هل كلّ ما يُروى في الكتاب المقدّس حدث تاريخيّ؟ (١)
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
تبدأ الوثيقة من تنوّع النصوص الكتابيّة، فتقول إنّ السؤال بشأن "المعنى" «يُطرَح بصيغٍ متباينة تبعًا لاختلاف أنماط النصوص: من روايات تاريخيّة، وأمثال، وأقوال نبويّة، وشرائع، وحِكَم، وصلوات، وترانيم، وما إلى ذلك».
فالكتاب المقدّس ليس كتابًا من نوع أدبيّ واحد، ولذلك لا يمكن أن نقرأ كلّ صفحاته بالطريقة نفسها. الرواية التاريخيّة لا تعمل مثل المثل، والصلاة لاتُقرأ مثل الشريعة، والرؤيا الرمزيّة لا تستخدم اللغة كما يستخدمها السرد التاريخيّ.
لهذا تقول الوثيقة بوضوح: «حينما يتعلّق الأمر بقصّةٍ ما، فإنّ المعنى الحرفيّ لا يستلزم بالضرورة الاعتقاد بأنّ الوقائع التي تُسرَد قد وقعت بالفعل؛ إذ لا يُشترَط في القصّة أن تندرج ضمن الجنس التاريخيّ، بل قد تكون عوضًا عن ذلك عملًا من نسج الخيال الأدبيّ a work of imaginative fiction»
. هذا لا يعني أن كلّ قصّة خياليّة، بل يعني أن وجود شخصيّات وأماكن وأفعال في صيغة الماضي لا يكفي وحده لإثبات أن الكاتب يقصد تسجيل واقعة تاريخيّة.
هنا تنتقد الوثيقة التفسير الأصوليّ، لأنه «يُضفي طابعًا تاريخيًّا على موادّ لم تدّعِ قطّ، منذ البدء، أنّها تاريخيّة». ثم توضّح خطأه: «وتعدّ تاريخيًّا كلّ ما يُنقَل أو يُروَى بأفعالٍ في صيغة الماضي، مخفقةً في إيلاء الاهتمام اللازم لاحتماليّة انطواء النصّ على معنًى رمزيّ أو مجازيّ». فالقصّة التعليميّة، والمثل، والشعر، والرؤيا، يمكنها جميعًا أن تستخدم أفعال الماضي، من دون أن تتحوّل بذلك إلى تقارير تاريخيّة.
لكنّ الوثيقة لا تنفي وجود التاريخ في الكتاب المقدّس، بل تشرح كيف نبحث عنه. تقول: «وحينما تنتمي النصوص المدروسة إلى نوع أدبيّ تاريخيّ، أو تتعلّق بأحداث تاريخيّة، فإنّ النقد التاريخيّ يتمّم النقد الأدبيّ بقصد تحديد الدلالة التاريخيّة للنصّ بالمعنى الحديث لهذا التعبير». ترتيب الخطوات مهمّ: نحدّد أولًا نوع النصّ وخصائصه الأدبيّة، ثم نبحث في قيمته التاريخيّة إذا كان ينتمي إلى نوع تاريخيّ أو يرتبط بأحداث تاريخيّة.
ولهذا يهتمّ المنهج التاريخيّ-النقديّ بـ«السيرورات التاريخيّة التي أفضت إلى نشأة النصوص الكتابيّة»، وهي، بحسب الوثيقة، سيرورات «غالبًا ما كانت معقّدة واستغرقت حقبةً طويلة». كما يبحث نقد الأنواع الأدبيّة في نوع النصّ وبيئته، ويضع نقد التقاليد النصّ في مسار انتقاله عبر الزمن، بينما يدرس نقد التحرير «التعديلات التي طرأت على هذه النصوص قبل استقرارها في صورتها النهائيّة».
وقد كشف هذا البحث الكتاب المقدّس بوصفه «مجموعةً من الكتابات التي لم تكن في أغلب الأحيان، لا سيّما في حالة العهد القديم، نتاجًا لكاتبٍ واحد، بل كانت لها مراحل تكوينٍ تاريخيّة مديدة». وهذا لا يقلّل من قيمة الوحي، لأن النصّ الكتابيّ، بحسب الوثيقة، هو في الوقت نفسه كلمة الله وخطاب بشريّ تشكّل داخل التاريخ.
إذًا، لا نستطيع أن نقول إنّ كلّ ما يُروى في الكتاب المقدّس حدث تاريخيّ لمجرّد أنه مكتوب في صيغة الماضي. ولا نستطيع أيضًا أن نقرّر مسبقًا أن الروايات غير تاريخيّة. المطلوب هو دراسة نوع النصّ، وسياقه، وتاريخ تكوينه، والغرض الذي كُتب من أجله. فالأمانة للكتاب لا تعني أن نضع نصوصه كلّها في قالب تاريخيّ واحد، بل أن نقرأ كلّ نصّ وفق الطريقة التي اختار أن يتكلّم بها.
وفي الجزء الثاني: ماذا تقصد الوثيقة بقولها إنّ الأحداث التي يرويها الكتاب المقدّس «أحداث مؤوَّلة»؟
رحلة في فنّ التفسير مع وثيقة «تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة»





