الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
«يمكننا أن نتساءل هنا: كيف تستطيع الكنيسة أن تسهم في حلّ المشكلات الاجتماعيّة والسياسيّة الملحّة، وأن تستجيب لتحدّي الفقر والبؤس الكبير؟ إنّ مشكلات أمريكا اللاتينيّة ومنطقة الكاريبي، شأنها شأن مشكلات عالم اليوم، كثيرةٌ ومعقّدة، ولا يمكن مواجهتها ببرامج عامّة.
ومع ذلك، فإنّ السؤال الأساسيّ عن الكيفيّة التي ينبغي للكنيسة، مستنيرةً بالإيمان بالمسيح، أن تستجيب بها لهذه التحدّيات، يعنينا جميعًا.
وفي هذا السياق، لا مفرّ من الحديث عن مشكلة البُنى، وبوجهٍ خاصّ البنى التي تولّد الظلم. فالبنى العادلة هي بالفعل شرطٌ لا يمكن من دونه إقامة نظامٍ عادل في المجتمع. ولكن كيف تولد هذه البنى؟ وكيف تعمل؟ لقد وعدت الرأسماليّة والماركسيّة كلتاهما بإيجاد الطريق إلى إنشاء بنى عادلة، وأكدتا أنّ هذه البنى، متى أُقيمتْ، ستعمل من تلقاء ذاتها؛ وزعمتا أنّها لن تحتاج إلى أخلاقٍ فرديّة سابقة، بل ستعمل هي نفسها على تعزيز الأخلاق المشتركة. وقد ثبت بطلان هذا الوعد الأيديولوجيّ، والوقائع تبرهن على ذلك.
فالنظام الماركسيّ، حيثما حكم، لم يترك تراثًا حزينًا من الدمار الاقتصاديّ والبيئيّ فحسب، بل خلّف أيضًا قمعًا أليمًا للنفوس. ونرى الأمر نفسه في الغرب، حيث تتّسع باستمرار الهوّة بين الفقراء والأغنياء، ويحدث تدهور مقلق لكرامة الإنسان من خلال المخدّرات والكحول وأوهام السعادة الخادعة.
إنّ البنى العادلة، كما قلتُ، شرطٌ لا غنى عنه لمجتمعٍ عادل؛ لكنّها لا تولد ولا تعمل من دون إجماعٍ أخلاقيّ داخل المجتمع بشأن القيم الأساسيّة، وبشأن ضرورة عيش هذه القيم مع ما تقتضيه من تضحيات، حتى إذا تعارضت مع المصلحة الشخصيّة.
وحيث يغيب الله، إله وجه يسوع المسيح الإنسانيّ، لا تظهر هذه القيم بكلّ قوّتها، ولا يتكوّن إجماع بشأنها. ولا أقصد أن غير المؤمنين لا يستطيعون عيش أخلاق سامية ومثاليّة؛ بل أقول فقط إنّ المجتمع الذي يغيب الله عنه لا يجد الإجماع الضروريّ على القيم الأخلاقيّة، ولا القوّة اللازمة للعيش وفقًا لها، حتى إذا تعارضت مع المصالح الخاصّة.
ومن ناحية أخرى، ينبغي البحث عن البنى العادلة وصوغها في ضوء القيم الأساسيّة، وباستخدام كامل طاقات العقل السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ. فهي مسألة تخصّ العقل القويم، ولا تصدر عن الأيديولوجيّات أو وعودها. وهناك بالتأكيد رصيد من الخبرات السياسيّة والمعارف المتعلّقة بالمشكلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، يكشف العناصر الأساسيّة للدولة العادلة والطرق التي ينبغي تجنّبها. ولكن في ظلّ اختلاف الأوضاع الثقافيّة والسياسيّة، والتغيّر المتواصل في التكنولوجيا والواقع التاريخيّ العالميّ، ينبغي البحث بعقلانيّة عن الإجابات الملائمة، وصوغ إجماع، مع التسويات الضروريّة، بشأن البنى التي يجب إقامتها.
هذا العمل السياسيّ لا يدخل في الاختصاص المباشر للكنيسة. فاحترام علمانيّة سليمة، مع تعدّد المواقف السياسيّة، أمر جوهريّ في التقليد المسيحيّ. وإذا بدأت الكنيسة تتحوّل مباشرة إلى فاعل سياسيّ، فلن تخدم الفقراء والعدالة أكثر، بل أقل؛ لأنّها ستفقد استقلالها وسلطتها الأخلاقيّة، إذ تتماهى مع طريق سياسيّ واحد ومواقف جزئيّة قابلة للنقاش.
الكنيسة محامية عن العدالة والفقراء تحديدًا لأنّها لا تتماهى مع السياسيّين أو المصالح الحزبيّة. ومن خلال استقلالها وحده، تستطيع تعليم المعايير الكبرى والقيم التي لا يجوز التنازل عنها، وتوجيه الضمائر، وتقديم خيار للحياة يتجاوز المجال السياسيّ. إنّ تنشئة الضمائر، والدفاع عن العدالة والحقيقة، والتربية على الفضائل الشخصيّة والسياسيّة، هي دعوة الكنيسة الأساسيّة في هذا المجال. وينبغي للعلمانيّين الكاثوليك أن يدركوا مسؤوليّتهم في الحياة العامّة، وأن يشاركوا في بناء الإجماع الضروريّ وفي مقاومة المظالم.
لن تكون البنى العادلة كاملة بصورة نهائيّة؛ فبسبب تطوّر التاريخ المستمر، ينبغي تجديدها وتحديثها دائمًا. كما يجب أن تحرّكها دومًا روح سياسيّة وإنسانيّة، ينبغي العمل باستمرار على ضمان حضورها وفاعليّتها. وبعبارة أخرى، يظلّ حضور الله، والصداقة مع ابن الله المتجسّد، ونور كلمته، شروطًا أساسيّة لحضور العدالة والمحبّة وفاعليّتهما في مجتمعاتنا.
ولأنّنا نتحدّث عن قارّةٍ من المعمَّدين، ينبغي سدّ الغياب الملحوظ، في المجالات السياسيّة والإعلاميّة والجامعيّة، لأصوات ومبادرات قادة كاثوليك يتمتعون بشخصيّةٍ قويّة ودعوة متفانية، ومتّسقين مع قناعاتهم الأخلاقيّة والدينيّة. وأمام الحركات الكنسيّة هنا مجال واسع لتذكير العلمانيّين بمسؤوليّتهم ورسالتهم في حمل نور الإنجيل إلى الحياة العامّة والثقافيّة والاقتصاديّة والسياسيّة.»
...
(الخطاب الافتتاحيّ لقداسة البابا بندكتس السادس عشر، في الوثيقة الختاميّة للمؤتمر العام الخامس لأساقفة أمريكا اللاتينيّة ومنطقة الكاريبي: "تلاميذ يسوع المسيح ومرسلوه، لكي تكون لشعوبنا فيه الحياة"، الصادرة عن مجلس أساقفة أمريكا اللاتينيّة سنة ٢٠٠٧.)
ترجمتي عن الأصل الإسبانيّ:
Consejo Episcopal Latinoamericano (CELAM), Discípulos y misioneros de Jesucristo para que nuestros pueblos en Él tengan vida: «Yo soy el Camino, la Verdad y la Vida» (Jn 14,6): Documento conclusivo de la V Conferencia General del Episcopado Latinoamericano y del Caribe, Aparecida, 13–31 de mayo de 2007, 3.ª ed. (Bogotá: CELAM, 2008)،





