولى- هن إيزيس والعدرا أم النور والسيدة زينب، ومهما توالت العصور وتعددت سيدات أطلق عليهن السيدة الأولى، فإن ذلك يذهب أدراج الرياح ويبقى الثالوث النسوي الطاهر الخالد.. فرضي الله عن ستنا أم النور في شهرها شهر الخير وتدفق المياه في شرايين الري والشرب في كل أرض المحروسة.

وقد عشت المشهد سنوات عديدة في الخمسينيات والستينيات إلى أن تم بناء السد العالي.. لأن أهلنا كانوا يستعدون لجريان الماء في الترع بأن يقوموا بتطهيرها من حشائش النسِّيلة والبرنوف والياسنت وغيرها التي كانت تتكاثر وتتماسك جذورها في الطين المتراكم من طمي الفيضان السابق لتسد مجرى الماء.

وكان أصحاب الأطيان التي تسقى من ترعة معينة يساهمون بالمال وبالأنفار الذين كانوا ينزلون شبه عرايا الترعة الجافة في فترة التحاريق أثناء الشتاء القارس، وبأيديهم "يخلبون" الطين والحشائش ويقذفونها "ينطرونها" على الحافة من الجانبين، لتصير بعد فترة ردمًا صلدًا يرفع الجوانب لتستوعب الترعة أكبر كمية من الماء القادم مختلطًا بذرات الطمي الذي تفتت من صخور جبال الحبشة بفعل الأمطار الغزيرة.

وأثناء خلب الطين كانت بعض الأماكن في القاع تحتفظ ببعض المياه، وبفعل الرطوبة كانت أسماك القرموط تدفن نفسها من حول "مقاميق" المياه التي مفردها العامي "مقميقة"، وفيها بعض يرقات الضفادع التي سميت "بكرور"، وكنا- ونحن صغار- نظنها أسماكًا صغيرة!

وكانت المياه حمراء داكنة، يزداد منسوبها كل يوم أو أقل من يوم، حتى تمتلئ الممرات ويتساقط الجميز من أشجاره التي تملأ الأفق بفروعها على وجه المياه، وأحيانًا يكون مع الجميز بلح أخضر رامخ أو أحمر غير ناضج.

ولكي يحمونا من الغرق كانوا يبثون الرعب فينا بأن العفاريت والجنيات يتشكلون على هيئة جميز وبلح وقتة وخيار تطفو على سطح المياه، فإذا مددتم أيديكم لتأخذوها سحبتكم للقاع!

ومع ذلك، ولأننا جوعى بعد العصر، لأن وجبة الغداء كانت الظهر؛ فإننا كنا نتحايل بعصي طويلة شبه معقوفة من طرفها لنسحب الثمار ولا نغرق، اللهم إلا إذا غامر بعضنا وخلع هدومه ونزل للاستحمام، وكثيرًا ما كان البعض الذي لم ينزل والتزم بالتعليمات يخطف الهدوم ويجري بها إلى الدار، حيث الأمهات الهلعات وتكون الفضيحة والعلقة.

كل مسرى وكل صوم عدرا وإحنا طيبين. 
نقلا عن المصري اليوم