كمال زاخر
الثلاثاء 11 أغسطس 2026
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انخرطُت في خدمة مدارس الأحد شأن كثيرين من أبناء جيلي، في العام 1965، وحظيت بخدام اتقياء علماً وخُلقاً، وتشكل وجداني بهم، ومعهم دوائر عديدة من الكتّاب والأدباء خارج الكنيسة في مناخ الستينيات المتوهج بمبدعيه، وكان الكِتاب في كل الأحوال الباب الملكي للمعرفة، وكان الخدام في الكنيسة والمعلمين في المدرسة ـ وقتها ـ يحفزوننا على القراءة وعلى الحديث عن تلك القراءات.
وقتها كنا نعيش أجواء مصرية محكومة ـ إلى حد بعيد ـ بسياج من القيم الإيجابية الفطرية، وكانت الكنيسة تشهد تكاملاً بين مكوناتها، بشكل مؤثر، كما في الكنيسة بمجملها كذلك في كنيستنا المحلية، كان الاحترام المتبادل عنوان التعامل بينهم، بلا تحفز أو طبقية أو تنافس على المقاعد الأولى، أو على موقع القيادة، ومازلت اتذكر أبي الكاهن القمص يوحنا عبد المسيح أبادير بشيخوخته المهيبة، والقادم من عمق الصعيد، وخلفه خدمة ممتدة بكنائس المنيا والسودان حتى حط به الرحال في كنيستنا متزامناً مع بداية خدمتي في صفوف مدارس الأحد، كان رغم الفارق الجيلي ـ وربما بسببه ـ يحرص على سؤالي عما قرأت، وفي كثير من الأحيان يطلب مني أن اذهب إليه ومعي الكتاب الذي أقرأ فيه، وعندما يكون كتاباً لاهوتياً أجده يستوقفني مع كل جمله ويذكر لي المرجع الإنجيلي الكتابي الذي إستندت إليه، وكان يتنقل في استشهاداته النصية، التي يحفظها عن ظهر قلب، بين اسفار الكتاب المقدس بسلاسة وحضور لافت، وكان مرد ذلك نشأته في جمعية اصدقاء الكتاب المقدس، فجمع بين مرجعية الكتاب وبين زخم الرؤية الكنسية.
لم تدم هذه الصورة المخملية طويلاً إذ تقودني خطاي، بغير أن أنتبه، وقد اقتربت كثيراً من الأجواء الكنسية، إلى شبكات العلاقات في دوائرها المتقدمة، ومعها تتوالى الصدمات التي لولا مخزون التكوين الروحي والكنسي متعدد المصادر الأرثوذكسية، وكانت متاحة وقتها، لولاه لكنت قد هجرت الكنيسة وشخوصها.
كانت بذور الصدمات تشكلها التحولات الذي اصابت البنية التدبيرية للكنيسة، والتي بدأت مع رهبنة فضائها العام، بنقل انماط الحياة الرهبانية خارج نطاقات الأديرة، وقد بدأت بشكل متدرج في حبرية ـ زمن ـ البابا كيرلس السادس، ووجدت قبولاً في الشارع القبطي الذي وجد فيها دعماً روحياً في مواجهة رياح المادية وموجات الالحاد، وتعمق قبولها كملاذ فيما بعد مع تصاعد الإسلام السياسي واستهدافه للأقباط، وبالتوازي انتقلت الكنيسة بعد زمن البابا كيرلس ـ وحتى اللحظة ـ بخطوات مدروسة إلى نقل مركز تدبير الكنيسة لينحصر في الرهبان، وازاحة الدور العلماني إلى الهامش الاستشاري ثم إلى مربع العمل التنفيذي لما يقرره الإكليروس الرهباني.
لم تنتبه الكنيسة إلى تداعيات هذا التحول، بفعل عوامل عديدة داخلها وفي الدوائر الخارجية المحيطة بها، لعل ابرزها سياسة الدولة في تحجيم الحضور القبطي في المجال السياسي، ضمن اختزال أبعد للمشاركة الشعبية، كنتيجة طبيعية للمنهج الأبوي الذي تؤمن به القيادة السياسية، وغض البصر عن الأعمال الإجرامية الإرهابية بحقهم، والتعامل معهم بكونهم "رعايا كنيسة" لا "مواطنين في وطن"، وقد وجد الأقباط في قداسة البابا شنودة البديل السياسي المفوض لتمثيلهم أمام الدولة، وكان يملك مقومات هذا الدور، والذي بسببه، فيما بعد، كان الصدام مع رئيس الدولة الذي رآه، على غير الحقيقة، مزاحماً على موقع القيادة وكانت النتيجة قرارات سبتمبر 81 وضمنها قرار سحب اعتراف الدولة بتعيين البابا، أي عزله، وتحديد اقامته بديره بوادي النطرون.
شهدت الكنيسة مداً رهبانياً تشهده الأديرة، وتنامياً في رسامة الأساقفة، في مناخ يعاني من اختلالات معايير قبول طالبي الرهبنة، فاختلط من يطلبها باعتبارها أحدى طرق الحياة الروحية، مع من يطلبها كملاذ للتخلص من متاعبه وازماته أو لخلل نفسي ما، أو كطريق قد يفضي إلى اختياره اسقفاً، وانعكس هذا بالضرورة على التكوين الأسقفي بدرجات متفاوتة.
يرحل قداسة البابا شنودة بشيبة صالحة ومعاناة ثقيلة وممتدة، ليخلفه قداسة البابا تواضروس بشخصيته التنظيمية وأحلامه المحلقة في سماوات الوحدة، لكنه لا يمتلك امكانات سلفه وخبراته السياسية وقدراته في التواصل الشعبوي، ليصطدم مع جدار سميك تشكل داخل مجمع الأساقفة، يرى في خطواته إضراراً بما استقر لهم وعندهم من مراكز كنسية ومادية وسياسية، فكانت مقاومته فرض عين عندهم، لينتهي الأمر إلى مهادنة يحسبها البابا لصالح استقرار الكنيسة، وهي عند الجهة المقابلة لا تخلوا من سعي التضيق عليه وتقويض صلاحياته، وفي هذه الأجواء المرتبكة والملتبسة يصر الإكليروس الرهباني على اقصاء المشاركة المدنية (من شعب الكنيسة) في التدبير الكنسي بالمخالفة لما كانت عليه الكنيسة كما يخبرنا عنها دفتر احوالها الذى وثقه سفر أعمال الرسل.
وهكدا تنتقل بنا الكنيسة من زمن الوحدة والجسد الواحد المتكامل إلى زمن الحيرة والذي ينبئ بتداعيات لا يملك أحد التنبؤ بمخاطرها والتي قد تنال من تماسكها ومن قدرتها على اداء مهمتها المحملة بها من مؤسسها الرب يسوع المسيح، ولا أُزِيد.





