بقلم: مريم كامل

 مريم كامل تكتب: ماذا فعلت؟.. «صوت دم أخيك صارخٌ إليَّ من الأرض»

«صوت دم أخيك صارخٌ إليَّ من الأرض»
سؤال إلهي يهز القلوب ويفطر الصدور بوجع لا يوصف، ويعيد إلى الذاكرة أول جريمة قتل عرفتها البشرية، حين امتدت يد الأخ إلى أخيه، فكان الحسد أول الطريق، وكانت الخيانة والغيرة والكراهية نهايته.
 
وها نحن اليوم، وبعد آلاف السنين، نرى المشهد نفسه يتكرر بصورة أخرى، وبأسماء مختلفة، ولكن بالمضمون ذاته: الحقد، والحسد، والكراهية، والخيانة، ونكران العِشرة والعيش والملح.
 
إنها جريمة لا تشبه مجرد خلاف عابر على المال، ولا يمكن اختزالها في نزاع مادي؛ إنها فاجعة إنسانية بكل المقاييس، لأن الضحايا لم يكونوا مجرد أرقام، وإنما أرواحًا بريئة رحلت في لحظة غدر، بعدما تحول شخص كان في مقام الصديق والأخ إلى مصدر للخطر والموت.
 
ما أقسى أن يخرج صديقان بعد ليلة من الطعام والحديث والفضفضة، كما يفعل الأصدقاء والإخوة، ثم تنقلب لحظة الأمان إلى بداية مأساة!
 
كيف يمكن لقلب أن يمتلئ بهذا القدر من الشر، حتى يرى في صديقه فرصة للحصول على ماله؟ كيف يمكن أن تتحول العِشرة إلى خيانة، والثقة إلى فخ، واليد التي صافحتك بالأمس إلى يد تمتد لإنهاء حياتك؟
 
لقد رأينا جرائم كثيرة، لكن بعض الجرائم تقف أمامها الكلمات عاجزة، ويقف العقل مصدومًا غير قادر على استيعاب كيف يمكن للإنسان أن يتجرد من إنسانيته إلى هذا الحد.
 
حتى الحيوانات لا تنكر معروفًا بهذه القسوة.
 
كيف يمكن لإنسان أن ينسى سنوات العِشرة، والطعام المشترك، والضحكات، والثقة، والمواقف، ثم يسمح للحسد والطمع أن يمحو كل ذلك في لحظة؟
لقد أصبحنا في بعض الأحيان أقسى مما نتخيل، ننسى النعمة وننظر إلى ما في أيدي الآخرين، نشتهي ما عند غيرنا، ونقارن أنفسنا بهم، وننسى أن الصحة وحدها نعمة لا تقدر بثمن، وأن لقمة بسيطة مع راحة البال والسلام، خير من موائد عامرة داخل بيت تسكنه الخصومة والكراهية.

وهنا أسأل نفسي وأسألكم:
بماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟
في هذه الجريمة تحديدًا، يقف العقل أمام سؤال أكبر: كيف تتحول الصداقة، بقدرة الحقد والشر، إلى خنجر لا يطعن الصديق وحده، وإنما يمتد ليصيب أسرته وأحباءه وأبرياء لا ذنب لهم؟
 
الصديق يفترض أن يكون حصنًا وسندًا وظهرًا لصديقه، فإذا به ينقلب فجأة إلى قاتل، ويمارس أبشع الجرائم الإنسانية، وهي إزهاق النفس التي حرم الله قتلها.
 
«صوت دم أخيك صارخٌ إليَّ من الأرض»
 
وكأن التاريخ يعيد السؤال نفسه: أين أخوك؟
 
فيأتي الإنكار والجحود بدل الندم، وتُساق التبريرات بدل الاعتراف بالجريمة، وكأن المال يمكن أن يصبح مبررًا لسفك الدماء، أو أن الخلاف المادي يمكن أن يمنح أحدًا الحق في إنهاء حياة إنسان.

أي شر هذا؟
ولماذا امتدت الجريمة إلى أبرياء آخرين؟ لماذا لم يتوقف الحقد عند شخص واحد، بل التهم الأخضر واليابس، وحوّل بيتًا كان يفترض أن يكون مكانًا للأمان إلى مسرح للفاجعة؟
 
بيت استُبيحت فيه الدماء بدم بارد.
راحت العِشرة، وانعدمت الإنسانية، وتحول الأمان إلى رعب، وأصبح السؤال الذي يؤلمنا جميعًا: هل ما زال بإمكاننا أن نثق في بعضنا البعض؟
أين الأمان؟
أين السكينة؟
أين المحبة؟
أين الترابط الأسري والمجتمعي الذي عشنا عليه سنوات طويلة؟
 
إن خطورة هذه الجريمة لا تتوقف عند الضحايا الأربعة، وإنما تمتد إلى المجتمع كله؛ لأنها تضرب واحدًا من أهم أركان حياتنا: الثقة بين الناس.
 
ولهذا فإنني أناشد كل صاحب قلم، وكل صحفي وإعلامي، وكل من يستطيع أن يرفع صوته، ألا يمر على هذه الجريمة مرورًا عابرًا، وأن يكون تناولها مسؤولًا، يطالب بكشف الحقيقة كاملة وتطبيق القانون، دون تهويل أو شائعات أو أحكام مسبقة.
 
نحن بحاجة إلى قضاء عادل يقول كلمته وفق القانون والأدلة، ويحاسب كل من تثبت مسؤوليته عن هذه الجريمة، حتى يدرك كل من يفكر في إزهاق روح بريئة أن الدم ليس رخيصًا، وأن الجريمة لا يمكن أن تمر بلا حساب.
 
هذه ليست مجرد جريمة خلاف مادي، وإنما ناقوس خطر يدق في جذور العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع المصري؛ مجتمع اعتاد أن يكون البيت فيه بجوار البيت، والجار سندًا لجاره، والصديق أخًا لصديقه.
 
فكيف وصلنا إلى أن نخاف من بعضنا؟
وكيف أصبح القريب مصدر خوف بدلًا من أن يكون مصدر أمان؟
 
أربعة أرواح رحلت ضحية جريمة قاسية، وخلفها أهل مكلومون وقلوب مكسورة وأسر تبحث عن العدالة.
 
والعدالة هنا ليست انتقامًا، وإنما هي تطبيق للقانون، وإحقاق للحق، وصون لحرمة الدم، ورسالة واضحة بأن حياة الإنسان ليست شيئًا يمكن أن يُستهان به.
أما نحن، فلا نملك أمام هذا الوجع إلا أن نصلي.
 
اللهم ارحم أرواحهم، وأنر نفوسهم، واجعلهم في فردوسك وملكوتك، وعزِّ أسرهم وذويهم، واربط على قلوب كل من أحبهم.
 
رحلوا معًا، بعدما جمعهم العيش والملح على الأرض، فنسأل الله أن يجمعهم معًا في السماء، وأن يمنح أهلهم القوة والصبر، وأن يكشف الحقيقة كاملة، ويقيم العدل، ويحفظ مجتمعنا من شر الحقد والكراهية والغدر.